7

لماذا اخترت تخصص الجراحة؟

يسألُني الكثير من طلبة الطب أو الذين تخرجوا حديثاً من الطب عن كيفية اختيار التخصص الأمثل ولا شيء أكثَرَ حيرةً في الطب من اختيار التخصص.. لا أستطيع أن أشرح لكم الليلة كيفية اختيار التخصص لكنني أستطيع أن أحدثكم عن كيفية اختياري لتخصص الجراحة..

هنا قد أخيب ظنكم بعض الشيء.. لم تكن في خططي أبدا أن أكون جراحا.. بل كنت أحب الباطنية منذ أول يوم دخلت فيه الطب.. ذلك أن الباطنية سهلة الفهم نوعا ما وأقرب لما يدرسه الطالب، فكل ما عليك فعله هو القراءة فإن لم تفهم، اقرأ أكثر حتى تفهم.. أما الجراحة فكانت غير مفهومة بالنسبة لي.. هناك فلسفة فيها قد تغيب على أذهاننا كطلبة.. كما أن ما تشاهده في بطن الإنسان الحقيقي يختلف كليا عما تقرأه في كتب التشريح أو تراه في أجساد الأموات التي نشرحها في مادة التشريح.. كرهت في الجراحة الوقوف لساعات طويلة من خلف أجساد الجراحين وهم يجرون العمليات.. كانت رجلي تؤلمني من كثرة الوقوف.. تكون خلفهم ولا ترى شيئا وبعد ثلاث ساعات حين يكتشفون شيئا مميزا يتذكرون وجودك فيستدعونك لتقترب لثوان معدودة حتى تشاهده.. لم أكن أحب غرفة العمليات حين كنت طالبا.. ولذلك تصيبني الدهشة حين أشاهد الطلبة الذين يحبون غرفة العمليات.. ثبتهم الله.

إذاً لماذا اخترت تخصص الجراحة؟ لعدة أسباب بعضها أسباب قد تكون صغيرة جدا وغير مهمة بنظر البعض لكنني أؤمن أن أهم شيء في هذه الحياة هي الأشياء الصغيرة التي قد لا يُقيمُ لها البعض وزناً.. أحدها أن أستاذتي في التشريح كانت روسية تتكلم بلكنة إنجليزية وكأنها إحدى ساحرات الملك آرثر (عمرها كان ٦٥ يمكن) وكان الغموض يملؤها فقالت لي ذات مرة أنني سأكون جراحا لأن يدي تتحرك كأيدي الجراحين.. أعتقد أنها لم تعني ما كانت تقول لكن (قصت علي) وبذرت في عقلي بذرة الجراحة.. ثم كان أكثر من أعجبت بهم في الكلية جراحا شهيرا كان رئيس كلية جراحي أدنبرة البروفسور يونغسون فكان مرشدي منذ اليوم الأول للكلية.. تراه فتكتشف من اللحظة الأولى أنه من صنف آخر من الأطباء.. هدوؤه وهيبته وحنانه مع مرضاه كانت شيئا لا مثيل له.. ونمت علاقتنا كتلميذ وأستاذ حتى كان هو من كتب لي رسالة الترشيح الجميلة التي جعلتني أدخل كمعيد في جامعة الكويت وكطبيب جراحة في جامعة مكجيل.. الدراسات في مجال تخصص الأطباء كلها تشير أن القدوة التي تتخذها في الكلية هي من سيؤثر التأثير الأكبر على تخصصك..

اكتشفت في آخر سنة لي في الكلية الجمال الهائل في هذا التخصص.. كمية الأدرينالين الرهيبة التي تضخها في عروقك خلال عمليات الحوادث الطارئة لا يساويها شيء في أي تخصص آخر حين تسمع صوت الدم من شدة نزفه، هل سمع أحَدٌ منكم صوت الدماء؟.. لا شيء يعادل حماسة تلك العمليات إلا أن تكون جنديا في معركة والرصاص ينهمر حولك من كل حدبٍ وصوب.. تخيل كيف كنت تنزل من قطار الموت في المدينة الترفيهية.. هل تتذكر كمية الأدرينالين في دمك حينها؟ تخيل معي ذات الشعور لكنك يجب أن تتحكم به وتعمل بكل دقة حتى تنقذ من أمامك.. شعور بالجليد والنار في آنٍ واحد.. وهناك فرصة لك أن تكون بطلا في أي وقت في هذا التخصص ففي أي لحظة قد يحدث شيء خارق للعادة ولا أحد سواك مسؤول عن ايقافه! تخصص الجراحة العامة بتفرعاته هو الوحيد الذي سيعطيك هذا الشعور لكثرة عمليات الطواريء فيه فهو التخصص المسؤول عن جراحات الحوادث والكوارث والحروب.. فإن كنت مغامرا.. محبا للتحديات فذلك التخصص الذي لن يخيب ظنك أبدا.. والجميل في الجراحة أنها تخصص رياضي.. تعتمد فيه على الممارسة.. لذلك من الصعب عليك فهمه كطالب للطب لكنك ما ان تمارسه ستكتشف جماله.. وسترى نفسك وهي تتطور بسرعة خيالية.. ستعود طفلا يتعلم المشي (الجراحة) ثم لا يتذكر كيف تعلمه سوى في لحظة يركض فيها ماراثونا قاسيا فيحمد الله الذي جعله يفعل ما فعل بعد أن كان طفلا لا يقوى حتى على المشي..

أما آخر الأسباب وأهمها أن والدتي وخالتي أصيبا بسرطان الثدي في ذات السنة.. حين كنت في سنتي الثالثة في الطب.. فكنت أريد معرفة الإجابات كلها عن ما يجري.. توفيت خالتي رحمها الله بعد انتقال السرطان الى كبدها.. هنا لم أكن أدري لماذا لا يستطيع الجراحون استئصال الكبد حين انتقال السرطان اليه.. فتخصصت بالجراحة والسرطان والكبد حتى أستطيع أن أجيب على أسئلتي حين كنت طالبا.. ولا شيء أجمل في هذه الحياة من العلم بعد جهل.. ولا شيء أجمل من سؤال أمي لي هل تستطيع اجراء ذات العملية التي أجروها لي.. فأجيبها ضاحكا (اسويها وعيني مغمضة).. والحمد لله على كل حال..

0

أول مولود من زراعة رحم

معجزة علمية حدثت للمرة الأولى قبل اسبوعين وتم الإعلان عنها اليوم في مجلة اللانست العلمية العريقة.

ولدت أول امرأة طفلا.. الخبر عادي حتى الآن.. لكن السر في رحم الإمرأة.. رحمها ليس رحمها بل رحم مزروع قبل سنتين من متبرعة حية عمرها ٦١ سنة..

الإمرأة ولدت من دون رحم لذلك لم تكن تستطع الحمل والولادة فقام الأطباء بعمل تلقيح صناعي وزراعة رحم لها ولأن مبايضها موجودة وتعمل فقامت مبايضها بتهيئة الرحم رغم أن عمر الرحم المزروع أكثر من ستين عاما.

و تم الحمل سنة بعد زرع الرحم وولدت طفلا طبيعيا لكن عشرة أسابيع قبل موعد الولادة المقرر وتمت الولادة بعملية قيصرية.

الطفل والأم الآن بالمنزل و رحمها لازال يعمل.. أشرف على هذا السبق الطبي فريق من جامعة غوتنبرغ بالسويد.

أنظر كيف يفعلون المستحيل لأجل إيجاد الحياة وانظر كيف نفعل نحن المستحيل في قتل الحياة..

المهم.. يبيله بعد ما نبلش برنامج زراعة الكبد بالكويت نزرع أرحام👍

6

دراسة الطب المخيفة

أصعب ما بدراسة الطب ليس الطب نفسه بل القلق المصاحب له.. فدائما ما تسأل نفسك هل سأنجح هذه السنة أم لا.. لم أكن أسأل نفسي ما إذا كنت سأتخرج أم لا.. فالتخرج حلم بعيد.. والسبع أو الست سنوات التي كنا سنقضيها في الكلية كانت تساوي ما يقارب أنصافَ أعمارنا حين دخلنا الكلية لذلك كنا نفكر سنةً بسنة!

وحين بدأت دراستي للطب في اسكتلندا كانت لغتي الإنجليزية سيئةً جدا رغم أنها كانت لغتي الأولى قبل العربية حتى نسيتها حين عدت طفلا في الخامسة من أمريكا إلى الكويت.. المهم أنها كانت سيئة جدا لدرجة أني لم أتحدث مع أحد من الطلبة لمدة ثلاث سنوات وذلك مذكور في كتاب التخرج.. لذلك كانت الصعوبة علي مضاعفة ولكي أتخلص من هذا القلق قلت لأبي أنني سأعتبر السنة الأولى فسحة وأنني عائد إلى الكويت لا شك في نهايتها.. عودة لا رجوع بعدها لاسكتلندا.. بل إنني بعد ثلاثة أشهر من الدراسة راسلت كلية طب الأسنان في بوسطن للنظر في كيفية التحويل..

كل ذلك أدى لتقليل القلق.. قلت لنفسي أن هناك أشياء أخرى أستطيع فعلها.. إن لم أصبح طبيبا فتلك ليست نهايةَ العالَم.. الطب ليس أهم شيءٍ في الحياة.. بل إن أهم شيء في الحياة أن أكونَ مطمئناً من دون خوف.. ما فائدة الشهادة هذه إن جعلتني أعتاد القلق والخوف؟! والعيب ليس في السقوط لأول مرة والرجوع إلى الكويت بل العيب كل العيب أن تزول سعادتي من أجل اهتمامي بكلام الناس.. هؤلاء الناس لن يفيدونني في شيء ولن يضروني في شيء أبدا.. وحتى إن عدت من دون نجاحٍ إلى الكويت فذلك ليس من شأنهم إطلاقا.

ثم قمت بتغيير عادات دراستي فبينما كنت لا أدرس إلا ليلة الإختبار في الثانوية قررت أن أدرس ثلاث ساعات يوميا كنت أقضي أغلبها في ترجمة الكلمات بجهاز بدائي جدا عام ٩٨. ولما رأيت ثمار ذلك في نتائجي الدراسية زدت ساعات الدراسة ووجدت أنني كلما زدتها كلما تحسنت النتائج أكثر لكن الأهم من ساعات الدراسة التحكم بالخوف والقلق.

الخلاصة عزيزي طالب الطب.. يجب عليك أن تكون مطمئنا وأن لا تكترث بكلام الناس وأن تتصور أسوأ النتائج من دون أن يثير ذلك فيك شيئا.. فالحياة أكبر وأهم من أن تعيش فيها تعيسا بسبب الخوف من الفشل.. حينها ستنجح وتبدع بكل سهولة ويسر!

2

الطب طريقة حياة

في حياة كل إنسان وقفات يُراجِعُ فيها ما فاتَ و يَتَطَلَّعُ فيها لِما سَيَأْتي! وغالبا تُصاحب هذه الوقفات مناسبةٌ هائلة ويكون سبب هول المناسبة شدة المشاعر المرتبطة فيها كالحزن الشديد أو الفرح الشديد..

اليوم كانت هناك مناسبة شديدة السعادة حيث كان حفل تخرج ما يقارب التسعين طبيبا وطبية من كلية الطب في جامعة الكويت، فاستذكرت هذه الكلمات ويا ليت أحداً حدثني بها حين تخرجي الذي كان قبل عشر سنوات من اليوم هذا.

الطب الحقيقي ليس مهنةً بل طريقة حياة، فالمهنة هي تلك التي تحدها الساعات.. والطب لا يحده شيء.. ستعود إلى منزلك بعد يوم شاق ومرهق.. لم يخبرك أحد أنه شاق ومرهق.. لا أحد غيرُكَ أنتَ سيعلم مدى صعوبة ذلك اليوم وكم كانَ شاقاًّ ومُتعِباً،فتجلس على مائدة الغداء.. ثم تتطلع في الفراغ من خلال النافذة التي تطل عليها طاولة الطعام.. وتستَذكِرُ كم كُنتَ آمناً في زَمَنٍ مضى.. حينَ لم يكن يقلق صفوَ تفكيركَ شيء.. أما الآن فالهواجس لا تترُكُك أبدا.. التفكير في المريض الذي أتى العيادةَ بإصفرارٍ في وجهه.. هل هو بسبب السرطان أم أنها حصوةٌ مرارية عادية؟ وذلك الذي يؤلمه صدره هل هو بسبب مرض القلب أم الحموضة مع توتر في عضلات المريء؟ وذلك الشاب الذي مات بعد حادث السيارة.. هل كان هناك شيء ما يمكنكَ فعله، لكنك لم تفعله؟! كل هذه الهواجس جزء من الطب..

كما يجب عليك الإطلاع دائماً واستكشاف المزيد من العلم دائماً حيث أن خمسين بالمئة من المعلومات التي درستها تصبح معلومات خاطئة بعد عشر سنين فقط من دراستها.. فالطب في تطور سريع جدا.. إن لم تقرأ في الطب يوميا.. لن تكونَ طبيبا ناجحا!

ولعل أهم ما عليك فعله هو أن تكون متعاطفا مع مرضاك فتبين لهم أقصى اهتمامك.. فإنهم لا يعلمون كم كان يومك شاقا ولا يعلمون أن شابا توفي قبل لحظات أمامكَ قبل أن تتجه إليهم لأنهم يشتكون من الإمساك مثلاً.. وإنهم قد لا يعلمون أنك تفكر بهم غالب يومك.. عليك أن تكون مصغيا لهم بأقصى درجات الإهتمام والتعاطف وتتناسى كل ما حولكَ ومن تكون..

وهكذا يكون الطب طريقة حياة.. سيجعلك تنتقل من حالة إلى أخرى بلمح البصر.. ستصبح لديك قدرة هائلة في فهم الحياة وقدرة هائلة على التحكم بمشاعرك.. تنتقل من الإشتعال كحمم اللهب إلى التجمد كجبال الجليد من دون أن يَرُفَّ لَكَ جفن!

وأخيرا فإن أهم صفتين عليك التحلي بهما لتكون طبيبا ناجحا هما صفتي الشجاعة والتواضع فهما أكثر الصفات الصادقة.. الصفات الأخرى تستطيع تمثيلها وخداع الناس بها لكن الشجاعة والتواضع صفات صادقة جدا كما يقول الفيلسوف والأديب الألماني الأشهر (ويرثر). والطب الحقيقي سيمنحك هاتين الصفتين.. واعلم أن الطبيب الذي لا يتحلى بهما ليس طبيبا حقيقيا على الإطلاق! فلا تتكبر على مرضاك أيا كانوا ومهما كانت حالتهم المادية ولا تجبُنْ حين يُحيطُ بكَ الموت.. أنتَ عدو الموت!

6

نعطي من قلب

ما يميز الأحلام أنك تنتظرها بفارغ الصبر، لكن الصبر على الحلم يختلف في أنه صبر لا ملل فيه بل كلما طالت مدة الإنتظار كلما زادت الحاجة بل زاد الشوق لهذا الحلم لأن الإنتظار يغذي الشوق دائماً! فلا يقطع الإنتظار شيءٌ سوى الموت ربما.

ولا يوجد حلم بشري يفوق حلم المريض بفشل عضو في عضو جديد يعيد له الحياة. إن أقرب شيء لإعادة الحياة هو زرع الأعضاء وتستطيع رؤيتها واضحة جداً في المصابين بفشل الكبد الذي يجعل الإنسان يعيش في غيبوبة وعدم قدرة على التنفس بسبب تجمع السوائل بالبطن وهبوط بالسكر نتيجة فشل الكبد في التحكم في سكر الجسم و نزيف بالدم بسبب عدم قدرة الكبد على إنتاج المواد التي تؤدي لتجلط الدم.

كل موتٍ سيء..لكن لا يوجد موت أسوأ من الموت بفشل الكبد أو الكلية أو الأعضاء، خصوصا حين تعلم وأنت جراح زراعة أعضاء أن ذلك الموت كان من السهولة تلافيه لو تبرع الناس بأعضائهم.

ذات يومٍ اتصلوا بنا عندما كنت أقوم بزمالة زراعة الأعضاء في مونتريال بكندا للقيام بعملية جلب أعضاء من متبرع متوفى. الصدمة عندما سمعت اسمه فقد كان طبيب قلب يعمل معنا في ذات المستشفى!

كان شابا لم يتجاوز الثلاثين من عمره وكانت زوجته ولدت قبل وفاته ببضعة أشهر طفلتهم الوحيدة، لكن الوقت لم يسعفه فتوفي و هو طبيب القلب بفشل القلب، فأبى إلا أن يتبرع بأعضائه السليمة؛ الكبد والكليتين والقرنية والرئتين. قمنا بأنفسنا بعملية جلب أعضائه وهي عملية معقدة! إن جلب الأعضاء ليست عملية فوضوية فأقل جرح قد يتلف العضو، وإننا في تلك العملية نمارس أقصى المهارات الجراحية ونعامل المريض المتبرع المتوفى أفضل معاملة ممكنة كما لو نعامل مريضا حيا! كان جو العمليات حزينا جداً! وحين تكون حزينا جداً حينها تحاول الهروب من الحزن في التفكير بشيء جميل وذلك معنى أن مع العسر يسرا فحلاوة هذه الدنيا مرتبطة بمرارتها ومرارتها مرتبطة بحلاوتها! ولا شيء أجمل من التفكير بمن ستنقذه أعضاء زميلنا هذا!

أحد من أنقذهم زميلنا ذلك اليوم كان طفلا لم يبلغ الثامنة على وشك الموت من فشل الكبد! هل هناك أجمل في أن تهدي عشرات السنين من عمرك لتحيي طفلا؟! وعمرك هذا قد مضى! أنت حين تهدي هذه الحياة تكون ميتا فعلا!

ما أروع أن ترى بأم عينيك ذلك: ميتا يهدي الحياة! ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا!

9

عن الإختبارات والطب وعن شجاعتك

هو الموت فاختر ما علا لك ذكره
فلم يمت الإنسان ما حيي الذكر
تهون علينا في المعالي نفوسنا
ومن خطب الحسناء لم يغلها المهر

كنت دوما أردد تلك الأبيات لكن ليس في مناسبة كمناسبة أبي فرأس الذي رددها أمام حبيبته التي كرهته بعد أن عرض نفسه للأسر من الروم فكرهت شجاعته وإقدامه الذي أبعده عنها! كنت أردد أبيات اللامبالاة هذه أثناء دخول قاعة الإختبار مع الكثير من آيات القرآن طبعا!

أتدري ما هو أكثر شيء تحتاجه قبل الإختبار؟
الشجاعة والثقة بالنفس
ثق بعقلك
ثق بقدراتك
كن شجاعا
أنت تعرف كل شيء! ألم تكن بالمحاضرة أثناء الشرح؟!
إذاً سيخزن مخك المعلومة وسيعطيها لك حين تحتاجها…لكن هناك شرط: أن تتحكم بالقلق الذي ما هو إلا مكابح عقلك!
القلق هو شلل في التفكير!
القلق هو الخوف والخوف مدخل للظلام والجهل!
فلا تخف
لا تخف حتى ينطلق مخك بالسرعة التي أعطاك الله إياها… سرعته القصوى التي لا تظهر إلا حين المحنة… إلا حين الإختبار!

ولن تصل لتلك المرحلة إلا بالشجاعة
كل شيء سهل… لا توجد صعوبة
الملايين من البشر درسوا الطب ونجحوا فيه! أنت بشر! إن فعل الملايين ذلك فأنت قادر عليه كذلك!
أصعب ما في الطب والهندسة وما شابه ليس معرفة المعلومات بل التوتر المصاحب للدراسة، فإن استطعت التحكم بالتوتر ستنجح بشكل يفوق حتى من يدرس بالساعات يوميا! طلبة الطب لم يذوقوا الفشل يوما… فهم لم يدخلوا الكلية الا بعد حيازتهم على أعلى المعدلات لذلك يزداد لديهم القلق لأنهم يظنون أن خسارتهم ستكون مضاعفة إن أخفقوا بالإختبار… وذلك غير صحيح!

لا تذاكر ليلة الإختبار فلا شيء يزيدك توترا مثل مذاكرة ليلة الإختبار.. أقترح عليك أن تخرج مع أصدقائك أو تقرأ كتابا عن الفلسفة أو الطبيعة أو الحب!

مذاكرة ليلة الإختبار ستعطيك معلومات طفيفة لكنها ستشل عقلك بالقلق!

وختاما تذكر أن لا شيء لديك تخسره.. هل سيقتلك الإخفاق بالإختبار؟ هل ستقف الأرض عن الدوران؟ هل سيقف من يحبك عن حبك؟ هذه الدنيا لا إخفاق فيها فكل شيء تجربة وخبرة فإن نجحت كان بها وإن لم تنجح فإنك ازددت خبرة ومناعة!
لا شيء في هذه الدنيا يستحق القلق.. فالقلق جبن وتعاسة!

وتذكر أن أجمل الأشياء هي ليست أشياء مادية كحرف الدال مثلا… ما فائدة ذلك الحرف إن عذبك معه بالقلق والجبن والتعاسة؟ أنت لديك أجمل الأشياء… لديك من يحبك ولديك من تحب… أنت لا تحتاج لشيء أبدا… أنت ستدخل هذا الإختبار وستذهل الجميع بروعة إجاباتك و سيكافؤك عقلك بحسن ظنك به و يرمي عليك بكل المعلومات التي ستحتاج ثم ستخرج منه و ترتشف فنجان قهوة مع من تحب ثم سيصبح كل شيء مجرد ذكرى!

وما نحن سوى الذكريات

0

الدكتورة كفاية عبدالملك وإنقاذ الصحة

عندما كنت طبيب الإمتياز في إسكتلندا عالجت أم رئيس الوزراء غوردون براون و في سنتي النهائية بتدريبي الجراحي في مكجيل قمت بعملية لزوجة رئيس الوزراء الكندي السابق پول مارتن!

لم تكن هناك أي واسطة في أي لحظة، كان علاجهم كعلاج من لم يكن يملك من المال والجاه والحظوة شيئا!

وبينما أكتب ما أكتب الآن تتراكم حولي الأمتعة والأشياء وتتناثر الأوراق ولا أكاد أستطيع أن أخطو في شقتي هذه حيث أنني أحزم أمتعتي للعودة والعمل في الكويت بعد خمسة عشرة سنة من الغربة في سبيل الطب.

ومن المحزن العودة وسط أجواء الظلم الذي حصل للدكتورة كفاية عبدالملك التي رغم عدم معرفتي الشخصية بها إلا أن مهنيتها وعملها الدؤوب يسبقانها. حين كنت أعمل بقسم الإنعاش في جامعة مكجيل ما إن عرف الدكتور ماغدر رئيس القسم أنني من الكويت إلا و شرع بمدح الدكتورة كفاية التي تدربت على يديه وحين وصل إليه بالأمس خبر ما حصل بها تحسر كثيراً أنها لم تجلس في كندا وأنها عادت الى وطنٍ لا يقدر ما تملك.
لكن أكثر ما يثلج الصدر حقيقة هي وقفة الناس والأطباء من أجلها اليوم فإن دل ذلك على شيء إنما يدل على زيادة الوعي والرغبة الشعبية العارمة في القضاء على الظلم والفساد.

إن ما حصل للدكتورة كفاية غير مقبول إطلاقا ولا يوجد أي عذر له! ليس من حق أحد نقل طبيب من مكان عمله بالذات إن كان الطبيب مبدعا فيه بل حتى وإن أخطأ فالمحاسبة ليست بالنقل. إن عقلية إدارة موظفي الدولة لا تنطبق على الأطباء، عقلية تجميد مدير بنقله إلى إدارة غير مهمة، عقلية لا علاقة لها بالطب إطلاقا. وإن كُنْتُمْ علمتم بما حصل لها فهناك مئات الأطباء المظلومين الذين لا يقف معهم أحد وخذ قضية الدكتور عبدالمطلب بهبهاني مثالا.

إن الطبيب الكويتي يعمل في ظروف قاسية جداً فيكفي أنه يقوم بالعمل من دون تأمين والذي يعتبر حقاً أساسيا من حقوق الأطباء، إن عمل الطبيب من دون تأمين كعمل الإطفائي الذي لا يرتدي لباس الإطفاء، وكسفينة هائلة في عرض البحر من دون قوارب نجاة. الطبيب الكويتي يعمل يوميا زيادة على ساعات عمله من دون مقابل ويعمل ليلا وفي الأعياد بكل رحابة صدر من دون أي سند وكل ما يطلبه السياسيون منه الغرف الخاصة للمتنفذين والسماح للعلاج بالخارج للمقربين وإذا لم يرضخ الطبيب لذلك يقومون بإذلاله أقصى ما يكون الذل.
وليكن في علم الناس أن غالبية الأطباء لا يقومون بعملهم المضني من أجل المال والجاه والشهرة بل حبا في الناس ولا شيء يعشقه الطبيب مقدار عشقه لدعاء المرضى والإبتسامة على وجوههم ولا أكتب كلامي هذا مبالغة إطلاقا!

لكن على الأطباء أن يستوعبوا كذلك أن مكانتهم لا يمكن أن يجلبها السياسيون ولا المال ولا الإعلام بل إن مكانتهم هي من حب البسطاء من الناس، لذلك عليهم الإبتعاد عن ركوب (باص) السياسيين وتبيان أن اعتصامهم للدكتورة كفاية هو لها ولكن بالدرجة الأولى هو احتجاج على نهج وزارة الصحة الذي يؤدي الى تردي الرعاية بصحة الناس.

ختاما الهجوم على الوزير ليس حلا، الوزارة جثة تنازع الروح والحل بثورة صحية، الحل بمؤتمر إنقاذ صحي يشارك فيه خبراء محليون وعالميون تُنَفَّذ توصياتُه ولا شك أننا نحن الأطباء قادرين على تنفيذ مثله إن قامت الوزارة بدعمه.