3

رسالة قبل الرحيل

هذه رسالة كتبها اليوم جراح أعصاب تخرج من البورد من جامعة ستانفورد مؤخرا عنوانها (قبل الرحيل) بعد تشخيصه بسرطان الرئة المنتشر في كل أنحاء جسده، سأترجمها هنا ترجمةً غير حرفية.

في تدريب الجراحة يرددون دائما أن الأيام طويلة لكن السنواتِ قصار.. وعندما كنت أتدرب في بورد جراحة الأعصاب، كنّا نبدأ مرورنا قبل السادسة صباحا ولا ينتهي اليومُ إلا حين تنتهي من العمليات فإذا كنت سريعا فيها انتهى يومك أسرع مما إذا كنت بطيئا جراحيا لكن ذلك لا يعني أن تقدس السرعة فلا تجري عملك بدقة. أتذكر كيف كان ممرض العمليات يتهكم علي في أوائل أيامي حين كنت أخيط الجروح بدقة وبطء شديد فكان يقول هل أنت جراح تجميل أم جراح أعصاب!
اكتشفت خطتك!
 أنت بطيء في إغلاق الجرح حتى يلتئم النصف السفلي منه الذي خيطته للتو بينما تكمل خياطة الجزء العلوي.. قال الممرض ذلك ذات مرة كناية عن بطئي الشديد.. أي أن الوقت الطويل الذي استغرقه لخياطة الجرح وكأنه أسبوعٌ كامل كفيل بالتئام الجروح.
الكل كان يحثني على السرعة في سَنَتي الجراحية الأولى حتى لا يستغرق المريض وقتا طويلا على طاولة العمليات فكلما طالت العملية كلما زاد إجهاد المريض.
هناك وسيلتان لإختصار الوقت في العمليات فإما أن تكون كالسلحفاة أو كالأرنب كما في القصة الشهيرة، الجراح الأرنب يتحرك بأقصى سرعة فلا تكاد تشاهد يده وهو يفتح جلد  الرأس بسكينه كما تفتح الستارة المنزلية ثم بلحظاتٍ تشاهد قطعة جمجمة الرأس على طاولة الممرضة بعد أن يتطاير غبار العظام، لكن الفتحة التي قام بها الجراح الأرنب قد تحتاج لبعض التوسعة فيستغرق ذلك وقتا أطول.. أما الجراح السلحفاة فيستغرق وقته بالتخطيط قبل فتح الرأس لكنه لا يحتاج لمراجعة ما قام بفعله. يفوز الجراح الأرنب إذا لم يضع وقته في كثرة المراجعات ويفوز الجراح السلحفاة إن لم يضع وقته في طول التخطيط والتفكير.
الشيء الغريب في غرفة العمليات أنك سواء كنت بطيئا أم خارق السرعة فإنك لا تحس بالوقت، فإذا كان الملل كما يعرفه هيديغر الفيلسوف الإحساس بمرور الوقت، فما يجري في غرفة العمليات هو العكس تماما. يقفُ الوقتُ تماماً في غرفة العمليات حتى ما إذا غرزت غرزتك الأخيرة يبدو وكأنما الوقت يبدأ من جديد، وكأنك تسمع صوتا يؤذن ببدء الوقت ثم تسأل نفسك الأسئلة الإعتيادية: متى تكون الحالة التالية؟ هل يكفي الوقت حتى أتناول طعام الغداء؟ متى سأصل المنزل الليلة؟
التدريب الجراحي مضنٍ جدا منذ اليوم الأول ولم يكن شيء يخففه سوى قول من حولي أن الستةَ سنوات هذه ستمر مر السحاب. كان ذلك واقعا… مضت خمس سنوات وبينما كنت في سَنَتي النهائية السادسة أحسست بأعراضٍ منها التعرق ليلا بشدة وفقدان الوزن والحرارة والسعال وألمٌ في الظهر، فشخصوني سريعا بسرطان الرئة المنتشر.
استطعت بصعوبة اجتياز السنة النهائية بينما كانوا يعالجونني بالكيماوي، ثم ما ان اجتزتها حتى رجع علي السرطان بطريقةٍ أشرس وحين رخصوني من المستشفى عدت الى منزلي متكأً على عصاة بالكاد أمشي ومن دون شعرٍ على رأسي. القيام للجلوس على الكرسي كان عملا شاقا بل حتى رفع كوب الماء. إذا كان الوقت يطول حين يتحرك الإنسان بسرعة فهل يقصر حين لا يقوى على الحركة؟
أيامي أصبحت قصيرةً جدا فالذهاب لموعد الطبيب كان يدمر كل يومي بل حتى إذا زارني صديق.. لأنني يجب أن أرتاح بعد عناء الموعد أو الزيارة. أصبحت أيامي متشابهة حتى أن الوقت لم يعد يعنيني واليوم لم يعد يعني لي شيئا. ورغم كل هذا الحزن فقد حصل شيء جميلٌ جدا إذ ولدت ابنتي يوما واحدا بعد ترخيصي من المستشفى فأعادت تعريف وقتي ويومي.
أصبحت أعيد تعريف الأفعال والزمن.. هل أنا جراح أعصاب؟ أم كنت جراح أعصاب؟ أو هل كنت جراح أعصاب وسأكون بعدها جراح أعصاب حين أموت؟
كتب غراهام غرين أن الحياة هي أول عشرين سنة فقط والباقي من السنوات ما هو إلا انعكاس للعشرين سنة الأولى. هل عشت حياتي أم أنها توقفت قبل ميعاد نهايتها؟ قبل بضعة أيامٍ احتفلت مع أصدقائي في الثانوية الذين أتوا من كل أنحاء الأرض بالذكرى الخامسة عشرة للتخرج وكان العهد أن نحتفل في الذكرى الخامسة والعشرين، فكنا نودع بَعضنَا قائلين (نراكم في الذكرى الخامسة والعشرين) لم أقل لهم أنه من المستحيل أن أكون على قيد الحياة حينها.
الزمن بالنسبة لي سيفٌ ذو حدين.. كل يومٍ يأخذني بعيدا من اليوم الحزين الذي شخَّصوا فيه عودة السرطان لكنه كذلك يأخذني قريبا لموعد موتي. ربما سأموت في يومٍ أبعدَ مما أعتقد لكن أقرب مما أتمنى.
كلنا سائرون نحو الفناء فأنا لست أول الفانين ولن تكون أنت آخرهم.. الأمنيات والأحلام إما أن تتحقق أو أن تُنسى.. المستقبل بالنسبة لي أصبح عديم الوجود.. المال والجاه والدنيا كلها أصبحت لا تساوي لي شيئا إذ أيقنتُ الرحيل.
هناك شيء واحد يهمني في المستقبل، أن أعيش حتى تكبر ابنتي (كادي) قليلا بدرجة تستطيع معها أن تتذكرني. فكرت أن أكتُبَ لها بعض الرسائل، لكن ماذا عساي أكتُبُ لها؟ فأنا لا أدري ما ستكون شخصيتها حين تبلغ الخامسة عشرة مثلا؟!
هناك شيءٌ واحِدٌ بسيط أقوله لها:  يا ابنتي حين تتذكرين حياتك بعد زمن وحين تُعَرِّفينَ عن نفسك للناس تذكري هذا الشيء ولا تنسينه: أنك ملأتِ حياة إنسانٍ على مشارف الموت بسعادةٍ لم أخبرها في كل حياتي السابقة.. سعادة لا أريد منها أن تكبر.. سعادة تكفيني كما هي بعظمتها.

پول كالانيثي
10

تخصص الجراحة و ما وراء الطبيعة (قصة حقيقية)

الزمنُ كان ربيع عام ٢٠٠٦ والمكانُ قسم الإنعاش في مستشفى مبارك.. هُناك فتىً أتى بين الحياة والموت بعد أن الزمنُ كان ربيع عام ٢٠٠٦ والمكانُ قسم الإنعاش في مستشفى مبارك.. هُناك فتىً أتى بين الحياة والموت بعد أن اصطدمت به سيارةٌ إذ كانَ يمشي.. عمر ذلك الفتى لم يكن يتجاوز الثانية عشرة أو الثالثة عشرة ربما.. ثم بعد أن دخل غرفة العمليات لإصلاح جراح بطنه تركوا البطن مفتوحا وأتوا به إلى غرفة الإنعاش.. كنت أحد أطباء فريق الإنعاش وكنت حديث التخرج من كلية الطب إذ ذاك. لم أكن أستوعب كليا سبب ترك بطنه مفتوحا.. كانت الحيرة تأخذ مني كل مأخَذٍ حينها وكنت أقولُ في نفسي أنني بعد شهر سأتجه لكندا للبدء بالتخصص الفعلي بالجراحة و حينها سأستوعب كيفية علاج مثل هذه الحالات.

الوَلَدُ هذا نقلوه إلى لندن لإكمال علاجه لكنه كان بين الحياة والموت ولم أكن أدري ما حصل له بعدها.

في كندا عالجت الكثير من حالات البطن المفتوحة بعد الحوادث وكنت في كل مرة أتساءل عن ذلك الفتى المسكين وما جرى له.. أَحَيٌّ هُوَ أم ميت؟! لا أدري ولا أعتقد أنني يوماً سَأدري.

في حالات الحوادث الشديدة حين ندخل غرفة العمليات ونفتح البطن فإننا نكون في صراعٍ مع الزمن لذلك نستخدم مبدأ (السيطرة على الدمار) وليس (إصلاح الدمار).. هناك وقتٌ قد يكون للسيطرة لكن لا وقت للإصلاح.. فكثيرا ما نترك البطن مفتوحا ونغطيه بمناشف وأنابيب تمتص الهواء والرطوبة في البطن ثم نغيرها كل يوم حتى نغلقه في وقت آخر، لكن الإصابة قد تكون شديدة على جدار البطن أحيانا وأحيانا أخرى تمتليء الأنسجة بالسوائل فلا نستطيع إغلاق البطن ويظل المرء ببطن مفتوح حتى تلتئم الأنسجة.. قد يستغرق ذلك أشهرا.. دعنا يا دكتور من تعقيدك هذا. ما تكتب لا ينسجم مع الصورة أعلاه.

الزمان شتاء ٢٠١٣.. المكان بهو فندق الإنتركونتننتال التابع لكليڤلاند كلينيك في كليڤلاند.. اتصل بي أحد المرضى الكويتيين الذين تم علاجهم وأخبرني أن هناك شاب أتى لإجراء عملية وسيزورني في العيادة لكنه أراد رؤيتي في الفندق قبلها.. اتجهت للفندق بدراجتي ليلاً حيث كنت غالبا أزور الخليجيين الذين يتجمعون في بهوه.. سلمت على ذلك الشاب ولم أكد أُتمُّ سلامي عليه حتى لمحت عيني آثار جرحٍ منتصف الرقبة أسفلها حيث تلتقي مع الصدر.

قلت له ولم أكد أكمل سلامي: هل كنت بين الحياةِ والموت؟

قال: نعم.. كيف عرفت؟

قلت له من جرحك هذا فهو يبدو لي وكأنه جرح الأنابيب التي نضعها مباشرة في الرقبة عوضا عن الفم.
وذلك دليل على أنك كنت في الإنعاش لمدة طويلة.

قلت له متوجسا ومترقبا هل كنت مصابا في حادث سيارة عام ٢٠٠٦ وكان بطنك مفتوحا ثم رحلت الى لندن؟!

قال مذهولا.. نعم..؟!

ربما صرخت من الفرحة هاتفا: كنت أنا احد أعضاء فريق الإنعاش وكنت انت تحت التخدير فلم تعرفني.. أنا سعيدٌ جدا أنك لا تزال حيّا! كنت أفكر فيك طوال رحلتي في تخصص الجراحة وانا الآن انتهيت منها حيث سأعود الى الكويت خلال أسبوعين.. كنت انت معي في بدايتها وها أنت تأتي في النهاية.

وكيف عرفتني بعد كل هذه السنين؟ سألني مندهشا حد الإندهاش.

لا أدري.. أحسست بك.. قلت في نفسي (الأشياء التي تزور أفكارنا من دون سبب واضح لا بد أنها تعني شيئا في المستقبل وإن لم تكن تعني الكثير في الماضي)! كانت في عيني نصف دمعةٍ حبستها عنه.

شيء من خارج العالم أن ترى أحدهم وتقول له يا هذا أنت حي.. كنت أحسبتك لست بين الأحياء!

الجراحة تخصص من ما وراء الطبيعة.

عاينته في العيادة وخططت فحوصاته قبل عمليته التي نجحت في كليڤلاند وها هو الآن سعيد جدا في الكويت يزورني في عيادتي.. والصورة التي في الإنستاغرام هي لي معه في عيادتي في الكويت قبل شهر لكنني لا أريد وضع صورته كاملة رغم أنه سمح لي بذلك وهذا للحفاظ على خصوصيته.

الفتى هذا الآن شاب ناجح مهذب محبوبٌ خلوق لكنه لا يحسن اختيار المطاعم الجيدة👌
وهقني باقتراحاته للمطاعم😎

1

پروميثيوس

كنت اليوم أشرح لطلبة السنة النهائية في كلية الطب عن أورام الكبد وكيف أننا اكتشفنا في هذا القرن أن الكبد ينمو بعد استئصاله رغم أننا سابقا كنا نعتقد أنه لا ينمو بعد قطعه. فذكرتُ لهم أسطورة پروميثيوس.

پروميثيوس كان أحد الأبطال الإغريقيين الذين حاربوا مع زيوس لاسترداد العرش من كرونوس وبعد ان أبلى بلاءً حسناً وانتصر مع زيوس وجد أن زيوس يكره البشر فلم يعجب ذلك پروميثيوس وأراد حمايتهم فسرق النار وأعطاها لبني البشر وعلمهم الطب والحكمة.. عقابا على ذلك قام زيوس بربطه على قمة جبل وجعل نَسراً يأتي كل صباح ويأكُلُ كبده.. ثم ينمو الكبد في الليل فيأتي النسر صباحا ليأكل كبده مرة أخرى.. وتستمر هذه الحكاية كل يوم! فكان الإغريق أول من أوحى قبل آلاف السنين أن الكبد ينمو بعد قطعه في هذه الأسطورة.

في تحليلي الشخصي أعتقد أن پروميثيوس هو رمزٌ لكل البشر والنار هي رمزٌ للأمانة التي في أعناق بني البشر.

يصحو الإنسان صباحا بكامل طاقته الإيجابية لكنها تنقص شيئا فشيئاً فشَياَّ خلال يومه الذي يبدأ بالعمل المرهق وتأتي الأخبار السلبية تدريجيا لتنقص سعادته.. لكنه في الليل ينتعش خلال نومه وينسى ما أهمه.. ليصحو مرة أخرى وكأنه يحيا من جديدٍ في الصباح.

طاقتنا الإيجابية هي الكبد والنسر هو كدر هذه الدنيا الذي يلتهمنا كل يومٍ فنموت في النوم ونحيا مرة أخرى لنصارع النسر (كدر الدنيا) من جديد.

3

Why does a doctor write?

I frequently get asked by the public and by colleagues in the medical field about my motives or inspirations behind writing, especially when I am blessed to lead a busy academic and operative practice.

I once read a Japanese author answer to his motives behind writing, he said something like this: when I was a kid, I used to go fishing with my father and watching how the fish writhe in pain and flutter once it’s out of the water without making much sound, I wanted to describe the pain that silent fish was having, I wanted to give voice to the silent fish.

I do not recall the name of this great writer, and I am becoming bad with names which I think is a disease common among surgeons. We tend to know the important and big arteries and veins that matter to life and tie off all the unnecessary ones without sometimes even knowing what they are precisely.

What are names really?! They are a way of communication and by no means do they reflect the important which is the identity or the being.

Surgeons do their rounds with faces made of steel, they deal with terminally ill patients without expressing much emotions. This is not a criticism but an observation, and it’s important to keep it this way. Patients need empathy and not sympathy, we are their shining stars, we can not melt down when they are putting all their faith on us.
However, at the end of the day we as surgeons and doctors are nothing but humans. True we pass by a palliative cholangiocarcinoma patient asking him about nausea, pain and vomiting charting down the color and amount of his PTC drain output and vital signs leaving the room to sip some coffee before heading to the operating room for some major cases. True we sip that coffee while the life of the patient we just left can be counted by no more than the time it takes us to drink cups of coffee less than the number of fingers we have, but it is not true that this is not affecting us in one way or another.
It does not have to impact us emotionally but it will find its way silently through the cracks of our souls and get expressed in thousands different ways. Perhaps in a peculiar and silent way resembling the silent fluttering of a fish when it’s in pain out of the water.

That is why I write, to discover how the energy of emotions around us translates into our souls and how can we keep doing what we are doing daily without breaking down.

I write on behalf of the people who resemble the writhing silent fish!

6

إله الحب

قصة الليلة جميلة جدا ومن أروع القصص الإغريقية الرومانسية إطلاقا بل وتعتبر مصدر وحي القصص الرومانسية كلها وهي قصة كيوپيد آلهة الحب و سايكي الجميلة.
كانت سايكي الإبنة الثالثة لأحد الملوك وكان لدى الملك ابنتين أكبر منها لكن سايكي كانت الأجمل إطلاقا وكانت حديث العالم كله!
سمعت ڤينوس آلهة الجمال بجمال سايكي فدَبَّتِ الغيرَةُ والحسد فيها، فاستدعت ابنها إله الحب كيوپيد صاحب الأجنحة والسهام وأمرته أن يضرب سهم الحب في أقبح رجل في الأرض حتى تحبه سايكي بل وتهيمَ بالقبيح حبا.

انطلق كيوپيد لينفذ أوامر أمه لكنه حين رأى وجه سايكي وقع بالغرام فكأنه رمى السهم في نفسه! احتار كيوپد في الأمر فالآلهة ممنوعة من البشر بالذات وهو إله الحب! لكنه لم يستطع مغالبة ذلك! فطلب من أپوللو آلهة النبوءات والشعر والمعرفة والموسيقى أن يقول للملك أب سايكي، أن هناك عذابا مدمرا سيحل بمملكته وأن الحل الوحيد للنجاة من هذا العذاب هو أن تتزوج سايكي من أفعى تعيش بالجبال لكن عليها أن لا تنظر للأفعوان إطلاقا.

بكى الأب الملك والأم؟! كيف يكون هذا مصير ابنتهما الجميلة والأثيرة؟! لكن مصلحة الشعب أهم! فلما صارحا سايكي بالأمر وجدوها شجاعة مُغَلِّبَةً مصلَحَةَ الشعب على نفسها! سارت سايكي في الغابة ثم الى الجبل وانتظرت فأتوها خدم جميلون وحملوها إلى قصر فخم جدا وهناك التقت بزوجها لكنها لم تتطلع فيه.. وشعرت سايكي بالحب العميق له و تيقنت ان زوجها من المستحيل ان يكون أفعى..لكنها لن تنظر اليه حتى لا تخل بالإتفاق!
أراد زوجها أن يسعدها فسمح لها باستقدام أُختَيها للزيارة، لكنه نصحها أن لا تسمع كلام أختيها بالذات ان طلبوا منها أن تنظر الى وجهه وحذرها أنها إن نظرت الى وجهه سيغادر للأبد! فلما جاءت الأختان ذُهِلوا من جمال القصر وكثرة الخدم فشعروا بالحسد تجاه أختِهِما سايكي! فقالوا لها وهي الطيبة التي تصدق كل شيء أن تقتل زوجها لأنه ثعبان هائل وشرير متوحش وفي ذلك نجاة البشرية!
رفضت سايكي ذلك لكنها عقدت العزم أن تتطلع في وجه زوجها تلك الليلة.. فما إن خلد إلى النوم حتى حملت مصباحا ونظرت الى وجهه فإذا به أجمل الآلهة والبشر إطلاقا (إله الحب كيوپيد) فما إن رآها حتى طار من فوره منفذا تهديده قائلا أنه لن يراها إلى الأبد.

أُسقِطَ في يد سايكي واشتعل الحب فيها مضاعفا لزوجها كيوپيد وقررت أن تبحث عنه وترجعه مهما كان الثمن!

ذهبت الى جبال الأولمپ بحثا عن الآلهة الإغريقية وطرقت بابهم واحدا واحدا فلم يلتفت لها أحد خوفا من غضب ڤينوس آلهة الجمال. ڤينوس بدورها علمت بمخالفة كيوپيد لأوامرها فحبسته في سجن! استطاعت سايكي بالنهاية من الإلتقاء بڤينوس الحسودة وطلبت منها إرجاع كيوپيد فاشترطت عليها ڤينوس ثلاث مهمات صعبة: المهمة الأولى أن تفصل أنواعا مختلفة من الحبوب كالقمح والشعير والشوفان اختلطوا ببعض وكانت الكميات هائلة كالجبل، المهمة الثانية أن تجلب لها صوفا من خروف ذهبي نادر والمهمة الثالثة أن تأتي بماء من نهر ستايكس الذي يفصل العالم عن العالم السفلي! سايكي حققت كل هالمهمات المستحيلة حبا بكيوپد! انصدمت ڤينوس وحقدت على نجاح سايكي لكن عطتها مهمة أصعب (لاحظ حولنا من عربي الى كويتي) وكانت هذي المهمة ان تنزل سايكي الى العالم السفلي المخيف وتجلب بعضا من جمال آلهة العالم السفلي پيرسيفون! هذه المهمة كانت شبه مستحيلة لكن سايكي سوتها وخذت شوي من جمال پيرسيفون وحطته بعلبة لكن بالطريج قالت خل آخذ من هالجمال شوي قبل ما أشوف كيوپيد! بطلت العلبة ولا الجمال يتحول الى نوم أزلي! فنامت سايكي من دون ان تقدر انها تقوم من النوم! بنفس الوقت استطاع كيوپد ان يهرب من السجن وبحث عن سايكي الى ان وجدها نائمة واستطاع ان يصحيها وخذاها الى جوپيتر كبير الآلهة وترجاه انه يحول سايكي الى آلهة علشان يقدر يتزوجها وعلشان امه ڤينوس توافق! المهم الكل كان معجب ومنبهر باللي سايكي قدرت تسويه ووافقوا على الزواج! حتى ڤينوس حبتها بعد اللي سوته وعاشوا عيشه سعيدة.

7

لماذا اخترت تخصص الجراحة؟

يسألُني الكثير من طلبة الطب أو الذين تخرجوا حديثاً من الطب عن كيفية اختيار التخصص الأمثل ولا شيء أكثَرَ حيرةً في الطب من اختيار التخصص.. لا أستطيع أن أشرح لكم الليلة كيفية اختيار التخصص لكنني أستطيع أن أحدثكم عن كيفية اختياري لتخصص الجراحة..

هنا قد أخيب ظنكم بعض الشيء.. لم تكن في خططي أبدا أن أكون جراحا.. بل كنت أحب الباطنية منذ أول يوم دخلت فيه الطب.. ذلك أن الباطنية سهلة الفهم نوعا ما وأقرب لما يدرسه الطالب، فكل ما عليك فعله هو القراءة فإن لم تفهم، اقرأ أكثر حتى تفهم.. أما الجراحة فكانت غير مفهومة بالنسبة لي.. هناك فلسفة فيها قد تغيب على أذهاننا كطلبة.. كما أن ما تشاهده في بطن الإنسان الحقيقي يختلف كليا عما تقرأه في كتب التشريح أو تراه في أجساد الأموات التي نشرحها في مادة التشريح.. كرهت في الجراحة الوقوف لساعات طويلة من خلف أجساد الجراحين وهم يجرون العمليات.. كانت رجلي تؤلمني من كثرة الوقوف.. تكون خلفهم ولا ترى شيئا وبعد ثلاث ساعات حين يكتشفون شيئا مميزا يتذكرون وجودك فيستدعونك لتقترب لثوان معدودة حتى تشاهده.. لم أكن أحب غرفة العمليات حين كنت طالبا.. ولذلك تصيبني الدهشة حين أشاهد الطلبة الذين يحبون غرفة العمليات.. ثبتهم الله.

إذاً لماذا اخترت تخصص الجراحة؟ لعدة أسباب بعضها أسباب قد تكون صغيرة جدا وغير مهمة بنظر البعض لكنني أؤمن أن أهم شيء في هذه الحياة هي الأشياء الصغيرة التي قد لا يُقيمُ لها البعض وزناً.. أحدها أن أستاذتي في التشريح كانت روسية تتكلم بلكنة إنجليزية وكأنها إحدى ساحرات الملك آرثر (عمرها كان ٦٥ يمكن) وكان الغموض يملؤها فقالت لي ذات مرة أنني سأكون جراحا لأن يدي تتحرك كأيدي الجراحين.. أعتقد أنها لم تعني ما كانت تقول لكن (قصت علي) وبذرت في عقلي بذرة الجراحة.. ثم كان أكثر من أعجبت بهم في الكلية جراحا شهيرا كان رئيس كلية جراحي أدنبرة البروفسور يونغسون فكان مرشدي منذ اليوم الأول للكلية.. تراه فتكتشف من اللحظة الأولى أنه من صنف آخر من الأطباء.. هدوؤه وهيبته وحنانه مع مرضاه كانت شيئا لا مثيل له.. ونمت علاقتنا كتلميذ وأستاذ حتى كان هو من كتب لي رسالة الترشيح الجميلة التي جعلتني أدخل كمعيد في جامعة الكويت وكطبيب جراحة في جامعة مكجيل.. الدراسات في مجال تخصص الأطباء كلها تشير أن القدوة التي تتخذها في الكلية هي من سيؤثر التأثير الأكبر على تخصصك..

اكتشفت في آخر سنة لي في الكلية الجمال الهائل في هذا التخصص.. كمية الأدرينالين الرهيبة التي تضخها في عروقك خلال عمليات الحوادث الطارئة لا يساويها شيء في أي تخصص آخر حين تسمع صوت الدم من شدة نزفه، هل سمع أحَدٌ منكم صوت الدماء؟.. لا شيء يعادل حماسة تلك العمليات إلا أن تكون جنديا في معركة والرصاص ينهمر حولك من كل حدبٍ وصوب.. تخيل كيف كنت تنزل من قطار الموت في المدينة الترفيهية.. هل تتذكر كمية الأدرينالين في دمك حينها؟ تخيل معي ذات الشعور لكنك يجب أن تتحكم به وتعمل بكل دقة حتى تنقذ من أمامك.. شعور بالجليد والنار في آنٍ واحد.. وهناك فرصة لك أن تكون بطلا في أي وقت في هذا التخصص ففي أي لحظة قد يحدث شيء خارق للعادة ولا أحد سواك مسؤول عن ايقافه! تخصص الجراحة العامة بتفرعاته هو الوحيد الذي سيعطيك هذا الشعور لكثرة عمليات الطواريء فيه فهو التخصص المسؤول عن جراحات الحوادث والكوارث والحروب.. فإن كنت مغامرا.. محبا للتحديات فذلك التخصص الذي لن يخيب ظنك أبدا.. والجميل في الجراحة أنها تخصص رياضي.. تعتمد فيه على الممارسة.. لذلك من الصعب عليك فهمه كطالب للطب لكنك ما ان تمارسه ستكتشف جماله.. وسترى نفسك وهي تتطور بسرعة خيالية.. ستعود طفلا يتعلم المشي (الجراحة) ثم لا يتذكر كيف تعلمه سوى في لحظة يركض فيها ماراثونا قاسيا فيحمد الله الذي جعله يفعل ما فعل بعد أن كان طفلا لا يقوى حتى على المشي..

أما آخر الأسباب وأهمها أن والدتي وخالتي أصيبا بسرطان الثدي في ذات السنة.. حين كنت في سنتي الثالثة في الطب.. فكنت أريد معرفة الإجابات كلها عن ما يجري.. توفيت خالتي رحمها الله بعد انتقال السرطان الى كبدها.. هنا لم أكن أدري لماذا لا يستطيع الجراحون استئصال الكبد حين انتقال السرطان اليه.. فتخصصت بالجراحة والسرطان والكبد حتى أستطيع أن أجيب على أسئلتي حين كنت طالبا.. ولا شيء أجمل في هذه الحياة من العلم بعد جهل.. ولا شيء أجمل من سؤال أمي لي هل تستطيع اجراء ذات العملية التي أجروها لي.. فأجيبها ضاحكا (اسويها وعيني مغمضة).. والحمد لله على كل حال..

0

أول مولود من زراعة رحم

معجزة علمية حدثت للمرة الأولى قبل اسبوعين وتم الإعلان عنها اليوم في مجلة اللانست العلمية العريقة.

ولدت أول امرأة طفلا.. الخبر عادي حتى الآن.. لكن السر في رحم الإمرأة.. رحمها ليس رحمها بل رحم مزروع قبل سنتين من متبرعة حية عمرها ٦١ سنة..

الإمرأة ولدت من دون رحم لذلك لم تكن تستطع الحمل والولادة فقام الأطباء بعمل تلقيح صناعي وزراعة رحم لها ولأن مبايضها موجودة وتعمل فقامت مبايضها بتهيئة الرحم رغم أن عمر الرحم المزروع أكثر من ستين عاما.

و تم الحمل سنة بعد زرع الرحم وولدت طفلا طبيعيا لكن عشرة أسابيع قبل موعد الولادة المقرر وتمت الولادة بعملية قيصرية.

الطفل والأم الآن بالمنزل و رحمها لازال يعمل.. أشرف على هذا السبق الطبي فريق من جامعة غوتنبرغ بالسويد.

أنظر كيف يفعلون المستحيل لأجل إيجاد الحياة وانظر كيف نفعل نحن المستحيل في قتل الحياة..

المهم.. يبيله بعد ما نبلش برنامج زراعة الكبد بالكويت نزرع أرحام👍