3

الطبيب الكلب و الأعشاب (قصة حقيقية)

هذه الدنيا واضحة جداً لكنها من فَرْطِ وُضوحِها أَعْمَتِ الأَبْصارَ فَغَدا كُلُّ شَيءٍ سِراً ولُغزاً يَحْتاجُ إلى شَرْحْ!

كنت في آخر شهر لي في كلية الطب في اسكتلندا وتحديدا في جامعة أبردين أقدم كلية طب بالعالم الإنجليزي حيث تأسست في عام ١٤٩٥! وكانت مناوبتي في قسم الباطنية! اتخذت قراري قبل سنة أن أُصبِحَ جراّحاً رغم أنني كنت معجبا بتخصص باطنية الأعصاب وأمراض الدم وكنت كذلك معجبا بتخصص الطب النفسي. الجراحة سريعة النتائج كما أنك تواجه المشكلة بيديك، إن للجراحة لذة خوض المعارك ولذة الخوف الممزوج بالشجاعة وإن بها حزنا شديدا حين تفشل في مسعاكَ بيَدَيْكَ لإنتشالِ مريضِكَ من أعماقِ الموت! إن في تخصص الجراحةِ أعمَقُ المشاعِرِ الإنسانية و أكثَرُها تَضاداً!

ارتفع رنين جهاز المناداة (الپيجر) و إذا قسم جراحة الحوادث على الطرف الآخر منه!

نحتاجُ مُساعَدَتَكُم.

لدينا إمرأة في الثلاثينات من عمرها.

عَضَّها كَلْبُها!

وبينما نحن ننظف جرحها وإذا بها لا تُحِسُّ بِرِجْلَيْها ثم ارتفع هذا الإحساس لكل جسدها وهي الآن تَقريباً مَشلولة!

تطَلَّعنا في وجوه أحدنا الآخر والحيرة بأشد حالاتها تبدو لدرجة الغثيان! حتى رئيس الفريق الإستشاري المتخصص كان مذهولا! فما بالك بطالب مثلي!

في غرفة حوادث الجراحة رأينا تِلْكَ التي عَضَّها كلبها! ألا ينبغي للكلب أن يكون وفيا؟! هناكَ أَمَلٌ عند البَشَرِ أن الحب والخير والوفاءَ لا زالوا موجودينَ فِعلاً فإن غابت هذه الأوصافُ عَن بني البَشَرِ سَتَجِدُها بالحيَوان!
رُبَّما خَلَقَ الله الحيوانَ حتى لا نفقِدَ الأَمَلَ بِوُجودِ الخَيْر! حتى حينَ يتفق كل البشر على الشر ستجد حيوانا يفعل الخير! كَمَا فَعَلَ غُرابُ قابيل!
لا تَيْأَسْ مِن وُجودِ الحب والخير والجمال!

لكن الكَلْبَ هذا خالَفَ كل هذا! لم يَعُضَّها فَقَطْ! بل ربما كانت أسنانه تحتوي على بَكتيريا خاصة تسبب الشلل! هناك بكتيريا الكلوستريديوم قد تسبب مثل هذا الشلل وهي بكتيريا تنمو بالمعلبات التالفة أحيانا! بدأنا علاجَها بمختلف المضادات الحيوية!

هي الآن تجد صعوبة بالتنفس! لقد شلت عضلات أضلاعها التي تُساعِدُ على التنفس! لذلك انتقلنا بها الى الإنعاش ووضعنا أنبوبة التنفس في فمها فأصبحت تتنفس صناعيا!

قبل ذلك وعندما سألناها عن تاريخها الطبي وجدنا أنها خالية من الأمراض تماماً! هي بكامل صحتها! وحين سألناها عن الأدوية التي تأكل فإنها أنكرت أخذها لأي دواء فهي بحد زعمها تكره بلع الأدوية!
بإختصار هي إمرأة ثلاثينية بكامل صحتها تعيش وحيدة مع كلبها (الغير وفي)!

بدأت فحوصات دمها تبدأ بالظهور وكان أخطرها ملح الپوتاسيوم! كان منخفضا جداً (اثنان فقط)! رباه ذلك قد يؤدي لشلل كل الجسم وشلل عضلات القلب وتوقفها! ذلك قد يؤدي إلى الموت! ما الذي يجري هُنا؟!
سألنا الجراح عن حقن التخدير التي استخدمها لتنظيف الجرح؟! ربما حقن كمية كبيرة بالوريد دون أن يدري! لكن جوابه كان مطمئناً! لقد حقن كمية صغيرة جداً ولم تكن بالوريد؟! ثم ما علاقة ذلك بنقص الپوتاسيوم الشديد؟!

قمنا بضخ كميات كبيرة من الپوتاسيوم بأوردتها! وعندما أعدنا الفحص كل ساعة كان الپوتاسيوم لا يزال منخفضا جداً!

فحوصات الباكتيريا في الدم كانت سالبة! لا توجد باكتيريا بالدم!

قمنا بفحص البول! فوجدنا أن البول كان ممتلأً بالپوتاسيوم! ذلك يعني أن الكلية لا تقوم بعملها الصحيح في الحفاظ على الپوتاسيوم! إنها تفقد كل ما نضخه عبر أوردتها!

لكن كل ذلك لا يمكن أن يحدث عند انسانٍ بكامل صحته؟!

قَد نفقدها في أي وقت إن توقف قلبها! إنها مسألة وقت! ليسَ أَكثَرْ!

في صباح اليوم التالي سألناها مرة أخرى كل الأسئلة التي سألناها في اليوم الأول! وحين سألناها عن الأدوية أنكرت بيدها مرة أخرى! فمن الصعب التحدث مع أنبوبة في فَمِكْ.

لكن الإستشاري لم يقتنع، فكرر سؤاله عن أي نوع من الأدوية عن أي شيء غير الغذاء العادي الذي يأكله الإنسان يوميا! فتغيرت نظرَتُها وبدا عليها التفكير! ثم انتبهت وطلبت ورقة و قلما! لقد تحسن الپوتاسيوم لديها فعادت قدرتها على الحركة!

كتبت اسم عشبة تأخذها لتقوية المفاصل والحفاظ على نضارة الجلد!

أخذنا اسم هذه العشبة وبحثنا عنها بحثا طبيا مضنيا بالإنترنت!

كل الأشياء بالإنترنت تدل على فائدتها لكن كل هذه المواقع لم تكن مواقع طبية معتبرة ولا توجد أبحاث على كل ذلك!

بينغو! كلمة انجليزية تُستَخدَمُ فحينَ تفوزُ بنوع خاص من المقامرة!

وجدنا ثلاثة أبحاثٍ مٌعتَبَرة من الصعب إيجادها ببحث عادي على الإنترنت!

تُبَين هذه الأبحاث أن ثلاثة أشخاص بالعالم أصيبوا بخرير الكلية وفقدان الپوتاسيوم بسبب هذه الأعشاب!

تحسنت كليتها واستطاعت أن تعود لصحتها ولمنزلها وكلبها بعد يومين من العلاج!

السؤالُ المهم هنا: ما علاقة عضة الكلب بكل ذلك؟!

الجواب: لو لم يعضها كلبها لما اتجهت إلى المستشفى و لَأُصيبَتْ بالشلل في منزلها وتوفيت بسبب عدم القدرة على التنفس ووقوف القلب! لقد أحس الكلب أنها بخطر مُحدِقْ فَلَم يَجِدْ غَيْرَ العض وسيلةً لِجَعْلِها تَلْجَأُ للطبيب!

لا تأخذ أعشابا لا أبحاثَ عليها إلا إن كانَ كَلْبُكَ ساحِراً أو طبيبا!

ملاحظة: القصة حقيقية جداً ولم أزد عليها أي حرف بل ربما أنْقَصَت حروفي منها إثارَتَها!

13

غياب

في كل فرح تتمثل أمامي! أذكرك وسط زحام الناس ووجوه المهنئين! تغيب تلك الوجوه فأتمثل وجهك في كل شيء! وبكل حزن تظهر حين أحاول مغالبة دمعي دائما أقول لنفسي لا تحزني ما دام حبه في هذا القلب فقد حق على هذا القلب ألا يذوق الحَزَن!

هي الحياة هكذا لا تمضي إلا بالحب ولا يحكمها إلا الحب! كان أناكسوغوراس وهو أحد الفلاسفة ما قبل سقراط يؤمن أن ما يحكم الكون هو الحب وأن الكائنات والأفلاك تتشكل بالحب فإن كرهت الذرات شيئا لا تتحد معه وإن أحبته اتحدت!

كنت أقرأ في بعض هذه الكتب الفلسفية في المقهى القريب من مكان عملي فمنذ وحدتي هذه وأنا لا أتسلى سوى بمثل هذه الأشياء التي تجعلني أسرح بعيدا عما أرى حولي! يقولونَ الواقِعُ هو ما نرى! لا أعتقد ذلك فالواقع هو ما لا نرى!

الواقِعُ أن بك آلاف آلاف الخلايا وهي أساسك! لكنني لا أرى ذلك! الواقع أنك تفكر الآن في جمالٍ غاب عنك أو شيء تمنيت فعله لكنك تبدو معي بهذا المقهى وكأنك تتتبَّعُ ما أقول!

الإنسانُ يعشق الخيالَ والحُلُمَ في كل لحظاته نائما أو وسط يقظته! لذلك يموتُ الإنسانُ عند قتلِ حُلُمِه!

قطعت سيل أفكاري تلك رنين هاتفي وإذا بالطبيب المناوب من غرفة الحوادث يخبرني عن وصول مريض استأصلت منه سرطانا بالمريء قبل أسبوعين! استلزم ذلك استئصال كل معدته كذلك ثم توصيل ما بقي من المريء بإمعائه! كانت عملية صعبة نتيجة التلصقات في تلك المنطقة من عملية سابقة! هذه الوصلة بين المريء والإمعاء لا تلتئم أحيانا بسهولة!

ضغطه منخفض وكريات الدم البيضاء عنده مرتفعة دقات قلبه متسارعة!

قلت له أن يتصل بغرفة الإنعاش مباشرة ويبدأ بعض المضادات الحيوية بالوريد ويعطيه الكثير من السوائل وحين تتحسن حالته يجري أشعة مقطعية! ظني أن هناك تسريبا من هذه الوصلة أدى لإلتهاب شديد!

أغلقت صفحات كتابي لأتجه للمستشفى منزلي الثاني وربما الأول!

وطن فؤادك ما استطعت من الهوى ما الحب إلا للحبيب الأول
كم منزل في الأرض يألفه الفتى وحنينه أبدا لأول منزل!

على أعتاب باب المستشفى يرن هاتفي مرة أخرى

مريضك هذا بخطر شديد! إننا بالكاد نستطيع قياس ضغطه! إتجهوا به مباشرة لغرفة العمليات! أراكم هناك!

استبدلت ملابسي بسرعة وارتديت ملابس الجراحة! ثم اتجهت لغرفة العمليات

في تلك الغرفة كان المشهد وكأنه أحد مشاهد حرب عالمية

عشرون طبيبا وممرضا ربما! هذا يضع السوائل وآخر يقرأ البيانات على أكياس الدم وتلك تحضر عدة العمليات وهذا يجر سرير الحوادث! لم يلفت نظري سوى رجل المريض التي اصطبغت بدوائر غامقة اللون! إنه ميت!

هذه الدوائر لم أرها إلا على من مات! إنها تعني أن الدم لا يصل لهذه الرجل! وجهه كان شاحبا جداً كما الأموات! تذكرته حين أخبرته بتشخيصه! فرجاني تأخير العملية حتى عرس ابنته بعد ثلاثة أشهر! قلت له ذلك قد يعني موتك!

أجرينا عمليته دون تأخير وذلك يعني أن عرسها بعد شهرين! يجب أن يعيش حتى يقبض على يدها ليسلمها لعريسها!

صرخت بهم أن يحملوه مباشرة على طاولة العمليات!

اللحظات هنا تساوي الحياة!

لم أتعقم فلا وقت هنا لدينا ليضيع!

سكبت محلول التعقيم على بطنه كما يسكب البقال الماء على مدخل محله عند صباح صيفي مشمس!

ثم قبضت على السكين واخترقت بطنه كاملا بضربة واحدة!

فتدفق الدم الغزير من كل جوانب البطن لينزل على رجلي من أسفل الركب!

من أين أتى كل هذا الدم!

رائحة كريهة تنبعث من البطن!

وضعت الفوط الجراحية في زوايا البطن الأربعة

ثم طلبت من طبيب التخدير إعطاءه كل ما لديه من أكياس الدم

حين انتزعت الفوط كان الدم يسيل بغزارة من الجهة العلوية اليسرى

إنه الطحال ربما مصدر كل هذه الدماء!

قبضت بيدي اليسرى على الطحال بعدما انتزعت ما يلصقه بالجسم بيدي

ثم قطعته مع جزء من ذيل البنكرياس الذي يتوحد معه!

ربطت أوعية الطحال ولا زال الدم يجري غزيرا

هنا وجدت فتحة التسريب من وصلة المريء

ثم اكتشفت أن شريان الطحال كله قد تآكلَ من التسريب وأن الدماء تسيل غزيرة من كل نقطة فيه

صوت أزيز أجهزة التخدير لا يبشر بخير! يبدو أن لا ضغط يُقرَأُ لهذا المريض!

مسكت الإبرة وقمت بخياطة الشريانِ كله رغم صعوبة رؤيته من كثرة الدماء!

هنا وقف الدم!

بدأ الضغط يتحسن! تركت البطن مفتوحا ولم أغلقه! فذلك الإغلاق سيستغرق وقتا ثمينا من الأفضل قضاؤه في غرفة الإنعاش مع أكياس الدم والسوائل والمضادات الحيوية!

تركت ثلاثة أنابيب قرب التسريب حتى أتحكم بالإلتهاب ريثما أستطيع إصلاحه بعملية أخرى حين تستقر حالة المريض! ثم وضعت أنبوبا بأنفه يصل الى وصلة المريء ليمتص الإفرازات حتى لا تنتشر بالبطن!

تركت الغرفة بعدما شد على يدي الأطباء رفاقي! وحين أتاني المريض بعد شهرين للعيادة أتى ومعه بطاقة الدعوة لي لعرس ابنته! راجيا مني أن أسحب أنبوب البطن الأخير حتى لا يظهر خلال لباس العرس الذي سيلبس!

حين ترك غرفة العيادة اغرورقت عيناي بالدمع!

كانت حبيبتي تشتكي من فقدان وزنها فكنت أهون عليها ذلك في الوقت الضئيل الذي كنت أراها فيه في المنزل! وحين اشتكت من صعوبة بلع الطعام دق بقلبي ناقوس الخطر! فغضبت من أنها لم تخبرني بذلك قبلًا!

منذ زواجنا وأنت تهون من كل مرض أشتكي منه أو عرض! فلماذا تغضب الآن؟!

كان منظار معدتها وكأنه مسروق من كتاب! نمو كبير بالمريء وانسداد كامل! ثم كانت الصاعقة انتقال المرض الى الكبد! لم تستمر معاناتها طويلا!

شيء جميل أن تكون زارع حديقة الورد لدى جارك الذي تحب! لكن الأجمل أن تعتني بورودكَ أولا قبل كل شيء! الوحدة هذه لا يقتلها سوى دفات هذه الكتب لتأخذني بعيدا! وكأني أفتش عن عالم آخر يبعدني عن العالم الذي أعيشه الآن!

يقول الفيلسوف بارتيز في كتابه عن الحب

(المعلم كان يغطس رأس تلميذه ببِركَةِ المياه حتى تبدأ فقاعات الهواء بالإختفاء تدريجيا حتى تغيب نهائيا! ثم حينها فقط يرفع رأس التلميذ من الماء قائلا له:
عندما تشتاق للحكمة كما تشتاق الآن للهواء
عندها فقط ستوهَبُ الحكمة)

غياب من نعشق هو غطسٌ لرؤوسنا في المياه

الشوق هو غطس لرؤوسنا بالمياه

وحين نختنق من الغياب حينها نوهب الحب ونعرف قيمة من غاب…. من نحب

13

لإبنتي ذات العام الواحد

هكذا كنت تعبا مرهقا كما كومة من أوراق الخريف تراها كثيرة لكنها هشة تحملها بعيدا أي نسمة هواء تهب في أي وقت وفي أي اتجاه!
دق البيجر اللعين في الثانية فجرا وعلى الطرف الآخر منه ممرضة غرفة العمليات تخبرني أن الكلية
وصلت! نعم وصل حلم إنسان كان متعلقا به لسنوات طوال ينتظر اتصالا… خبرا يعلن أن تعاسته
وبؤسه سينتهيان!

أحلام الإنسان قد تكون أي شيء وما قد يكون بؤسا لدى شخص قد يكون حلما لآخر… كابوس المتبرع المتوفى كان الموت وحلم المرضى الأحياء بالكبد والبنكرياس والكلى هو بوجود متبرع متوفى!

الأحلام هي أجمل ما في هذه الحياة الدنيا فمن دونها لا تبقى للحياة بهجة ومعنى وذلك لعله أكبر دليل
على قبح هذه الدنيا أن أجمل ما فيها هي الأحلام والوهم!

هذه الكلية حين نزرعها ستقلب حياة إنسان رأسا على عقب! بعدما كان يعذب أسبوعيا ما لا يقل عن الثلاث مرات يترك فيها شؤون حياته كلها ليجلس على جهاز غسيل الكلية الذي يبدل دمه لساعات طوال فما ان ينتهي من جلسته حتى يحس وكأن السماء قد وقعت على رأسه بسبب تبدل نسبة السوائل بالجسم!

اتصلت علي الممرضة إذا وأنا بمنتصف أحلام نومي لتحدثني عن وصول حلم عظيم لغرفة العمليات!

لم أكد أنام لساعة واحدة فقط حين صحوت متجها للإستحمام والشعور بالإرهاق يأخذ مني كل مأخذ حتى كأنني لست بكامل وعيي وقواي! وفي تلك الحالة تزورك عشرات الأفكار المتدافعة مستغلة ضعفك وتأخذك إلى عالمها! وقد تمر عليك ذكريات لم تزرها منذ زمن! خرجت من المنزل ودرجة الحرارة ربما خمسة وعشرين تحت الصفر!

انطلقت بسيارتي لأقرب مقهى بالجزيرة التي كنت أسكن فيها وتسمى جزيرة الراهبات بالفرنسية ال دي ساغ! وهي جزء من مدينة مونتريال لكنها جزء هاديء وجميل جداً فنصفها غابة ونهر سان لوران يحوطها من كل جانب! أخذت قهوتي من على شباك الخدمة وأبخرتها مع أبخرة أنفاسي تتقاتل في المسافة بيني وبين البائع الذي سلمني إياها!

حينما رشفت أول شرفة منها انحنيت مغلقا عيني وكأنني أقبلها! شيء من الحب اللاشعوري لهذه القهوة التي بلاها لم أكن لأستطع الوصول للمستشفى واستلام الأحلام!

في غرفة العمليات كانت الممرضة جاهزة مع الأدوات التي سأستخدمها في تنظيف الكلية

تعقمت وطلبت من الممرضة أن تفتح الصندوق الذي بداخله العلبة التي تحتوي الكلية ويحوط العلبة الثلج من كل مكان حتى نحافظ عليها في عملية النقل من المتوفى المتبرع للحي المريض!

فتحت العلبة وجعلت الكلية تنزلق بالوعاء الذي وضعته على طاولة التحضير

كانت الكلية مغلفة بالكامل بطبقة سميكة من الشحوم فلم تكن تراها

عند تنظيفها نتعرف على شريان الكلية ووريدها والحالب وأي حركة خاطئة تجرح هذه الأنابيب سيؤدي الى تلف الكلية! قمت بذلك بحذر وبعد مدة استطعت تنظيف كل الشحوم وربط بعض الأوردة الغير مهمة ثم وضعت الكلية في جهاز يضخها بسوائل تجعل عملها في جسد المريض الذي سيستقبلها سهلا وسريعا!

كانت خطتي وضعها لساعة بهذا الجهاز

تركت غرفة العمليات لأصلي الفجر بغرفتي بالمستشفى وأراجع حالات بعض المرضى بالجناح وخلال ذلك الوقت أدخلنا المريض الحي الى غرفة عمليات ثانية حتى يتسنى لفريق التخدير تحضير المريض.

في الخامسة والنصف فجرا بدأت العملية بالسكين تقطع قطعا كشكل حرف الراء في الجهة اليمنى السفلية لبطن المريض!
ثم وصلت للمكان الذي سأضع الكلية فيه، وشرحت الأوعية الدموية للمريض الحي التي سأوصل إليها وريد وشريان كلية المتوفى
بدأنا بتوصيل الوريد ثم وصلنا الشريان ثم بدأ عمل الكلية حيث انقلب لونها من الأزرق الى الأحمر الغامق وبعد ذلك وصلت الحالب الى مثانة المريض الحي!

أغلقنا البطن في الساعة السابعة والنصف من صباح يوم الإثنين

لم تكن لدي سوى نصف ساعة لأجول فيها على باقي المرضى بالجناح حيث لدينا عملية استئصال لسرطان البنكرياس ستبدأ بالثامنة صباحا!

استطعت فيها كذلك أن أتسلل لغرفتي لأعمل نفسي بعض القهوة المفضلة من ماكنة النسبريسو التي أحتفظ فيها بغرفتي!
عملية البنكرياس هذه معقدة بدأت فيها بتشريح الإثناعشر والتعرف على الأوعية المهمة وقطع القناة المرارية ومن ثم قطع البنكرياس وآخر المعدة ثم قطع ما تبقى من البنكرياس من شريان الإمعاء الرئيسي والوريد البواب ثم توصيل ذيل البنكرياس بالإمعاء وتوصيل القناة المرارية والمعدة بقطعة أخرى من الإمعاء! بالساعة الثانية عشرة ظهرا دق البيجر مرة أخرى!

اتصلت على الرقم الظاهر بالبيجر وإذا به مركز الأعضاء يخبرني أن هناك متبرع توفي دماغيا للتو بمدينة شيكوتيمي التي تبعد ساعتين والنصف بالطائرة عن مونتريال!

علي الطيران اليها لإجراء عملية جلب الأعضاء

هذه المدينة تعتبر تقريبا جزءا من القطب الشمالي والجو بها قارس البرودة جداً

فقر النوم بي وصل مداه لكن لا بد من القيام بالعملية بأسرع وقت

حضرت الأدوات التي أحتاجها للعملية واستدعيت اثنان من الأطباء المتدربين للتوجه معي لسيارة الشرطة التي ستقلنا للمطار
الطريق الذي نقطعه في خمسة وأربعين دقيقة للمطار قطعناه بعشرة دقائق حيث أشعلت سيارة الشرطة أضواءها وأعلنت ضوضاء صفاراتها

وصلت المطار الخاص وإذا بالطيار لم يكن مستعدا! اتصلت عليه للإسراع بالمجيء! لكنه تأخر علينا لساعة ولم تقلع إلا بالرابعة عصرا

الطائرة صغيرة جداً ليس بها سوى أربعة مقاعد وهي ليست نفاثة بل ذات مراوح

وما زاد الطين بلة أنني كنت أتضور جوعا ولم يقم الطيار بواجبه في إحضار طعام لنا

في هذه الطائرة لم أستطع النوم حيث كانت تتقلب ذات اليمين وذات الشمال وكأنها لعبة في مهب الريح حيث كانت هناك بوادر عاصفة ثلجية استقبلتنا ما ان هبطنا لشيكوتيمي بالسابعة مساء

استقبلتنا سيارة الشرطة بشيكوتيمي لتأخذنا للمستشفى حيث المتبرع المتوفى

اتجهت لغرفة الإنعاش لأفحص المتبرع المتوفى لأتأكد من موته دماغيا

كانت في العقد الثالث من عمرها وعلى بطنها ورأسها آثار كدمات الحادث الذي أودى بحياتها
ولو لم تكن طبيبا لخيل لك أنها حية ترزق

فضفيرة شعرها وصبغ أظافرها يعلنان لك أنها لم تكن تعلم أن الموت زائرها

سألتني إحدى الطالبات ذات مرة
هل أنت جراح أعضاء؟
قلت لها نعم
قالت هل قمت بعملية جلب أعضاء؟
قلت لها بزهو قبيح نعم
ربما ٦٠ مرة
قالت لي هل يبكي المتوفى دماغيا
قلت بنبرة الواثق طبعا لا وحتى ان رأيت بعض الدمع فذلك ربما بسبب اختلال السوائل
فعلا الحزن وجهها
فانتبهت أن هناك شيئا ما
فقلت لها لماذا تسألين هذا السؤال؟
قالت عندما كنت في السادسة عشرة توفيت أمي دماغيا وحين رأيتها وهي تتجه لغرفة العمليات ليقوم الجراحون باستئصال أعضائها انحدر الدمع من عينها حين قبلتها
أطرقت ببصري للأرض
ثم نظرت إليها قائلا: لا أشك أنها بكت لكنني لا أشك بوفاتها دماغيا! كل ما في الأمر أنها من فرط حبها لك استطاعت أن تبكي فراقك حتى وهي متوفاة!

نعم الميت قد يبكيك ويفقدك حتى في قبره

أول عملية جلب أعضاء شاركت فيها كانت عام ٢٠٠٦ مع الدكتور ديونيسيس ڤروهيديس اليوناني كان ديونيسيس عجيبا كان يعشق اليخوت وسيارته البورشه وكنا دوما نتحدث بشتى المواضيع أثناء العمليات! لكنني كنت مذهولا جداً ومتأثرا جداً في أول عملية أشارك فيها لجلب الأعضاء فالمتوفاة كانت بالسابعة عشرة من عمرها توفيت ليلة الكريستماس بضفيرتها المعقودة وصبغ أظافرها مستعدة ربما لعشاء الكريستماس مع عائلتها وهي المناسبة التي تعادل عندنا غذاء عيد الفطر!

لاحظ ديونيسيس ذلك علي فضحك عندما انتهت العملية وعلق قائلا محمد لا يصمت أبدا واليوم كانت المرة الأولى الذي أراه فيها صامتا هكذا! فرددت لا تقلق إنما كنت أحاول التركيز حتى احفظ خطوات العملية!

هكذا كان ردي حتى أظهر بعض الشدة والقوة أخفي فيها ما يجول بخاطري

عجبت لمن يرى الموت ولا يتعظ منه! وقد رأيته كثيرا ولم أتعظ منه أبدا! رحماك يا رب

المهم

اتجهت بالمتوفاة دماغيا لغرفة العمليات بشيكوتيمي وأثناء طريقي لها استوعبت أنني نسيت نظارتي المجهرية المهمة في مثل هذه العمليات حتى أرى الأوعية الدقيقة! كان ذلك سيصعب مهمتي قليلا!

بدأت العملية بالثامنة والنصف مساء بشق طويل يبدأ من العنق حتى الحوض! ثم استخدمت المنشار لقطع عظام الترقوة فاستقبلني قلبها وهو ينبض بقوة حتى يقفز ملامسا يدي

أزحت القولون والأمعاء من مكانهما فتراءى لي شريان البطن الرئيسي الذي ربطته قرب الحوض ثم ربطته مرة أخرى خلف المريء
ثم ادخلت أنبوبا به محلول حتى أنظف الأعضاء من الدم
ثم سكبت ثلاث لترات من الثلج بالبطن
ثم قطعت الوريد فوق الكبد

بدأ القلب أمام ناظري بالرقص بعنف
هذه الروح تفارق الجسد أمامي
هذا القلب يرقص معلنا قرب الرحيل
أحسبه يتكلم ويبث كل ما بخاطره من ذبذبات لمن يحب
وبعد البث بدأ يدق ببطء ثم وقف نهائيا عن النبض

استأصلت الكبد بصعوبة حيث كانت هناك الكثير من الدماء حوله من أثر الحادث

كما كان هناك شريان في مكان نادر خلف القناة المرارية فكان لزاما الحفاظ عليه

ثم استأصلت الكليتين والبنكرياس ووضعت كل عضو بعلبته ووضعت الثلج بالصندوق واتصلت على الطيار ليستعد متأكدا أنه اشترى لنا طعام العشاء!

هبطنا بمطار مونتريال بالثانية فجرا

وبدأنا عملية زرع الكبد بالرابعة فجرا ولم ننته إلا بالعاشرة من صباح الثلاثاء
ثم بدأنا زرع الكلية بالثانية عشرة ظهرا ولم ننته إلا بالرابعة عصرا
تركت غرفة العمليات وأنا خرجة بالتعبير الكويتي الفصيح

اتجهت للمنزل للإستحمام السريع فطائرتي المتجهة للكويت كانت في السابعة مساء

أتجه للكويت للمشاركة بالإنتخابات يوم الخميس الأول من فبراير والأهم من ذلك لأحضر ولادة زوجتي! كانت حاملا بابنتي التي كنت متشوقا جداً للقائها ربما أكثر من مولودي الصبي الأول! حيث لدي خمسة إخوان بلا أخوات فكنت مشتاقا لبضعة مني تكون أنثى!

لا توجد طائرات تتجه مباشرة من مونتريال الى الكويت فكان خط رحلتي
مونتريال- بروكسل بلجيكا – فرانكفورت ألمانيا – الكويت

جلست على مقعدي بالطائرة والنوم لم يطارح جفني منذ الثانية فجرا يوم الإثنين
ومن شدة تعبي وفرحي وشوقي لم أنم إلا متقطعا لنصف ساعة ربما

في مطار بلجيكا منعوني من الاتجاه لفرانكفورت حيث لم تكن لدي الڤيزا الأوربية ولذلك لا يمكنهم السماح لي بالسفر بين مدينتين أوربيتين والخط الوحيد المسموح لي هو بين بلجيكا وبين أحد دول الشرق الأوسط التي لا تطلب الڤيزا من كويتي!

حجزوني بمركز الإبعاد مع أثيوبية وابنها لبضع ساعات ثم أبعدوني على متن الطائرة القطرية الى قطر ومن ثم للكويت!

لم أصل للكويت إلا فجر الخميس تحديدا بالثالثة فجرا! والانتخابات البرلمانية تبدأ بالثامنة صباحا!

النوم شيء جميل أنا أحتاج للنوم الآن أكثر من احتياج أهل الكهف من صحوتهم من النوم!

لكن شوقي لابني وزوجتي أبقياني مستيقظا حتى بداية الإنتخاب فاتجهت للمدرسة معلقا باجة مرشحي البطل المفضل! ملتقيا بأصحاب دربي الذين فقدتهم مدة طويلة!

كانت النتائج غير سارة فقد فاز بالكاد مرشحنا وسقط الآخر!

عودتي كانت بعد عشرة أيام حيث كان لزاما علي العمل ببحث في مستشفى پتسبرغ الشهير مع جراح البنكرياس موزر الذي يرأس الآن جراحة البنكرياس في هارڤارد! فقد فزت بجائزة أفضل جراح متدرب في الأبحاث بجامعة مكجيل وهي عبارة عن دعم مالي للقيام ببحث في أي مكان خارج كندا! وقد كنت حضرت لهذا البحث بعد فوزي بالجائزة قبل سنة فكان لزاما علي أن أكون ببتسبرغ في الحادي عشر من فبراي

مرت الساعات وأنا أنتظر علامات ولادة زوجتي سارة العزيزة لكنها لم تأت

اتجهت للمطار متحسرا

أذكر أنني عندما كنت طفلا ومراهقا كنت أعجب من المدرس الغريب عن وطنه الذي تلد زوجته في مصر وسوريا وهو لا يزال على رأس عمله بالكويت!

وكنت أعجب كيف تخلف أبي أثناء دراسته بكاليفورنيا عن ولادة أخي جعفر بالكويت

كيف يمكن أن تكون قاسيا كذلك عزيزي الغريب فتتخلف عن استقبال بضعة من روحك

رباه لا يمكن أن أكون بهذه القسوة

وأنا الآن مضطرا أقوم بالشيء نفسه

كم من أشياء ومواقف أقسمت فيها بينك وبين نفسك أن لا تفعلها أو تعودها ثم أتت الدنيا بمشاغلها ومغرياتها لتجبرك على فعلها!

في بتسبرغ انهمكت بالبحث

وأثناء وجودي في السادسة عشرة من فبراير في مؤتمر مصغر لمناقشة حالات سرطان البنكرياس رن جرس هاتفي وإذا بوالدة زوجتي تخبرني أنها متجهة بزوجتي للولادة الى المستشفى

فحرت فيم أفعل ولم أجد ردة فعل سوى تصوير قاعة المؤتمر حتى أخبر ابنتي أنني كنت في شيء مهم حين ولادتها! لكنني لا أعلم ماذا سأرد عليها إن سألتني إن كان ما فعلته أهم من الحضور عندما تواجه أصعب يوم في حياتها عندما تستقبل الحياة الدنيا!

هذا ما سرقته مني الجراحة سرقت نومي وشبابي وسرقت حتى القرب من كل ما أحب! إلهي إن كنت أفنيت عمري في هذه المهنة فاجعلها تكون لهدف سام هدف أرفع من المال والزهو والعجب!

فتدبر فيما ستقبل عليه إن دخلت هذه المهنة! حذرني والد زوجتي الحبيب كثيرا من الدخول فيها حين كنت طالبا وهو أحد أول خمسة جراحين كويتيين والأول الذي يتخصص ببريطانيا وأول جراح كويتي في مجال زراعة الأعضاء لكنني لم أستمع له!

20130425-193418.jpg

8

الجراحة عيشٌ مع الموت

فهَلاّ كُنتَ من الذين ذَهَبَ الجمالُ بسمعهم وأبصارهم فما عادوا يستمعون لشيء إلا ما احتوى في ثناياه على كف حانية أو كلمة كإكسيرٍ يشفي كل مرض؟!

أو لعلَّكَ كنت في صغرك عاشقا لملاقاة الموت تواقا للنظر في عينيه راغبا أن تناغيه حتى إن تمت المعرفة بينكما طلبته للنزال ثم طعنته طعنة نجلاء بعدما كانت سكينه على عنقك لكنك بحركة سينمائية رميته بالهواء لتصرعه؟

هل أنت من أولئك؟ فإن لم تكن لا بأس عليك

هل كنت تتمنى أن تصنع فعلا عظيما فلا يدري عنه الناس فتخرج لمقهى بعدها تحتسي قهوتك وحيدا لا يشاركك فيها شيء سوى نسائم الهواء تهب باردة كبرودة قلبك حين كان الدم يتناثر حولك ويرتطم بوجنتيك وصفارات إنذار غرفة العمليات يصم أذنيك و صراخ طبيب التخدير أعطني الكيس العاشر من الدم ها أنا استبدلت كل دم هذا المريض ولا أستطيع قياس ضغطه !

فافعل شيئا يا أيها الجراح!
نعم … أنت هذا الجراح! أين كنت وأين أنت الآن؟! أنت الذي كنت آخر أقرانك قدرة على ربط حذائك طفلا! أصبحت تخيط أوعية دموية عوضا عن الحذاء حتى من دون أن تنظر!
أنت الذي كانت أمك تمنعك من مناولة الأشياء على مائدة الطعام لأنك كنت دوما تسقطها دون تحكم!
هل تذكر حين أسقطت العصير على طبق والدك؟
أنت الآن تتلاعب بأعضاء البطن كما يتلاعب عازف القيثارة بأوتارها!

أنت هذا الجراح تحاول إيقاف نزيف شاب لم يكمل بعد عامه العشرين وأمه وأخته ينتظران خبرا منك بفارغ الصبر وأنت تحاول عبثا إيقاف هذا النزيف! هل تتذكر القدر الكبير الذي كانت تطبخ به جدتك يوم الخميس؟ عندما كان عطلة بعد يوم الأربعاء؟ تخيله مملوءا بالحساء الذي تنتشر فيه قطع اللحم والخضروات والبطاطا ! تخيل أن هناك شيئا في قعر ذلك الجدر تغطيه طبقة سميكة وعليك الوصول لهذا الشيء و استئصاله؟!

هذا بطن مريضك مملوءا دما كالحساء والإمعاء تعلوه كقطع اللحم والنزيف خلف رأس البنكرياس وأنت لا ترى شيئا سوى وجه مساعدتك التي لا تعرف حتى كيف تمتص الدماء باستخدام جهاز الإمتصاص!؟ وتستذكر وجه أمه وأخته وهما يرجوانك إنقاذه ثم تتذكر أن أصدقاءك في رحلة حداق الليلة ولم تستطع الذهاب معهم لأنك خفارة! تُغلقُ عينيك لجزء من الثانية فتحس برغبة في نوم عميق فلم تنم منذ يومين حيث كانت خفارتك مرهقة جداً وتستذكر حنان وجه جدتك! فتلعن الساعة التي جعلتك فيها جراحا ثم تنتبه فستغفر ربك وتنشد منه العون فتزيح بإحساس يدك القولون من مكانه وتصل لموضع النزيف فتحسه بيدك ثم تصرخ أعطوني إبرة الم اتش پرولين رقم ٢ ثم تخيط النزيف دون أن تراه وتضع الفوط الجراحية وإذا بطبيب التخدير يصيح الضغط ١٠٠/٦٠ ! لقد أنقذت حياته!

ثم بعد شهر عندما حان موعد ذهابه الى منزله ليكمل حياته التي كانت ستقف وقوفا مفاجئا لولا تسخير الله لك له! ينظر إليك ويشكرك قائلا لن أنسى أنك أنقذت حياتي مغرورقةً عيناه بالدموع! وتبكي أمه داعية لك لطعام الغذاء يوما في بيتهم فترد عليهما وكأن شيئا لم يكن وكأنه شيء لا يهم:
لم أقم إلا بواجبي!
وجهك وأنت تتفوه بذلك آليٌّ جدا بصرامته وتقاطيعه القاسية!

فما إن يرحلا حتى تتهاوى أقنعتك… تذرف بعض الدموع تجففها بكُم معطفك الأبيض وتستغل شعورك هذا فتدعو الله أن يعطيك بعض الحياة في قلبك ليعود كما كان!

نعود لقهوتك ونسائم الهواء تداعبك وحيدا! وبرودتها تذكرك ببرودة قلبك في ذلك اليوم عندما أنقذت حياة ذلك الشاب ! فتتذكر ذلك ولا تشعر بالزهو القبيح بل تسأل الله أن لا يكون عملك إلا لشيء أسمى! فما قيمة العمل إن كان لا لشيء إلا لإشباع رغبة في نفسك بالشعور بالعظمة والإعجاب لن يصبح حينها ذلك العمل عظيما بل سيتساوى وأي عمل تقوم به لقضاء حاجتك!
هل تعلم ما هو أشهر عمل سمي بقضاء الحاجة؟
نعم…. بالضبط…. أنت لم تتغرب وتفني حياة إنسان في تعلم الطب والجراحة حتى تقضيَ حاجة!

هل تريد أن تكون ممن ينقذ حياة إنسان ويرحل لمقهى فيجلس وحيدا متفكرا يستخلص الحكمة مما فعل؟ ولن تستخلص الحكمة إلا بعد أن تفعل عظيما في أعين الناس ثم تستصغره في نفسك؟ عندها تصبح حكيما وذلك معنى الطبيب الحقيقي ألا ترى أن العرب
أسموا الطبيب بالحكيم؟

كنت تسمع عن أبي فراس الحمداني البطل الشهير الذي من فرط شجاعته ترك كل أماكن الصيد فلم يصطد إلا على الحدود مع الروم التي كانت دولة ابن عمه الحمدانية على صراع معهم فاحتوشوه من كل جانب ولم يهرب فقبضوا عليه وعندما عاد من سجنه تنكرت له حبيبته وأظهرت أنها لا تعرفه!
تسائلني من أنت وهي عليمة وهل بفتى مثلي على حاله نكر
فقلت لها كما شاءت وشاء لها الهوى قتيلكِ
قالت أيهم فهم كثر؟!

كانت غاضبة منه لأنه سمح لهم بأسره فغاب عنها!
هل سمعت عن هذا البطل العاشق؟
أتريد أن تذهب لتصطاد الموتَ كل صباح؟ وقد تظفر وقد تخسر؟
و إن خسرت لن تؤلف شعرا بل سيلومك الناس جهلا وسيقولون هذا الجراح الذي قتل فلانا! وأنت ما قتلته فقد قمت بعملك على أكمل وجه لكنها إحدى المضاعفات المعروفة بعد العملية التي قمت بها!
أنت صياد الموت كأبي فراس بل وأشرس فخسارتك أمضى وأفتك وأمر من خسارته!

لن تعيش شيئا من هذا الذي سبق ان اخترت مهنة طبية سوى الجراحة العامة وتفرعاتها!

فاختر عيشا كفارس مع ظلال الموت أو عيشا هنيئا في أي تخصص طبي آخر!

20130413-151605.jpg

6

پونت دي ڤيچيو

يرى خلال تلك النافذة حقولا خضراء جميلة قديمة قدم التاريخ كله! كيف لا وهي بساتين تسكاني الريف الإيطالي العريق! هنا كان يتقاعد جنرالات الرومان ليعملوا بالزراعة بعد حياة حافلة بالشجاعة. يتركون الدماء إلى الماء! هكذا هي حياة الإنسان دوما تنتقل بين الماء والدم وهما متضادان! علم يوسف ذلك في جراحات السرطان حين كان الپروفيسور بنهاية العملية يغسل البطن بالماء كانت الإمعاء تغرق بالمياه التي تنسكب من بطن المريض على قدميه أحيانا! فيسأل البروفيسور ما السبب لغسلك بطن المريض بهذا المقدار من الماء! فرد عليه قائلا أن الماء يقتل كل الخلايا السرطانية التي لا نراها في البطن.. الماء قاتل للخلايا إن خرجت عن طوع الجسم! الماء منه خلق كل شيء حي فإن خرج الشيء عن الحياة قتله الماء! يبدو أن أحد قوانين الطبيعة أن القريب إذا أصبح عدوك فإنه أشرس عدو والحبيب إن عاداك فعدوانه من النوع القاتل! الحبيب قاتل بحبه أو بكرهه لا فرق بينهما! يوسف هنا منذ شهر، أراد أن ينسى من أحب.

 رفض أبوها أن يتزوج منها وعندما وافق وتقدم لها رفض أهلها التزويج! فأراد أن ينسى بطريقة أو أخرى!
أدرك فداحة خطئه في اختيار فلورنسا للنسيان على جسرها الشهير ڤيچيو عندما استذكر بداية الكوميديا الإلهية لدانتي شاعر فلورنسا الأول حيث يبتدؤها بحب من أول نظرة ثم رؤياه للإله ولها حتى غادرت فلورنسا من دون أن تعلم بحبه لها.

 ما أجمل العشق حين لا تستطيع الوصال؟! حين تناجي من تحب وتمني النفس باللقيا في عالمك هذا أو عالم الأحلام أو عالم الآخرة! حين تحاول تصور من تحب، أينه الآن ماذا يفعل أهو في راحة أم لازالت تطارده هموم الزمن والآلام؟ متى ترانا ونراك؟!
كل هذه الأفكار تسارعت في مخيلته وهو ينظر خلال النافذة بعد استيقاظه من النوم في الكوخ الريفي الذي استأجره! هذا آخر يوم له في تسكاني وسيغادر ذات الليلة عائدا إلى الولايات المتحدة حيث يتخصص بجراحة العظام في جامعة تولان بلويزيانا! لا يزال وحيدا رغم سنوات عمره التي ناهزت الثلاثين! رغم أخلاقه الجميلة وسهولة معشره! رغم رغبة الكل في زواجه من أي من شاء إلا تلك التي أُعجِبَ بها.. هو ملتزم بدينه وأخلاق مجتمعه فلم تكن معرفته بها أكثر من إعجاب بأخلاقها وسلوكها و انجذاب شديد جعله لا يضيع وقته بما يقوم به شباب هذه الأيام! لذلك أراد الزواج بها مباشرة فهذه هي أخلاق الفرسان التي عود نفسه عليها!
أكثر ما يقلقه هو تعلقه الشديد بها ويقينه أنه لن يجد مثلها! هو ليس وحيدا حين تكون ذكراها هي معه! وهي لا تعلم ذلك فتحسب أنه نسيها وذلك تعمد منه حتى تذهب وشأنها لتسعد في حياتها! أقسم هو أن لا يبحث مرة أخرى! أقسم أن يصبح كزهور الربيع لا تتزحزح من مكانها مهما كان الثمن!
وضب حقيبته وشعاع الشمس يتسلل من نافذته كرموش ذهبية! رمشها الطويل كان كذلك! انتظر سائق الأجرة الذي سيقله للمطار! وكروم العنب تتراءى أمامه تصطف متناسقة لا عوج فيها! هي كانت كاملة متناسقة في كل شيء! كوب قهوته الذي احتساه في طريقه إلى المطار كان بنيا تشوبه شقرة ان مر عليه ضوء الشمس! لون عينها كان كذلك! ورائحة الورود على مدخل المطار تتمايل مع الريح بكل رقة كأنها هي.

الكرسي بجانبه في الطائرة كان خاليا! ماذا لو كانت تجلس بجانبه وكان هذا هو انقضاء شهر عسلهم! طرد هذه الفكرة من مخيلته بغضب! لا لن ينتهي أبدا شهر عسلي معها!
نعم
كل شيء كان يذكره بها! نسي ما كان يفكر به قبلها! أعادت هي تعريف الأشياء له وأصبح يراها في كل شيء مهما كان صغيرا! وهي لا تعلم عن ذلك شيئا! تحسبه بفلورنسا يستطعم ما لذ وطاب له!
انطلقت الطائرة وبعد خمس ساعات من الإقلاع حين كانت بمنتصف المحيط الأطلسي تماماً! ارتفع صوت ماكرفون الكابتن بصوت قلق يستدعي أي طبيب على متن الطائرة لراكب بالدرجة الأولى!
نهض يوسف من مكانه على عجالة!
وصل إلى مقاعد الدرجة الأولى معرفا عن نفسه: يوسف جراح عظام هكذا باقتضاب وبنبرة واثقة! المضيفتان تحيطان بشخص طويل القامة يتنفس بسرعة ويشتكي من ألم بصدره!
لا يوجد أي جهاز بالطائرة سوى جهاز إيصال الصدمات للقلب وجهاز قياس النبضات وضغط الدم! نبضه كان ١٢٠ وضغطه كان عاليا كذلك ١٩٠/١٠٠!
أراد قياس نسبة الأكسجين بالدم فلم يعمل الجهاز!
أنفاس هذا المريض تتسارع هي الآن ٢٤ نفس بالدقيقة!
سأله عن تاريخه الطبي فكان تاريخا صحيا جداً! هو بالخامسة والأربعين من عمره وليست به أي أمراض!
خرج الكابتن من مقصورة القيادة فقال له يوسف أن عليه الهبوط بأقرب مطار حيث قد تكون هذه سكتة قلبية!
أقرب مطار هو مطار هاليفاكس بنوڤا سكوشيا بكندا ويبعد ٣ ساعات!
ماذا يفعل يوسف الآن!
ماذا يمكن أن يكون التشخيص ان لم تكن سكتة قلبية!
قد يكون شيئا بالجهاز التنفسي!
لكن ماهو الشيء بالجهاز التنفسي الذي يحدث فجأة ويؤدي إلى انقطاع النفس هكذا؟! 

أصبح وجه المريض أزرقا وتسارعت أنفاسه وانخفض ضغطه!
إنه يموت!
يا ليتها كانت هنا فهي طبيبة ذكية جداً فيما يتعلق بأمراض القلب وأنا جراح عظام! أنا ميكانيكي أبدل المفاصل وألحم العظام ببعضها البعض!

 أو هكذا كان زملاؤه بالجراحة العامة يعيرونه!
إنه يموت الآن وأنا أفكر بها! هي لا تترك لي شيئا!
إن كانت هذه جلطة بالرجل انتقلت لرئته فهو ميت لا محالة! لكن ماذا لو كان هذا (تنشن نيمو)؟
(تنشن نيمو) يحدث عندما

يخرج الهواء خارج الرئة فيضغط عليها وتصغر لتصبح ككرة غولف! وقد يزيد الهواء فيضغط على القلب ويعصره ليموت الإنسان! 

انتبه فجأة ودب الأدرينالين في عروقه! نزع ملابس المريض فورا ووضع أذنه مباشرة على صدر المريض فلم يستمع لأي صوت للرئة بالجانب الأيمن! ثم ضرب على صدر المريض بأصابعه فارتفع صوت له صدى يشبه دقة الطبل!
إنه تنشن نيمو بالجهة اليمنى!
يجب أن يضع أنبوبا بالجهة اليمنى!

 لكن لا يوجد أي أنبوب او حتى سكين هنا!
المريض يموت

كان معه علاق حديدي للملابس أعطته إياه هي عندما نسي معطفه بغرفة الخفارة ذات مرة! ماذا يفعل به الآن هذا ليس وقت التفكير بها!
فجأة أتته فكرة مجنونة
فل العلاق وجعله حديدة طويلة كان حادا بنهايته! 

أعطاه الكابتن سكينا!

 لا شعوريا ودون تفكير غرز السكينة بصدر المريض كقاتل محترف ثم ادخل العلاق المستقيم داخل الصدر حتى سمع صوت خروج الهواء كبالون تم تفجيره!
شهق المريض وأخذ بالسعال بعد أن تحسن لونه! خلال خمسة 

دقائق رجعت أنفاسه ل١٧-٢٠ بالدقيقة وتحسن نبضه وضغطه! كل الطائرة أصبحت تهنؤه على ما أنجز!
تصفح وجوههم فلم يجد وجهها الجميل معهم!

 أنتم كلكم لا تعنون لي شيئا إن لم تأتوا بها معكم!
هي في كل أشيائي لم تبق لي شيئا!

15

يا ليتهم يعلمون

هو طويل القامة جميل الطلة به خشونة لا بد منها لتكتمل المرجلة، ليس من أولئك الذين يعشقون الحديث ولفت الأنظار، لكن عمله كجراح متدرب في مستشفيات الكويت وإخلاصه رماه بدائرة الضوء ليس بمنتصفها بل قريبا منها.
كان يستمع لإذاعة البي بي سي الإنجليزية صباحا وزجاج سيارته مليء بندى الصبح او أبخرة قهوته السوداء لا يعيش هو من دونها. سنوات دراسته بإيرلندا علمته حب القهوة (الغير أيرلندية) طبعا وصقلت لغته. أقسم أن لا يغترب مرة أخرى فقد أثرت الغربة الأولى على الكثير من علاقاته. جدته التي ربته بعد وفاة أمه بسرطان الثدي ببدايات الثلاثينات من عمرها أصبحت امه الثانية وربما الأولى، كم تغيرت علاقته معها لإنشغاله بالجراحة والدراسة، أصدقاؤه لم يعد يجد الحرارة ذاتها معهم فدوما ما يختلقون الأعذار ليبرروا انشغالهم عنه، رغم أنه ليس من النوع اللوام بالتعبير الخليجي الذي (يتشره). لذلك لم يشأ أن يتخصص بالجراحة بأمريكا وكندا ليحافظ على ما بقي له من حب رغم أنه كان الأول على دفعته بإيرلندا. ما الفائدة أن تعيش حياة طويلة مليئة بالنجاحات وصخب المصفقين الغرباء دون لمسة حانية دون قبلة ممن يفديك بروحه… دون حب خالص!
كما أن أحد معلميه الپروفيسور مكڤيرسون الجراح الإيرلندي الشهير نصحه قائلا أن التدريب الجراحي أفضل إن كان ببلدك فالأمراض تختلف من دولة لأخرى والإمكانيات كذلك، ما الفائدة أن تتخصص بأعقد العمليات ثم إن جاءك مريض يحتاجها تحوله للعلاج بالخارج؟!
ما الفائدة أن تشتهر بخبرتك في سرطان البنكرياس بأمريكا بينما لا توجد حالات كثيرة من هذا السرطان بالكويت؟!
بدر كان واضحا في رؤيته واختار التدريب في مستشفى به أفضل الجراحين الذين تدربوا في البورد الكويتي. التدريب معادلة يتفاعل فيها برنامج التدريب بالعمليات والمحاضرات مع المتدرب نفسه. ليس كل من تخرج من أوكسفورد طبيب بارع، بينما يوجد من تخرج من الكويت أو السعودية وهو أفضل بكثير من ٩٠٪ من خريجي أوكسفورد!
بدأ صباحه بالمرور على المرضى أحدهم جدته الأثيرة فقد أصابها سرطان بالمبيض أو القولون لا يعلم الأطباء من أين أتى لكن ذلك لا يهم، لأنه انتشر ببطنها كله وكبدها ويشتبه انتقاله لمنطقتين بالرئة! هذه أيام جدته (أمه الثانية) الأخيرة فالكل يعلم ذلك و أولهم هو، عندما ينظر في وجهها قبل ان يترك الغرفة يمعن النظر فيها طويلا حيث لا يدري ربما تكون تلك آخر نظرة لها على قيد الحياة. مريضه الآخر شاب بجناح الرجال أصابه سرطان معدة احتاج استئصاله وهو الآن بيومه الرابع بعد العملية لكن صفائح دمه منخفضة قليلا لذلك قد يحتاج كيسا او كيسين من الدم!
انتهى من مروره، قبل رأس جدته، سألته إن أفطر و على ماذا أفطر؟ رد عليها بابتسامة حزينة: كنت مستعجلا ومتحرقا لرؤيتك فلم أفطر إلا على القهوة! صبت الجدة جام غضبها على بنات هذه الأيام التي تنتمي زوجته العشرينية إليهم كيف لا يجهزون طعام الإفطار لأزواجهم؟! قبلها بدر مرة أخرى ذاهبا لعملية الصباح بعد أن وجد بعض الأعذار لزوجته.
هذا الحب الغير مشروط من أين يأتي؟ أن يحبك أحد لأنك أنت أنت في كل حالاتك الجميلة والسيئة هذا حب إلهي ألقاه الله في قلب الأمهات والآباء حتى نعرف الله ونعرف مقدار حبه لنا
العملية كانت تحويلا لمسار القناة المرارية التي تربط الكبد بالإثنى عشر بسبب جرح سابق أصاب المريض خلال عملية لإستئصال المرارة قبل سنتين، كان يقوم بالعملية مع الإستشارية التي حصلت على زمالة الكبد والبنكرياس من أمريكا. هذه الإستشارية على مشارف الأربعين، فاتنة جداً لا شيء يفوقها فتنة سوى حركة يديها وهي تجري عمليات جراحية معقدة كما أنها راقية ومهذبة جداً وكأنها خرجت من صالونات النمسا منتصف القرن التاسع عشر! إلا أن البشر لا يرحمون أحدا أبدا فقد سمع قبل يومين إشاعة أنها تستدعيه لغرفة العمليات ليس لشطارته بل لجاذبيته. تمنى بدر كثيرا أن لا يصل ذلك لزوجته فهي حساسة وكثيرا ما تشتكي من عمله المضني الذي يجعله بعيدا عنها دوما وعلاوة على ذلك يجعله على مقربة من الجنس الآخر من ممرضات وطبيبات حسناوات
وغير حسناوات.
هو ترك هذه الميادين لأهلها منذ زمن بعد أن تيقن أن هذه الرغبات لا فائدة منها إطلاقا فنهاياتها دائماً خاسرة كئيبة حاسرة!
كجراح يقوم بعملية جميلة وأداء مبهر لمريض يموت بنهاية العملية ما الذي استفاد الجراح بجمال حركاته غير سمعة سيئة أنه قاتل للمرضى!

كالواقف على سكة قطار سيأتي القطار عاجلا أم آجلا ليصدمه، هكذا هو الحب خارج الزواج!
بدأت العملية فقام بنزع الإثناعشر من مكانه برقة ثم بدأ بتنظيف الأنسجة ليجد القناة المرارية، هذه منطقة خطرة فخلف القناة المرارية يجلس الوريد البواب الذي لا يرحم إن جرحته ولو خطأ! وكذلك بجانبها شريان الكبد. أفلح بإيجاد القناة بعد حركة بزاوية حادة اخترق فيها بإحساسه فقط المساحة بينها وبين الوريد البواب، ثم فصل الإمعاء الدقيقة وجلبها ليوصلها بالقناة المرارية فوق منطقة انسدادها. أبهر بعمله هذا الإستشارية فأثنت عليه، حتى بأمريكا عندما كانت بمستواه لم تكن لتقوم بهذه العملية بالبراعة التي قام بها بدر!
انتهى من العملية متجها للجناح فهناك مريضة تشتكي، كلما حاول شرح الوضع لها و إجابتها قطعت كلماته قائلة (أنتوا دكاترة الكويت ماتعرفون شي، مادري كادر على شنو، دزوني بره)!
ما الحل مع مريض إن غابت الثقة؟! لم يعلمونا ذلك بكلية الطب! أعمل أنا ليل نهار ليس من أجل المال كما يظن البعض أو السمعة! هذا صديقي يوسف لا شهادة لديه لكنه لم يقض سبع سنوات في الطب ولذلك أصبح رجل أعمال ناجح جداً!
‏يوسف هذا يمزح مع بدر أحيانا قائلا: شرايك أشغلك معلم شاورما بأحد مطاعمي وأعطيك دبل معاشك! العرض بدأ يغري بدر أثناء سماعه لشكوى هذه المريضة! معاش دبل من دون خفارة ومن دون ناس ما تقدر أشرف وسأستطيع تحمل شماتة يوسف وربع الديوانية!
‏‫معاش دبل من دون خفارة ومن دون ناس ما تقدر أشرف وسأستطيع تحمل شماتة يوسف وربع الديوانية! يدور ذلك في ذهن بدر وأخ المريضة يؤيدها بما تقول!
نعم الوقت الذي يسرقه الطب منك كثير جداً لو استثمرتها بغيره لأصبحت ذا مال وفير! عباس صديقه الآخر تخرج من العلوم السياسية وهو يعد نفسه لإنتخابات مجلس الأمة فقد سنح الوقت الوفير المتاح له بأن يكون على علاقة جيدة وعديدة مع مختلف شرائح الناس. من يدخل الطب للمال والجاه والسمعة قد اختار طريقا خاطئا حتما! نظر للمريضة واعتذر رغم عدم وجود أي خطأ واتجه لإكمال مروره!
الليلة هو مسؤول المناوبة الليلية وذلك نظام غريب بالكويت يختلف عن المناوبة العادية! فالطبيب الكويتي يكون مناوبا كل رابع يوم لمدة ٢٤ ساعة لكن كل يوم بعد انتهاء العمل بالثانية ظهرا يصبح أحد أعضاء الفريق مسؤولا عن المرضى حتى اليوم الذي يليه رغم انتهاء
عمله. كل هذه الساعات الإضافية من دون أجر أي تطوع بحت!
كان يتألم بطريقه إلى المنزل على جدته وظروف العمل والمريضة (اللي ما خلت فيه طيب) وتذكر ابن عمه (عزوز) الذي جلس معه ليأخذ مشورته بالدخول لكلية الطب، سأله بدر: لماذا ترغب أن تصبح طبيبا! قال عبدالعزيز: ( تبي الصج حلمي ألبس هذا لبسكم الأزرق شتسمونه سكربز)! أراد بدر حينها أن يرميه ب (مطارة الشاي)!
دخل بدر منزله بالثالثة والنصف عصرا، ابنه كان جائعا وزوجته فتناولوا الغداء في الواحدة ظهرا. نظر لطعامه فلم يشتهيه فمنذ أن دخلت جدته (أمه) المستشفى وهو هكذا. استلقى على فراشه ثم صحى في السابعة على مداعبة ابنه كان مشتاقا له كثيرا! شرب قهوة المساء وإذا بالهاتف يرن وممرضة الجناح ناهد على الطرف الآخر منه من هاتفها النقال! زوجته نظرت إليه بشزر! ناهد تطلب منه ان يأتي للجناح فورا فمرض جدته بازدياد وأنفاسها تتسارع! نأتي إلى الدنيا بجزع بأنفاس تسابق الريح وقلب قلق ثم نقع بغرام ما جزعنا منه فلا نرغب بالفراق!
وصل للجناح عمته، أبيه وكل أعمامه كانوا هناك، فحص جدته فاستنتج أنها تحتضر، تماسك لكنه لم يستطع مغالبة دمعه الذي تسلل إلى محجريه فأصبح وجه جدته الشاحب من الموت كبلور ساطع!
سألته جدته خائفة ما الذي يجري؟ صوتها كان متقطعا جداً فأنفاسها لم تترك للصوت مساحة أبدا! قبض على يديها وشرع يقرأ سورة ياسين المفضلة لديها كانت جدته تعطيه دينارا كاملا ان قرأ لها نصف سورة يس عندما كان طفلا فحفظها مع أحكام التجويد! هذه السورة الوحيدة التي تحتوي كل أحكام التجويد!
أتت الممرضة للغرفة واستدعته! نظر إليها بغضب! قالت له إنه مريض غرفة ١٠! ماذا به؟! ردت الممرضة:( أعطيناه كيس دم وما إن بدأنا بضخ الدم قل الأكسجين بدمه وتسارعت أنفاسه وارتفعت حرارته كما بدأ يحس بالإختناق)!
هذه أعراض حساسية قاتلة ربما لديه مضادات دم نادرة أنتجها للتو! قد يموت هذا الشاب الذي كان من المفترض ان يكون مع أبنائه بمنزله غداً! قطع سورة يس بآية ( يا ليت قومي يعلمون، بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين) متجها لغرفة ١٠ وهو يلتهم جدته (أمه) بعينيه! مرة أخرى استحال وجهها كبلور ساطع عندما اغرورقت عيناه بالدمع! هل هذه آخر نظراتي لكِ؟ تمسكي حتى رجوعي؟
بالفعل كان المريض يتنفس بصعوبة! أخته وزوجته كانوا هناك! بدأوا بالشكوى! ( كيف تعطونه دما خاطئا) ؟! أراد ان يشرح لهم أنهم لم يعطوه دما خاطئا لكن مثل هذه الحساسية قد تحدث بأي وقت! لم يكن لديه متسع من الوقت بدأ يعالجه وهم يتذمرون فوق رأسه!
اتصل بوحدة الباطنية و الإنعاش فتنفس هذا المريض قد يقف في أي لحظة! أعطاه جرعة عالية من الكورتيزون والبينادريل والإپينيفرين ووضع قناع الأكسجين على وجهه! استمر بمراقبة الوضع وجهز عدة التنفس الصناعي تأكد من سلامة الأجهزة، يجب أن يظل معه حتى يتأكد ان تنفسه لن يقف بسبب ضيق الشعب الهوائية. طيلة ذلك الوقت كان نساء المريض يلومونه: كيف تعطونه دما خاطئا! تسمون أنفسكم أطباء! وهو صامت يقوم بعمله بكل مهارة ودقة وإتقان، يقوم بعمله بعقله هنا وقلبه مع جدته (أمه)، سيعود ليودعها ويترك بعضا من قلبه معها! الوداع هو استيداع جزء من قلبك مع من تعشق لذلك تحن أنت و يحن قلبك أكثر إلى اللقيا من جديد!
يستمر بمعالجة المريض وقلبه مع جدته (أمه) كانت مطمئنة معه فهو الحبيب والطبيب بآن واحد! أبناؤها قد يعطونها بعض الحب الآن لكنها لن تطمئن كما لو كان هو معها.
بدأت حالة مريض غرفة ١٠ بالتحسن مع وصول طبيب الإنعاش والباطنية، استغرق كل ذلك نصف ساعة. ترك الغرفة متجها لجدته! وإذا بصوت بكاء يعلو، رأى وجه أبيه مكفكفا دمعه.
رحلت جدته دون أن يكون معها بلحظاتها الأخيرة!
هناك متسع في الحياة لكل شيء إلا للوداع وهناك عذر لكل شيء إلا أن تغيب عن حبيبك حين الوداع!
رمى نفسه عليها مقبلا رأسها ووجنتيها معفرا رأسه بجيدها لازال دافئا كما كان يذكر عند طفولته! شريط الذكريات يمر و حسرة شديدة على كل لحظة غاب فيها عن اهله بسبب تخصص الجراحة اللعين لكنه استذكر آخر ما قاله لجدته؛
(يا ليت قومي يعلمون، بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين)

ليس كل الأطباء كما تتصورون!

19

عرش يتهاوى

أجمل مافي الجراحة مقارنة بتخصصات الطب الأخرى استخدامك ليدك تبدأ بتعلمها كطفل يبدأ المشي يمتليء قلبه خوفا ومغامرة وتحد!

خلال تدريبي الجراحي بمونتريال عملت بمستشفى فرنسي بمدينة جولييت وتبعد ساعة عن مونتريال لمدة ٦ أشهر!

اخترت المستشفى لكثرة العمليات فيه ولكي أمارس اللغة الفرنسية! لغة جميلة تشابه برومانسية شعرائها رومانسية شعراء المشرق! وكفى مثالا بفكتور هوغو!

بأول خفارة بجوليت رن البيجر الساعة الرابعة فجرا نزلت للحوادث وإذا بإمرأة وطفلها الأشقر ذي الثمانية أعوام يئن ألما

فحصت بطنه وإذا بي المس انتفاخا كبيرا تحت جرح عملية الزائدة الدودية التي عملها قبل أسبوع! قلت للأم طفلك به خراج ويحتاج لسحبه!

شرحت لها الوضع بفرنسية تعادل انجليزية عبد الحسين عبدالرضا ببايباي لندن! والممرضات يقاومون الضحك ربما!

قبضت على الإبرة نظرت باتجاه الضوء و حقنتها حتى اخرج بضع ملمترات الهواء منها فتناثرت قطرات المخدر بالهواء! مشهد شهير جداً!

خدرت جلد الطفل ثم فتحت الجرح وإذا بسائل أصفر مائل للأخضر كثيف لزج ذو رائحة كريهة يخرج بوفرة! ثلاثة علب بيبسي من الخراج!

ارتاح الطفل جداً! كيف يمكن أن تخرج البشاعة هذه من مخلوق جميل كهذا! ما يميز الأشياء القبيحة أنها لا تحترم أحدا لذلك كرهناها! قفلت راجعا للنوم لساعة أو بعضها، تخلل ذلك دقات للمخلوق اللعين البيجر أحد اختراعات هذا العصر التي تجعلك آلة يتحكم بها آخرون!

كان مطعمي المفضل بجوليت مطعم فرنسي جميل اسمه لاپن كي توس أي الأرنب الذي عطس! جميلة التسمية ماذا لو أسمينا الأرنب الجائع الأرنب الذي جاع:) اسم رومانسي أكثر، يجعلك تتخيل الأرنب من أين جاء ولماذا جاع وتتخيل ماذا فعل بعد جوعه! اسم يجعلك تحلم هكذا هي الأشياء الرومانسية هي أشياء تبعث فينا الحلم!

أحد المساءات دخلت الأرنب الذي عطس ودفعت دولارا لساعة لموقف السيارة رجعت وإذا بمخالفة زهيدة قدرها ١٢ دولار! لكنني دفعت الموقف فلماذا خالفوني إذا؟!

قررت أن لا أدفعها مع أنني بمونتريال ادفع شهريا ٥٠دولارا على الأقل قيمة مخالفة المواقف! مرة دفعت بيوم واحد ١٠٠ دولار قيمة مخالفتين لأنني استمعت لنصائح صديقي العزيز بدر البدر!

قال لي بدر لدي حيلة ممتازة لتفادي المخالفات، أي قول أنا اسمع؟

قال إذا خالفوك ضع المخالفة على النافذة سيرق قلبهم لك ويحسبون أنهم خالفوك للتو فلا يخالفونك مرة أخرى!

وضعت المخالفة الصباحية على النافذة بأحد الأيام استماعا لمشورة بدر! فخالفوني مرة أخرى بالمساء!
شكرا بدر

المهم نعود لقصتنا: لم ادفع مخالفة جولييت شهر سبتمبر ونحن الآن بشهر مارس والشتاء يلفظ أنفاسه بمونتريال! أنا بآخر خفارة لي كمتدرب جراحة!

شعور جميل مرت ٥ سنوات عملت فيها اكثر من ١٥٠٠ عملية جراحية! غداً سأصبح جراحا لن أكون متدربا بعد اليوم! لن أكون تحت سيطرة الإستشاري مرة أخرى! سأتحكم بعملي أنا! مع أننا بسنتنا النهائية بمكجيل نُعامل كالإستشاري الكل يحترم رأيك ولك فريق تقوده من ٦ متدربين و٤ طلبة!

اتصلوا علي من العناية المركزة مريضة عجوز بها آلام عظيمة بالبطن والأشعة المقطعية تبين سماكة بالقولون! فحصت بطنها فكانت عضلاتها اللا إرادية تدفع يدي بعيدا!

هذه علامة خطيرة عندما تدفعك عضلات الإنسان اللا إرادية! شيء فظيع يحدث داخل هذا البطن! كم هو رحيم الرب الذي يخلق لنا ما يحرسنا لا إراديا!

كان حمض اللاكتيك بدمها مرتفعا وذلك يعني أن خلايا الجسم بسبب نقص الأكسجين لديها قررت التحول لجلب الطاقة من دون الأكسجين لذلك ارتفع اللاكتيت! علامة خطيرة أخرى

اتصلت على دكتور ستاين الإستشاري قلت له يجب أخذ هذه المريضة فورا وإزالة قولونها بالكامل! أظن أن بها التهاب السي ديف!

السي ديف باكتريا تنمو بالقولون وتفرز سما يقتله! لا تنمو إلا عندما تموت البكتيريا الإعتيادية التي تعيش طبيعيا بالقولون! المضادات الحيوية تقتل البكتيريا الطبيعة بالقولون فتسبب السي ديف!

الأشرار يستغلون غياب الأخيار دوما في كل مكان لينفثوا سمومهم! حتى بداخل أقبح الأماكن بجسم الإنسان!

جسم الإنسان عالم مهول! يتنافس فيه الخير والشر به دوما بعقله وعلى ثرى خلاياه! أنت أعظم من كل الأفلاك والمجرات! ثق بذلك!

كان ستاين معلمي الأول منذ يومي الجراحي الأول وكانت بيننا علاقة مميزة تدرب هو بالقولون بليهي كلينيك من اشهر مستشفيات أمريكا!

قال لي ستاين هي مريضة جداً حاول إزالة القولون سريعا! عملية إزالة القولون كاملا تأخذ ساعتين إلى ٤ ساعات عادة! وقال لي سأتركك لوحدك منذ بداية العملية لساعة مع جون متدرب جراحة بسنته الأولى فإذا لم تنتهي سأشارك بالعملية وأحسبك لن تُنهِيَها!

بدأت العملية بسائل وفير خرج من بطن المريضة بعد أن غاصت فيها السكين! ثم ظهر القولون محمرا غاضبا وكأنه ساحة لمعركة تستخدم بها النار!

بإصبعي اخترقت الشحم الذي يفصل أوعية القولون عن القولون نفسه وصحت بالممرضة (دباسة خضراء) فصلت بها الأمعاء الدقيقة عن بداية القولون! لو لم يكن القولون سميكا بسبب السي ديف لإستخدمت دباسة زرقاء! هناك أيضاً دباسة بيضاء أستخدمها للإمعاء الدقيقة أو للأوعية الدموية.

ثم استخدمت الليغاشور لحرق أوعية القولون الدموية! أُغلق فكيه و أضغطه فتسيح الدهون كزيت الطبخ تغلي وترى الشريان يتجمد من الحرارة!

كانت رقصة إزالة قولون لم تكن عملية! هذا مبدأ جراحي، العملية الجيدة يجب أن تكون كالرقصات اقتصاد بالحركة و التحرك بهدف لا حركة عشوائية واحدة إطلاقا! إستذكرت كل ما تعلمته بخمس سنوات: كيف تتمايل مع عقدة الخيط وتنزل معها حتى تصبح واحدا أنت ويدك والعقدة والأوردة التي تحاول عقدها لإيقاف النزيف! كيف تقطع الأنسجة بمكانها الفاصل الصحيح، يجب أن تقطع في مليمتر واحد بين الشحم الممتليء دما وأوعية وشرايين لا تغفر إن جرحتها وبين الإثنا عشر، إن ملت عن هذا المليمتر سيصبح الوضع معقدا جداً ستجرح الأوعية أو الإثنا عشر ولن تشاهد شيئا! ستغوص في ضباب أحمر تصعب الرؤية خلاله. ثم فصلت القولون عن الطحال والمعدة، مرة أخرى إن لم تنتبه وأصبت الطحال سينزف نزفا غزيرا ولن تشاهد شيئا! فصلت بعدها القولون عن حالب الكلية الذي بالكاد تشاهده وإن قطعته فتلك مصيبة إذ أن إصلاحه سيطيل العملية كثيرا!

خمس وأربعون دقيقة انتهيت فيها من إزالة القولون كاملا وإغلاق البطن! أين كنت أنا وكيف أصبحت؟ أتذكر أول مرة قبضت فيها على السكين كيف ارتعشت يداي كفتاة تقبض على باب يفتح غرفة بداخلها خطيبها! أول مرة شاهدت فيها الدماء بأول يوم جراحة فلم أعرف ما أفعل غير النظر إلى الإستشاري كطفل يبحث عن أمه بعدما سقط أرضا وهو يحاول المشي. الآن أصبحت جراحا شعور بالإعجاب بالنفس وما أخطر ذلك وما أقبحه! لكنني إنسان كائن لا يعرف السيطرة على مشاعره عندما تستعر. ليت أمي تنظرني هنا الآن وهي التي أجرت عملية لسرطان الثدي عانت من إحدى أقبح مضاعفاتها إنتفاخ اليد جراء قطع أوعيتها اللمفاوية. أماه أزلت قولونا كاملا بأقل من ساعة وتلك عملية أصعب بكثير من عمليتك! لو كنت أجريتها لك أماه لما انتفخت يدك ربما؟! ليتني كنت طبيبك يا خالتي المرحومة لكنت أعطيتك العلاج الكيماوي الذي حرموك منه جهلا لربما كنت معنا الآن؟ يقول الفيلسوف الروماني إبيكتيتوس سر السعادة أن تعرف ما تستطيع التحكم به وما لا تستطيع التحكم به! الأقدار التي أخذتكِ خالتي لم أستطع التحكم بها! لذلك لن أجزع!

كانت تلك الليلة مباراة قبل النهائي بدوري الهوكي بين مونتريال وبوسطن. كانت مونتريال كلها واقفة على قدم واحدة بإنتظار الفوز. الهوكي بكندا كالسياسة بالكويت كالعريفي بالسعودية كحسناء تنظر إليك تبتسم ثم تنظر وإذا بها ترقب من وراءك وأنت كالأبله. ونحن نغلق البطن وإذا بخبر صاعق! قام شارا لاعب بوسطن بضرب باتريتي لاعب مونتريال ضربة خطيرة ويعتقد إصابته بالعمود الفقري. من حسن حظ باتريتي أنه سقط مغميا عليه بملعب مونتريال، لم يسقط بالأڤنيوز أو بصالة التزلج بالكويت لأصبح قطعة ثلج ميتة إن وصل إلينا بعد خمس وأربعين دقيقة. كذلك من حسن حظه أن مولدر الجراح الشهير الرئيس السابق لجمعية جراحي الحوادث الأمريكية هو طبيب فريق هوكي مونتريال، لاحظ أن طبيبهم ليس مدلكا! مولدر هذا كآخيل بالحروب الإغريقية أسطورة تتحرك يده كعازف غيتار كعاشق يداعب وجنة حبيبه عندما يلمس أعضاء الجسم أثناء الجراحة! هو يعزف الجراحة لا يقوم بها! متواضع جداً فرغم أنه ناهز السبعين هو أكثر جراح سمعته يقول (لا أعلم)، إذا كان مولدر موجودا فالوضع بخير!

أتى مولدر ولاعب الهوكي الشهير باتريتي إلى المستشفى واستقبلتهما شرح لي مولدر الخطة وقمت بتنفيذها! أشعة مقطعية للعمود الفقري والصدر والمخ!

الحمد لله كانت الفحوصات سليمة بشكل عام إلا أنه لن يلعب مرة أخرى هذا الموسم!

شيء مميز أن تعتني بلاعب شهير لكنك يجب أن تضع بعين الإعتبار أن الله ينظر لجميع خلقه بالعين ذاتها! البنغالي الذي يعمل قهوة الصباح يجب أن تعتني به كما تعتني بملك! الميزان عند الله لا مَيَلان فيه! يقول أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ربيب رسول الله خير البشر من قام لغني لوجاهته فقد ثلثي دينه! كم نفقد من ديننا كأطباء حين نعتني بالغني بإهتمام أكثر من الفقير؟ ليتنا نفعل ما نقول لأصبحنا نمشي على الماء ونطير في الهواء!

سهرت طيلة الليلة ولم أنم وكان اليوم الذي سيأتي بعد الخفارة مزدحما فلن ارجع البيت إلا بالواحدة ظهرا بعد العيادة ثم يجب أن أعزم فريقي على العشاء لأنه يومي الأخير ثم بالخامسة فجرا من اليوم الذي يليه اتجه لميامي لإلقاء محاضرة عن سرطان البنكرياس في أشهر مؤتمر لجراحة الكبد والبنكرياس!

عند الساعة السابعة صباحا أتى الفريق و أتى توم وهو بسنته الرابعة! قلت لتوم سأذهب للبيت لأستحم وأكشخ! فاليوم آخر عيادة لي مع دكتور فرد! وهو جراح مشهور للغاية رئيس أكبر جمعية جراحية وهي جمعية جراحي المنظار ولولا دعمه وثقته لما دخلت زمالة كليفلاند كلينيك التي يتنافس المئات من الأمريكان على مقاعدها!

وأنا انزل السلم وإذا بالبيجر يرن من الإنعاش! مريضة أخرى بها إسهال كثير! فحصتها وشخصت الحالة على أنها سي ديف! طلبت بعض فحوصات الدم وأشعة مقطعية، النتائج ستكون جاهزة عندما أعود وعندها سأقرر أن احتاجت لعملية!

وأنا بالسيارة متجها للمنزل بكل سعادة رن هاتفي، طبيب الإنعاش على الخط الآخر يقول لي أن اللاكتيت مرتفع و الدم لا يتجلط لهذه المريضة!

الدم به روح الإنسان فكلاهما يتجمد عند الموت! الدم من شدة خوفه إذا شارف على الموت يسيل جداً ولا يتجمد! هذه المريضة تشارف على الموت تحتاج عملية فورا!

اتصلت على العمليات وحجزت الغرفة! وعدت ادراجي إلى المستشفى فإذا بسيارة شرطة تتبعني!

كنت أريد الالتفاف إلى اليسار منعتني سيارة الشرطة وأوقفني! اللفة القادمة ستزيد طريقة العودة ثلث ساعة! أشعل أضواء سيارته وأوقفني ذلك الشرطي!
قلت له لقد أطلت طريقي بإيقافك لي هنا، لدي حالة مهمة مريضة تموت لا أستطيع التأخر! و وددت أن أقول له أنني طبيب باتريتي ربما كان سيجعلني اذهب و شأني، لكنني لم أفعل حفاظا على سر المريض.

جعلني انتظر لأربعين دقيقة

نظرت خلفي وإذا ٣ سيارات شرطة!

أتى الشرطي مرة أخرى

نظر الي بتهكم

قال لي أنت ممنوع من القيادة بحكم من محكمة جولييت لأنك لم تدفع ١٢ دولار غرامة لذلك سنسحب سيارتك!

نظرت خلفي وإذا بشاحنة ضخمة لقلص السيارات!

سيسحبون سيارتي لشهر

أعطاني غرامة تفوق ال٢٠٠٠ دولار!

قلت له حسنا كل ذلك لا يهم، لكنك أضعت فرصة لإنقاذ حياة!

نزلت من سيارتي

درجة الحرارة -١٠ بالطريق العام، لم أكن ألبس إلا لباس العمليات السكرب ومعطفا لبرد الخريف تجمدت من البرد!

نظرت للشرطي قبل أن يرحل قائلا له: فقط تصور لو كانت تلك المريضة والدتك!

كان ذلك آخر درس لي بتدريب الجراحة: مهما كنت مهما علا شأنك مهما أعجبت بنفسك سيأتي من هو لا شيء ربما ويلقيك من عرشك الخيالي دون سابق إنذار فتواضع مهما كنت وكيفما كنت وأينما كنت! أمي كانت تحدثني أن رئيس دولة كان ماسح أحذية قبل رئاسته وكان دائماً يقول أنا ماسح أحذية أنا خادم وأنا الآن أخدمكم! الأرض لا تدور إلا حول الشمس الأرض لا تدور حول ذواتنا ففي أي لحظة قد تتحطم عوالمنا المزيفة الواهنة!

20121229-193039.jpg