9

عن القلق والأرق

إن الحزن شعور جميل لا يعني التعاسة دوما! إنه يكنس القلب من شوائبه كما تكنس الرياح أوراق الخريف المتكسرة من على قارعة الطريق! إنه الكبريت الأحمر الذي ينقي كل المشاعر من أوهامها التي لا تنتهي!

لكن القلق أسوأ المشاعر إطلاقا! ذلك أن القلق خوف من المستقبل والمستقبل خيال لا حقيقة فيه ولا شيء أسوأ من الخيال الممزوج بالخوف… فالخوف نار وقودها الخيال… إنه لا ينطفيء أبدا إلا إن سيطرت على خيالك الذي لا حد له!

كل شيء إن استغرقت في عمله فإنه سيرهقك!
لكن الإرهاق البدني حين يُجهِدُكْ فإنك تتعب ثم تنام مرتاحا قرير العين، أما التفكير فإن إرهاقه قاتل جداً حيث أنه لن يدعك ترتاح أبدا! وفي هذا الزمن يقلقنا كل شيء لأننا نجعل لكل شيء تافه قيمة عظيمة لا يستحقها! و نعطي حتى لأنفسنا قيمة مهمة مصدرها الغرور والإعجاب بالنفس! ما الذي سيجري إن لم تظهر بمظهر جميل في مهمتك غداً؟ تلك المهمة التي استغرقت أشهرا بالتفكير بها سلبت منك النوم ليال طوال؟ وجعلت منك وحشا كاسرا مع من تحب؟! ذلك عدا أعراض ألم البطن الذي شخصها طبيبك الطاعن بالسن على أنها قولون عصبي و الحموضة التي شخصها طبيب آخر على أنها ارتجاع بالمريء؟!

ما الذي سيتغير من نتيجة ذلك العمل؟
ستستمر الأرض بالدوران
ستشرق الشمس
و ينير القمر
وتجري الرياح تداعب الأمواج وترغم الغيوم على المطر
ثم تأتي الفصول حارة بالصيف باردة في الشتاء بعدما عرت أشجار الخريف
ثم يأتي الربيع بأزهار النوير الصفراء في صحراء بلادك الرائعة
و يأتي عام يتلوه عام ثم ترحل من هنا تاركا ذكراك دون القلق الذي سلب منك سعادتك!

لو جمعت قلق البشر كلهم… أولئك الذين عاشوا على هذه الأرض لآلاف السنين فإنه لا يساوي شيئا الآن! كل قلقهم وآلامهم انتهت ذات النهاية! رحلوا و بقيت الأرض تدور كما كانت تدور!

كل مرة يقلقك شيء تخيل أسوأ السيناريوهات و قل لنفسك انك مستعد للأسوأ دوما! كن شجاعا فلا شجاعة تعادل تخيل الأسوأ والقبول به! فاز باللذات من كان جسورا!
و لا شيء أسوأ من الموت بموازين الدنيا هذه لكننا إذ نرحل من ها هنا فإننا نفد على من خلق ضحكات الأطفال وقبل العذارى و قلب أمك حين كان يسقط على الأرض خوفا حين تتعثر؟! كيف يقلق أو يخاف الوافد على من خلق كل هذا؟!

ذات يوم دخل علي العيادة أبٌ وابنه، كان يريدنا أن نجري عملية لإبنه العشريني! فسألته عن تاريخ ابنه الجراحي فأخذ يسرد لي التفاصيل عن عملية القلب المعقدة التي أجراها ابنه في عامه الأول! وأخذ يسترسل بالشرح ثم وقف فجأة وقال (ولقد حرقوا جزءا من فخذه أثناء إحدى الفحوصات ولم يكد يبلغ أسبوعه الثالث) وقد كان متأثرا والدمع في عينيه وكأن الحرق يجري أمام عينيه الآن! فقاطعت الأبَ والتفت للإبن، قلت له هل تتذكر؟ فضحك قائلا طبعا لا أتذكر شيئا! فقلت له أنظر إلى أبيك كيف يتحدث عن ذلك بقلب يعتصره الألم وكأنه حدث للتو؟!
كيف يقلق من يفد على خالق قلب هذا الأب؟!

يقول نيتشه على لسان زرادشت:
ليس عملا سهلا هو النوم، على المرء أن يهيأ نفسه له بالصحو طوال النهار
عشر مرات في اليوم عليك أن تتجاوز نفسك فذلك يمنح تعبا جيدا! هو زهرة الخشخاش المهدئة للروح!
عشر مرات عليك أن تتصالح مع نفسك، ذلك أن مغالبة النفس مرارة!
والذي لا يتصالح مع نفسه نوما قلقا ينام!
عشر حقائق عليك أن تجد في نهارك و إلا فإنك ستبحث عن الحقيقة في ليلك أيضاً!
عشر مرات عليك أن تضحك في يومك و إلا ستكون حزينا لا تنام في ليلك!

أما أنا فحين تباغتني صنوف الدهر فإني أذكر اسمك ولا شيء أجمل منك! أنت لم تتركني وحيدا يوما! كيف يحزن من كنت معه؟

هيا قم و انفض عنك وهم الخوف لقد مرت على الإنسان أسوأ لياليه حين كان آدم وحيدا في ليلته الأولى خائفا من هذه الأرض الموحشة التي لم يخلق لها ولم تخلق له!
انفض غبار الوهم و تطلع لجنة أبيك آدم فلقد خلقت الله فيها ولها!

32

لمن سألني عن الطب

كم تمنيت لو كنت مكانهم! هؤلاء الفتية والفتيات خريجي المدارس الثانوية!

كيف لا و الحياة كلها أمامهم! هم لم يفقدوا الحلم والخيال بعد! مازالوا يشكلونها في مخيلاتهم ويتصورونها ربما قصصا لا يملون منها!

هل تعلم أجمل ما في هذه الحياة؟
أنك لا تستطيع التنبؤ بها!

وكلما زادت قدرتك على التنبؤ بها كلما قل جمالها! وكلما زادت قدرتك على التنبؤ بها كلما قلت التحديات! فحينها تكون مستعدا ولن يباغتك عنصر المفاجأة!

هذا هو سر الشباب: التحدي والغموض والمفاجأة والتوق إلى لقاء مستقبل مجهول!

فلا تنكرون علي إن وددت أن أحل محلهم ولا تتهموني بالمبالغة!

هذه مقدمة لأرد بكل إيجاز عمن سألني عن تخصص الطب البشري

لا تدخل الطب إلا إن كانت تلك رغبتك أنتَ فهو من بين كل علوم الدنيا ليس علما وليس شهادة بل طريقة حياة، أغلب تخصصات الجامعة الأخرى ستخرجك عالما بها لكنك ستظل أنت كما أنت ستقوم بكل ما تشاء وكيفما تشاء إضافة الى عملك بالتخصص الذي درست به! سيكون عملك شيئا ثانويا، أحد الأشياء الأخرى في حياتك!

في الطب ستتغير حياتك رأسا على عقب خصوصا إن اجتهدت في تخصصك ما بعد التخرج من الكلية!

ستصبح الطبيب وباقي الأمور ستصبح هوايتك… نعم ستصبح كل الأمور الأخرى ثانوية ليس لعدم اهتمامك بها بل لأنك لن تستطيع غالبا فعل ذلك!

ربما تغيب عن عرس صديق عز أن تملك مثله! ربما تتخلف عن جنازة من تحب! ولادة من تحب أو حتى ولادة مولودكَ أنت!

أنتَ لستَ أنت حين تصبح طبيبا!

لكن كل ذلك ألم جميل! سيصبح الشعور بالألم هذا جميلا لديك! هو لن يحرك فيك مشاعر التعاسة إطلاقا!

هنا دعني أحدثك بسر:
التعاسة شعور مصدره أي شيء! حتى الفرح قد يؤدي الى التعاسة! التعاسة تتولد منك أنت فقط! من طريقة تعاملك مع كل ما تحس به!
يقول الشاعر الانجليزي الشهير ميلتون:
العقل هو مكان بحد ذاته! هو قد يحول الجنة الى نار والنار الى جنة!

ألم الطب هذا والفراق والغربة والبعد عن الأحباب وموت مريضك و ايقاظك في منتصف ساعات الليل لفحص بطن أحدهم أو إجراء عملية لا تتحمل التأخير! كل هذه الآلام ستصبح مصدر سعادتك!

وعندما أشرح لك هذه الأشياء فليس لرغبتي في إبعادك عن هذا المجال! كلا! بل رغبة مني في ترغيبك به! فلا أجمل من السعادة رغم الألم!

وهناك أشياء أخرى تعرفها كمدخولك المادي الجيد واحترام الناس وقدرتك على العمل في أي مكان وأي دولة تشاء! لكن هذه أشياء لا تقارن أبدا بمتعة السعادة وسط الألم التي أخبرتك بها!

الطب كذلك ساحة معركة! ستكون جنديا وسط حرب شعواء! خصوصا ان اخترت تخصصا دقيقا يجعلك تعالج الموت بيديك كتخصص الجراحة!

ستمر لحظات عليك تشعر فيها بالآية القرآنية التي تصور بلوغ القلوب الحناجر حين الخوف!

عندما يموت مريضك بين يديك أثناء عملية تجريها أو عندما يجرون سريرا في غرفة الحوادث لشاب في مثل عمرك والدماء تسيل منه بعد حادث سيارة مهول وأنت لا غيرك مسؤول عن إيقاف النزيف رغم صعوبة ذلك! عندها ستحس بمشاعر لا يحسها أحد! كل أصدقائك وأهلك ورفاقك لم يحسوا بها أبدا بل قرأوها ربما!

الشعور بالضياع والقلق والسقوط … والتمني لو أنك كنت الآن في مكان أفضل بين من تحب بدلا عن ساحة الدم هذه! يتبعه قرار بطرد مشاعر الخوف هذه وتصرف آلي بفعل الواجب رغم صعوبة كل ما تقوم به لكنك تفعله! ستذهل مما تفعل وتكتشف كل طاقاتك الكامنة!

ستلتقي بالموت! ستكتشف ضعف الإنسان!

سترى الموت يلاقي الجميع بنفس التحية وذات العناق!

لن يفرق بين غني وفقير! بين عاشق أو قاتل يملأ قلبه الكره! لن يفرق بين جميلة حسناء وامرأة قاربت عامها التسعين!

هذا الموت رسول من رسل الله والله لا يفرق بين عباده في شيء! ستتعلم حينها العدل والمساواة في كل شيء! وسَتَخبُرُ حينها أن هذه الحياةَ لا شيء!

إنها تنتهي في لحظات ثم بعدها تستمر الحياة كما هي!

ستصدر أنت شهادة وفاة مريضك وتذيلها بتوقيعك بقلم ذو حبر رديء ربما! أو آخر فخم غال الثمن! لا يهم فالنتيجة واحدة: أعلنت وفاة إنسان ثم رفعت عينك من الورقة ورفعت عينك من وجه الميت ثم أسدلت جفونه لتكون آخر إغماضة في حياته! ثم اتجهت لشأنك… لكوب قهوتك ربما أو اتصال عليك تَلَقّيه! حينها ستعلم أن الحياة هذه تمر مرور السحاب فلا شيء فيها يستحق القلق! ولا شيء فيها يستحق الفخر والتكبر! ستموت أنت يوما هكذا فلا تملأ الدنيا صخبا!

لن تجد مهنة تجعلك تعيش كل هذا! ألا ترى أن العرب قديما أسموا الطبيب حكيما؟

2

لماذا كان قرار منع التكميم خاطئا؟

قلت له إن احتمال موتك مرتفع بعض الشيء
أنت لست كأي مريض بالسمنة
أنت مقعد بهذا الفراش لخمس سنوات لم تتحرك منه إطلاقا!
إن سمنتك مفرطة جداً
آه لو أتيت إلينا قبل أن تصل لهذه المرحلة حيث لا تستطيع أن تتحرك إطلاقا! لكانت عمليتك شربة ماء!
رد قائلا
حضرة الطبيب
حذروني من هذه العمليات فخفت منها حتى وصلت لهذه الحالة! حتى ظلت ابنتي تلازمني كممرضة لسنين خمس! لدي القدرة على جلب ممرضات بحر مالي وقد قمت بذلك فلم ترض ابنتي! هي تعتني بي وتقبض على يدي وأنا الذي عوضا عن القبض على يدها لأخذها لعريسها ليلة زفافها كنت السبب في انشغالها عن الزواج!
حضرة الطبيب افعل العملية ولا تبالي فالأمر بيد الله!

عندما تأتي الفتاة بعمر وردٍ لم تتفتح كل أوراقه و هي معذبة لسنين أربع بألم يومي بعد عملية سمنة راجعت خلالها عشرين طبيبا فلم يعرفوا لألمها سببا فقالوا لها:
عزيزتي انه بعقلك فقط
فكادت أن تجن
حتى ذهبت لمركز سمنة متخصص فاكتشف الداء واستأصله

هذه القصص المؤسفة لم تكن لتحدث لو كنا نجري عمليات السمنة على أصولها! أو لو كنا نعي كمجتمع أن السمنة داء خطير وعملياتها ضرورة أحيانا وليست تجميلا أو ترفا!

هذه القصص المؤسفة لم تكن لتحدث لو وضعنا بوصلة الطب أمامنا! وبوصلة الطب تشير دوما الى الشمال الحقيقي وهو مصلحة المريض! يجب علينا وضع مصلحة المريض فوق كل اعتبار وإلا سنضيع تائهين!

عندما تحدث المضاعفات من عمليات السمنة هنا بأمريكا يرسلون الحالات إلينا في كليفلاند كلينيك حيث يجب أن يكون لكل تخصص مراكز فوق العادة تهتم به!

المشكلة في الكويت ليس بعملية التكميم أو عمليات السمنة وليست بالجراحين بل بسوء التخطيط في التعليم الطبي وفي الرقابة الذاتية وفي الخدمات!

فيجب أن تحدد المراكز التي يسمح لها بإجراء عمليات السمنة
ثم تقسيم أنواع عمليات السمنة فبعض المراكز قد تجري بعض العمليات وليس كل العمليات
ثم يجب توضيح من هو الجراح الذي سيسمح له بإجراء عمليات السمنة

لكن هذه التقسيمات للمراكز وتحديد الجراحين الذين يستطيعون إجراء هذه العمليات إجراء روتيني متبع في كل التخصصات في الدول المتقدمة بينما لا زلنا في الكويت على النظام العتيق في جعل الجراح العام يجري كل عملية تخطر بباله! من هنا جاء اعتراضي على قرار منع عمليات التكميم حيث أنه يظل قرارا لا ينطلق من رؤية استراتيجية او رؤية إدارية بل هو قرار من شاكلة قرارات (إذا جاءتك الريح من هذا الباب أغلقه وعش مرتاح البال)
يا سيدي إننا نحتاج هذا الباب
إن لم نجعله مفتوحا سننغلق وتبقى هنا أنا وأنت نحدق في أعيننا ثم نمل دون نتيجة!

الحل الأشمل هو في تصنيف المستشفيات! خذ عندك النظام الألماني هناك ثلاث أصناف لمراكز علاج السمنة:
-مركز ممتاز وهو الذي يحتوي على عدد معين من الجراحين المتخصصين بالسمنة يفوق الثلاثة و لديه كل التخصصات المساندة من تغذية وطب نفسي وبطانة وإنعاش كما ان عدد العمليات بالمركز كثير جداً بالمئات ويقوم جراحوه بعمل كل عمليات السمنة وليس التكميم فقط! هذا المركز يستطيع علاج كل شيء وذلك مهم لإيجاد الخبرة للعمليات التي تفشل في باقي المراكز ولإيجاد الخبرة في علاج المضاعفات
-مركز تحويل وهو الذي يشابه المركز الممتاز لكن يقل عنه في عدد العمليات وخبرة الجراحين
-مركز عادي وهو الذي يحتوي جراحا واحدا و عدد عملياته قليل

هذا التصنيف مهم جداً للمريض حيث سيعرف حين يقدم على العملية مدى خبرة وقوة المستشفى! كذلك تقوم كل المستشفيات بتسجيل مضاعفاتها ونتائجها وإرسالها لهيئة عامة مراقبة!

من ناحية أخرى يجب تحديد من يسمح له بإجراء العملية! فلا يسمح بإجراء العملية إلا لإثنان:
-من لديه شهادة زمالة سمنة: يسمح له بإجراء جميع عمليات السمنة
-من لديه إثبات انه تدرب على عملية معينة كجدول موثق يبين مثلا إجراءه لخمسين عملية تكميم
فالجراح العام يستطيع إجراء عملية التكميم حيث لا تعقيد فيها ان اثبت انه تدرب عليها! ومن يجري عملية التكميم فقط هو ليس جراح سمنة!

وهذا يستدعي إنشاء برنامج لتدريب الجراحين بالكويت على زمالة السمنة فحاليا لا يوجد إلا اثنان او ثلاثة كويتيون ممن لديهم زمالة سمنة وصادف ان كنت أحدهم لذلك يعنيني هذا الموضوع. ذلك لا يعني المساس بجراحي الخبرة فخبرتهم اهم من الزمالة لكن هذا التنظيم يجب ان يطبق على الجيل الجديد من الجراحين.

إذا النتيجة التي نريدها هي أن بدر عندما يرغب في إجراء عملية سمنة فإنه سيذهب لمستشفى مبارك مثلا حيث انه مركز ممتاز لديه فريق متكامل ووحدة متخصصة بالسمنة ومضاعفاتها ويختار الجراح الذي تدرب مسبقا على العملية وإذا حصلت مشكلة لبدر فستوثق وستحسب سنويا نسبة المضاعفات وتدون في سجل خاص بذلك! النتيجة هذه يجب ان نسعى لها في جميع التخصصات الجراحية فيجب إيجاد وحدة قولون ومراكز امتياز للقولون والكبد والبنكرياس والحوادث وهلم جرا! هكذا تكون قراراتنا استراتيجية وفق رؤية واضحة! فهناك عمليات أخطر من التكميم عشرات المرات يقوم بإجرائها من لا يفهم فيها!

ختاما تعلمنا من تاريخ الطب ان السياسيين لا يمكنهم تنظيم عمل فني كالجراحة فالتنظيم والرقابة في فن رفيع كالجراحة يجب ان يكون ذاتيا وقد آن الأوان لإنشاء نقابة جراحين تنظم عملهم وتحدد القوانين واللوائح لإجراء العمليات كما هو متبع في كل دول الطب المتقدمة!

0

لماذا تعارض عمليات السمنة؟!

السمنة الآن هي وباء عالمي ينتشر في كل أصقاع الأرض وتشبه في طريقة تفشيها طريقة انتشار الطاعون في القرون الوسطى! نعم لمن يظن أننا محظوظون لعدم وجود الطاعون بزمننا أقول: لا تفرح فالسمنة هنا حولك وبين جدرانك ربما!
كانت القوارض تنقل بكتيريا الطاعون سابقا عبر السفن واليوم تنتقل السمنة بسبب المطاعم الغربية وطريقة الحياة الغربية التي نعيشها بينما لم تُخلق جيناتنا لها أصلا!
ونحن بالخليج نعيش وسط بؤرة السمنة في عين عاصفتها فلدينا أعلى معدلاتها بالعالم وتحتل دولنا قائمة أول عشرة دول بمعدلات وجودها!
ورغم تعدد الخيارات لعلاجها فإن أنجعها العمليات الجراحية فالريجيم والرياضة لا ينفعون كثيرا عندما نتحدث عن الأوزان العالية جداً بكتلة جسم تفوق الخمسة والثلاثين أو الأربعين! وذلك مثبت ببحوث عديدة حيث يفقد أغلب الناس بين ال٥ وال١٠ بالمئة من أوزانهم إلا أن ذلك الوزن يعود خلال سنة فقط.
مشكلة العمليات الجراحية هو مضاعفاتها التي تشمل حتى الموت! ومشكلتها الأخرى هي أنها عندما بدأ تسويقها بدأ تسويقها على أساس أنها عمليات لفقدان الوزن فقط!
السمنة ليست رقما! ليست مجرد حمل على الميزان! السمنة مرض معقد جداً له علاقة بهورمونات الإنسان وخلاياه وجيناته السمنة مرض ميتابولزم! والعمليات هذه لا تؤثر بها عن طريق تقليل أكل المريض بعد العملية بل عن طريق تغيير ميتابولزم الإنسان وهرموناته!
والسمنة ليست تغييرا بالشكل بل مرض خطير يسبب ما يفوق عن الستة عشر مرضا منها:

السرطان
السكري
ارتفاع ضغط الدم
أمراض القلب والشرايين
العقم

إذا هي ليست عمليات لفقدان الوزن وتحسين الشكل فقط رغم أهمية الشكل بل هي عمليات للشفاء من السكري وارتفاع ضغط الدم والعقم وللوقاية من السرطان وأمراض القلب والخطأ الفادح هو أن تسويقها بدأ كعملية للشكل فقط!

والبحوث توالت ببدايات القرن الحالي تثبت أن السمين الذي يجري العملية يعيش أطول من السمين الذي لا يجريها والأول بإثبات ذلك كان نيكولاس كريستو من مكجيل والذي عملت معه. نشر كريستو بحثه بسنة ٢٠٠٤ بمجلة الأنالز أوف سرجري القوية حيث قارن بين مجموعتين من السمان؛ مجموعة قامت بعملية السمنة ومجموعة لم تقم بها ووجد أن نسبة الوفاة بين المجموعة التي قامت بالعملية كانت 0.68%
بينما كانت 16.2% بين السمان الذين لم يقوموا بالعملية خلال خمس سنوات!
الدكتور فلم من سياتل نشر دراسة مشابهة ووجد أن نسبة الوفاة بين السمان الذين لم يجروا عملية السمنة كانت تزيد ب٢٧٪ عن السمان الذين أجروا العملية وذلك خلال ١٥ سنة!
وتظل أقوى الدراسات دراسة مجموعة الأس أو أس من السويد والتي نشرت عام ٢٠٠٧ بالنيو انجلاند جورنال أوف ميديسين أقوى مجلة طبية على الإطلاق والتي ضمت ٤٠٤٧ مريضا ووجدت أن نسبة الوفاة لدى المجموعة السمينة التي لم تجر عملية للسمنة كانت تزيد بنسبة ٢١٪ عن المجموعة السمينة التي قامت بالعملية!

فإذا كانت كل هذه البحوث تثبت بما لا يدع مجالا للشك أن عمليات السمنة تزيد من عمر الإنسان لماذا لا يزال البعض يعارضها؟ نحن نجري أعقد العمليات كالويپل لسرطان البنكرياس ليعيش المريض بنسبة ١٠٪ خلال ١٠ سنوات فلماذا نعارض عملية تؤدي لزيادة بعمر الإنسان بل وزيادة مع حياة ومعيشة أفضل؟
نعالج السكري بالأدوية ونسبة الشفاء منه بالأدوية والرياضة والحمية لا تفوق ٢٠٪ على سنتين بينما تفوق ال٧٠٪ بعد عملية تحويل المسار؟

الأطباء ومن يعمل بمجال السمنة عليهم جميعا توعية العامة بأهميتها والإلتزام بالبحوث التي هي الحجة الوحيدة بالطب على إي عمل نقوم به!