6

نعطي من قلب

ما يميز الأحلام أنك تنتظرها بفارغ الصبر، لكن الصبر على الحلم يختلف في أنه صبر لا ملل فيه بل كلما طالت مدة الإنتظار كلما زادت الحاجة بل زاد الشوق لهذا الحلم لأن الإنتظار يغذي الشوق دائماً! فلا يقطع الإنتظار شيءٌ سوى الموت ربما.

ولا يوجد حلم بشري يفوق حلم المريض بفشل عضو في عضو جديد يعيد له الحياة. إن أقرب شيء لإعادة الحياة هو زرع الأعضاء وتستطيع رؤيتها واضحة جداً في المصابين بفشل الكبد الذي يجعل الإنسان يعيش في غيبوبة وعدم قدرة على التنفس بسبب تجمع السوائل بالبطن وهبوط بالسكر نتيجة فشل الكبد في التحكم في سكر الجسم و نزيف بالدم بسبب عدم قدرة الكبد على إنتاج المواد التي تؤدي لتجلط الدم.

كل موتٍ سيء..لكن لا يوجد موت أسوأ من الموت بفشل الكبد أو الكلية أو الأعضاء، خصوصا حين تعلم وأنت جراح زراعة أعضاء أن ذلك الموت كان من السهولة تلافيه لو تبرع الناس بأعضائهم.

ذات يومٍ اتصلوا بنا عندما كنت أقوم بزمالة زراعة الأعضاء في مونتريال بكندا للقيام بعملية جلب أعضاء من متبرع متوفى. الصدمة عندما سمعت اسمه فقد كان طبيب قلب يعمل معنا في ذات المستشفى!

كان شابا لم يتجاوز الثلاثين من عمره وكانت زوجته ولدت قبل وفاته ببضعة أشهر طفلتهم الوحيدة، لكن الوقت لم يسعفه فتوفي و هو طبيب القلب بفشل القلب، فأبى إلا أن يتبرع بأعضائه السليمة؛ الكبد والكليتين والقرنية والرئتين. قمنا بأنفسنا بعملية جلب أعضائه وهي عملية معقدة! إن جلب الأعضاء ليست عملية فوضوية فأقل جرح قد يتلف العضو، وإننا في تلك العملية نمارس أقصى المهارات الجراحية ونعامل المريض المتبرع المتوفى أفضل معاملة ممكنة كما لو نعامل مريضا حيا! كان جو العمليات حزينا جداً! وحين تكون حزينا جداً حينها تحاول الهروب من الحزن في التفكير بشيء جميل وذلك معنى أن مع العسر يسرا فحلاوة هذه الدنيا مرتبطة بمرارتها ومرارتها مرتبطة بحلاوتها! ولا شيء أجمل من التفكير بمن ستنقذه أعضاء زميلنا هذا!

أحد من أنقذهم زميلنا ذلك اليوم كان طفلا لم يبلغ الثامنة على وشك الموت من فشل الكبد! هل هناك أجمل في أن تهدي عشرات السنين من عمرك لتحيي طفلا؟! وعمرك هذا قد مضى! أنت حين تهدي هذه الحياة تكون ميتا فعلا!

ما أروع أن ترى بأم عينيك ذلك: ميتا يهدي الحياة! ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا!

1

الجراح الذي أجرى العملية لنفسه بنفسه!

الجراحة بيئة قاسية لذلك فإنها تصبغ من فيها غالبا ببعض الصرامة المهمة جداً في مثل هذا التخصص لأنه يتعامل مع قرارات تحتاج التدخل السريع وقرارات قد تؤدي إلى الموت بدقائق! الجراحة أقرب تخصص طبي للعسكرية ربما! وقد يكون قناع الصرامة هذا مصدر انطباع الكثيرين عن غرور بعض الجراحين الذي هو ليس غرورا بقدر ما هو قناع يخفي المشاعر الداخلية!
الجراح ليونيد روغوزوڤ كان جراحا شابا في القطب الجنوبي مع فريق بحثي في الإتحاد السوڤييتي السابق بقاعدة نوڤولازاريڤسكايا! كان يبلغ من العمر سبعة وعشرين عاما فقط! وفي أحد ليالي الخريف العاصفة بدأ يحس بألم خفيف وسط بطنه! فشرب شرابا حارا ونام عل الألم يختفي في اليوم الذي بعده!
لكن وطأة الألم ازدادت واتجه الى الجزء السفلي الأيمن من بطنه وصاحب هذا الألم حرارة واستفراغ! شخص الجراح روزوغوڤ مرضه أنه التهاب الزائدة الدودية! المصيبة أنه الطبيب الوحيد في هذا الفريق! وإذا ظلت الزائدة هذه من دون علاج فإنها ستنفجر مطلقة كمية من البراز في البطن مؤدية لتسممه!
في تلك الليلة كتب روزوغوڤ بمذكراته:
(عاصفة ثلجية شديدة بالأجواء وكأنها تعصف بداخل روحي! ليست هناك أعراض على أن زائدتي انفجرت حتى الآن! لكنني يجب أن أجد حلا لمشكلتي هذه وإلا كان الموت مصيري… هناك حلان إما أن أستسلم وإما أن أجري العملية بنفسي لنفسي! ادري أن هذا محال! لكن لا وسيلة للنجاة سوى بذلك!)
في اليوم التالي ازدادت حالته سوءا… فأخذ يفكر بإجراء العملية لنفسه! لكنه ان فشل بإجرائها فقد يموت! كيف إذا فتح بطنه ثم لم يستطع إكمالها؟
حزم أمره بإجراء العملية!
بدأ العملية في العاشرة ليلا فجعل السائق يقبض بمرآة تعكس بطنه بينما ينظر هو بالمرآة ويجري العملية! عاونه بشد بطنه ثلاثة علماء بالمناخ وليس أطباء!
لم يستطع تخدير نفسه إلا قليلا ثم قطع جلده بالسكين وغاص قاطعا لعضلات البطن ثم أدخل إصبعه في بطنه باحثا عن الزائدة الدودية بالإحساس فقط! أحس بتعب شديد فأخرج يده وارتاح لبضعة دقائق!
كان الخوف والقلق والموت يملأون الأجواء!
أدخل إصبعه مرة أخرى وبحث حتى وجد الزائدة فقطعها! ثم خيط الجرح واستسلم للنوم!

شفي روزوغوڤ بعد يومين من المرض الشديد والتقط الصورة هذه مع البطريق أسبوعا بعد العملية التي أجراها لنفسه!

وكتب عن عمليته:
( لم أسمح لنفسي أثناء العملية بالتفكير في أي شيء آخر سوى إتمام المهمة! كنت مضطرا أن أسرق نفسي وأسرق وجودي لأضعه فقط في هذه العملية)

أما أنا فأقول أننا في الحياة دوما نمر بمثل هذه التجارب حين نضطر أن نستخرج الشر من نفوسنا! كم هي مهمة مستحيلة حين تجري جراحة نفسك بنفسك! أفلح من استطاع إخراج الشر من نفسه وفاز بالنجاة والخلود! فاسرق نفسك من نفسك يا صديقي تنجو!

2

إنما الموت موت الذكر في قلب من تحب

كيف يحب هذا الشجر؟
كيف يعشق وكيف يفقد من يحب ثم يتحمل كل هذه الذكرى فيظل واقفا؟
كيف يا ترى يقف الشجر رغم كل هذا الألم؟

و ما هو الموت؟
هل هو غياب من نحب تحت الثرى؟
أم هو غياب ذكرى من نحب في الذاكرين؟

أعني ما الفرق بين من يكون حاضرا بجسده أمامك لكن عقله بعيد عنك وبين من يكون حاضرا بجسده وعقله من دون أن يلتفت عقلك أنت إليه وبين من يغيب عنك لكن عقلك لا يزال متعلقا به؟

ما هو الحضور و ما هو الغياب؟

أولئك الذين غيبهم التراب لكنهم لا زالوا حديث مجالسنا هل هم ميتون حقا؟
أليس الذكر كافيا كدليل على الحياة؟
إننا لا نذكر إلا من كان يملؤ حياتنا بالحياة… فكيف نُميتُهُم وهم كانوا مصدر فرحنا و حزننا؟
كيف يموتون وهم لهم في كل حرفٍ ذكرى
و كيف نُميتهم و أصداء ضحكاتهم لا زالت تملؤ الأرجاء؟

عملت في كليفلاند كلينيك لسنة كاملة مع الدكتور فيليب شاور الجراح الأشهر ربما في أمريكا قبل عودتي النهائية هذا الشهر للكويت وبعد أربعة عشرة سنة قضيتها متنقلا بين بريطانيا وكندا.
كان يوم الأربعاء هذا الحادي عشر من ديسمبر موعد وصوله للكويت لإلقاء محاضرات في مؤتمر السمنة الخليجي الأول، فاستقبلته في المطار احتراما له كمعلم وأستاذ ورغم تعب رحلة سفره إلا أنني عرضت عليه العشاء ومن شدة نشاطه الذي لا يمكن هزيمته بالتعب وافق على هذه الدعوة!
وبينما كنا نتجاذب أطراف الحديث في السيارة سألني إن كان هو حدثني عن طالب كويتي عاش في منزلهم في الستينات من القرن السابق… فأجبته بأنني لا أذكر ذلك!
رد فيليب شاور قائلا: مستحيل… كيف لم أحدثك عنه؟!!!
كنت أنا في التاسعة من عمري واستضفنا كويتيا في ريعان شبابه قدم لدراسة اللغة قبل التحاقه بجامعة كولورادو لدراسة الهندسة! كان إنسانا عجيبا! كانت أمنا تحبه كواحد منا وكنا نحبه كأخ لنا!
لا أستطيع وصف التميز في هذا الرجل المذهل ورغم أنني أنا فيليب كنت في التاسعة من عمري لكنني كنت معجباً به جداً وكذلك كل عائلتي!
هذه المرة الخامسة التي أزور فيها الكويت ربما وفي كل مرة أسأل عنه فلا يجيبني أحد! اسمه جعفر أسيري!

قلت له… إن كان مميزا بهذا الشكل وكان من أوائل الكويتيين الدارسين للهندسة بأمريكا فلا بد أن يكون مشهورا جداً الآن… أحتمل أنه ليس على قيد الحياة وإلا كنت عرفته!
وضعت صورة الدكتور شاور والدكتور موسى خورشيد الذي التحق معنا للعشاء في انستاغرام وذكرت أن الدكتور شاور يرغب بلقاء جعفر أسيري… بطل طفولته!

و إذا بالصدمة تأتي!

جعفر أسيري حاز على شهادة الماجستير والدكتوراه بأمريكا ثم عمل كأستاذ في كلية الهندسة قبل أن يصبح عميدا لكلية الهندسة في جامعة الكويت وهو بالثلاثينات من عمره! كما أنه كان مميزا ومحبوبا جداً!

ثم إنه تزوج من الأستاذة سوسن المراغي عام ١٩٨٤ وأنجب منها طفلتين… فرح وفجر… ثم التحق بجامعة العين كأستاذ زائر لكنه وفي أثناء عودته بالسيارة إلى الإمارات شهرين فقط بعد تحرير الكويت، توفاه الله بحادث أليم وبالشهر ذاته الذي شهد ولادة طفلتيه… شهر نيسان!

أصيب الدكتور شاور بالحزن حين علم بذلك وأصر على اللقاء بعائلته الصغيرة الرائعة رغم أنه مسافر اليوم عصرا!
كان اللقاء جميلا ومليئا بالحديث عن الذكريات التي لم يكن أحبابه على علم بتفاصيلها!

هل لك أن تتخيل أن يأتي أحدهم نيفا وعشرين سنةً بعد وفاة من تحب… يأتي عبر البحار من عالم آخر… وآخر عهده بحبيبك خمسين سنة ليخبرك كم كان ذلك الذي تحب رائعا؟!
أنا لا أستطيع تخيل ذلك!

والأعجب أن ذلك الكويتي الذي كان بالثامنة عشرة من عمره أصبح شخصا ناجحا جدا وعميدا لأهم الكليات في الثلاثينيات من عمره وذلك الأمريكي الذي لم يتجاوز التاسعة أصبح أشهر جراح أمريكي والرجل الثاني في أشهر مستشفيات أمريكا… كليڤلاند كلينيك!

لا شك أن ذكر الأحباب حياةٌ لهم
ولا شك أن الموت ليس موت الجسد
إنما الموت موت الذكر في قلب من نحب، لذا كان الحب حياةً لا تستطيع قتلها السنين مهما طالت!
فلا تنسى من تحب… يا صديقي
لا تنسى ذلك الذي كان يملؤ حياتكَ بالحياة!

20131213-155542.jpg

3

الطبيب الكلب و الأعشاب (قصة حقيقية)

هذه الدنيا واضحة جداً لكنها من فَرْطِ وُضوحِها أَعْمَتِ الأَبْصارَ فَغَدا كُلُّ شَيءٍ سِراً ولُغزاً يَحْتاجُ إلى شَرْحْ!

كنت في آخر شهر لي في كلية الطب في اسكتلندا وتحديدا في جامعة أبردين أقدم كلية طب بالعالم الإنجليزي حيث تأسست في عام ١٤٩٥! وكانت مناوبتي في قسم الباطنية! اتخذت قراري قبل سنة أن أُصبِحَ جراّحاً رغم أنني كنت معجبا بتخصص باطنية الأعصاب وأمراض الدم وكنت كذلك معجبا بتخصص الطب النفسي. الجراحة سريعة النتائج كما أنك تواجه المشكلة بيديك، إن للجراحة لذة خوض المعارك ولذة الخوف الممزوج بالشجاعة وإن بها حزنا شديدا حين تفشل في مسعاكَ بيَدَيْكَ لإنتشالِ مريضِكَ من أعماقِ الموت! إن في تخصص الجراحةِ أعمَقُ المشاعِرِ الإنسانية و أكثَرُها تَضاداً!

ارتفع رنين جهاز المناداة (الپيجر) و إذا قسم جراحة الحوادث على الطرف الآخر منه!

نحتاجُ مُساعَدَتَكُم.

لدينا إمرأة في الثلاثينات من عمرها.

عَضَّها كَلْبُها!

وبينما نحن ننظف جرحها وإذا بها لا تُحِسُّ بِرِجْلَيْها ثم ارتفع هذا الإحساس لكل جسدها وهي الآن تَقريباً مَشلولة!

تطَلَّعنا في وجوه أحدنا الآخر والحيرة بأشد حالاتها تبدو لدرجة الغثيان! حتى رئيس الفريق الإستشاري المتخصص كان مذهولا! فما بالك بطالب مثلي!

في غرفة حوادث الجراحة رأينا تِلْكَ التي عَضَّها كلبها! ألا ينبغي للكلب أن يكون وفيا؟! هناكَ أَمَلٌ عند البَشَرِ أن الحب والخير والوفاءَ لا زالوا موجودينَ فِعلاً فإن غابت هذه الأوصافُ عَن بني البَشَرِ سَتَجِدُها بالحيَوان!
رُبَّما خَلَقَ الله الحيوانَ حتى لا نفقِدَ الأَمَلَ بِوُجودِ الخَيْر! حتى حينَ يتفق كل البشر على الشر ستجد حيوانا يفعل الخير! كَمَا فَعَلَ غُرابُ قابيل!
لا تَيْأَسْ مِن وُجودِ الحب والخير والجمال!

لكن الكَلْبَ هذا خالَفَ كل هذا! لم يَعُضَّها فَقَطْ! بل ربما كانت أسنانه تحتوي على بَكتيريا خاصة تسبب الشلل! هناك بكتيريا الكلوستريديوم قد تسبب مثل هذا الشلل وهي بكتيريا تنمو بالمعلبات التالفة أحيانا! بدأنا علاجَها بمختلف المضادات الحيوية!

هي الآن تجد صعوبة بالتنفس! لقد شلت عضلات أضلاعها التي تُساعِدُ على التنفس! لذلك انتقلنا بها الى الإنعاش ووضعنا أنبوبة التنفس في فمها فأصبحت تتنفس صناعيا!

قبل ذلك وعندما سألناها عن تاريخها الطبي وجدنا أنها خالية من الأمراض تماماً! هي بكامل صحتها! وحين سألناها عن الأدوية التي تأكل فإنها أنكرت أخذها لأي دواء فهي بحد زعمها تكره بلع الأدوية!
بإختصار هي إمرأة ثلاثينية بكامل صحتها تعيش وحيدة مع كلبها (الغير وفي)!

بدأت فحوصات دمها تبدأ بالظهور وكان أخطرها ملح الپوتاسيوم! كان منخفضا جداً (اثنان فقط)! رباه ذلك قد يؤدي لشلل كل الجسم وشلل عضلات القلب وتوقفها! ذلك قد يؤدي إلى الموت! ما الذي يجري هُنا؟!
سألنا الجراح عن حقن التخدير التي استخدمها لتنظيف الجرح؟! ربما حقن كمية كبيرة بالوريد دون أن يدري! لكن جوابه كان مطمئناً! لقد حقن كمية صغيرة جداً ولم تكن بالوريد؟! ثم ما علاقة ذلك بنقص الپوتاسيوم الشديد؟!

قمنا بضخ كميات كبيرة من الپوتاسيوم بأوردتها! وعندما أعدنا الفحص كل ساعة كان الپوتاسيوم لا يزال منخفضا جداً!

فحوصات الباكتيريا في الدم كانت سالبة! لا توجد باكتيريا بالدم!

قمنا بفحص البول! فوجدنا أن البول كان ممتلأً بالپوتاسيوم! ذلك يعني أن الكلية لا تقوم بعملها الصحيح في الحفاظ على الپوتاسيوم! إنها تفقد كل ما نضخه عبر أوردتها!

لكن كل ذلك لا يمكن أن يحدث عند انسانٍ بكامل صحته؟!

قَد نفقدها في أي وقت إن توقف قلبها! إنها مسألة وقت! ليسَ أَكثَرْ!

في صباح اليوم التالي سألناها مرة أخرى كل الأسئلة التي سألناها في اليوم الأول! وحين سألناها عن الأدوية أنكرت بيدها مرة أخرى! فمن الصعب التحدث مع أنبوبة في فَمِكْ.

لكن الإستشاري لم يقتنع، فكرر سؤاله عن أي نوع من الأدوية عن أي شيء غير الغذاء العادي الذي يأكله الإنسان يوميا! فتغيرت نظرَتُها وبدا عليها التفكير! ثم انتبهت وطلبت ورقة و قلما! لقد تحسن الپوتاسيوم لديها فعادت قدرتها على الحركة!

كتبت اسم عشبة تأخذها لتقوية المفاصل والحفاظ على نضارة الجلد!

أخذنا اسم هذه العشبة وبحثنا عنها بحثا طبيا مضنيا بالإنترنت!

كل الأشياء بالإنترنت تدل على فائدتها لكن كل هذه المواقع لم تكن مواقع طبية معتبرة ولا توجد أبحاث على كل ذلك!

بينغو! كلمة انجليزية تُستَخدَمُ فحينَ تفوزُ بنوع خاص من المقامرة!

وجدنا ثلاثة أبحاثٍ مٌعتَبَرة من الصعب إيجادها ببحث عادي على الإنترنت!

تُبَين هذه الأبحاث أن ثلاثة أشخاص بالعالم أصيبوا بخرير الكلية وفقدان الپوتاسيوم بسبب هذه الأعشاب!

تحسنت كليتها واستطاعت أن تعود لصحتها ولمنزلها وكلبها بعد يومين من العلاج!

السؤالُ المهم هنا: ما علاقة عضة الكلب بكل ذلك؟!

الجواب: لو لم يعضها كلبها لما اتجهت إلى المستشفى و لَأُصيبَتْ بالشلل في منزلها وتوفيت بسبب عدم القدرة على التنفس ووقوف القلب! لقد أحس الكلب أنها بخطر مُحدِقْ فَلَم يَجِدْ غَيْرَ العض وسيلةً لِجَعْلِها تَلْجَأُ للطبيب!

لا تأخذ أعشابا لا أبحاثَ عليها إلا إن كانَ كَلْبُكَ ساحِراً أو طبيبا!

ملاحظة: القصة حقيقية جداً ولم أزد عليها أي حرف بل ربما أنْقَصَت حروفي منها إثارَتَها!

13

غياب

في كل فرح تتمثل أمامي! أذكرك وسط زحام الناس ووجوه المهنئين! تغيب تلك الوجوه فأتمثل وجهك في كل شيء! وبكل حزن تظهر حين أحاول مغالبة دمعي دائما أقول لنفسي لا تحزني ما دام حبه في هذا القلب فقد حق على هذا القلب ألا يذوق الحَزَن!

هي الحياة هكذا لا تمضي إلا بالحب ولا يحكمها إلا الحب! كان أناكسوغوراس وهو أحد الفلاسفة ما قبل سقراط يؤمن أن ما يحكم الكون هو الحب وأن الكائنات والأفلاك تتشكل بالحب فإن كرهت الذرات شيئا لا تتحد معه وإن أحبته اتحدت!

كنت أقرأ في بعض هذه الكتب الفلسفية في المقهى القريب من مكان عملي فمنذ وحدتي هذه وأنا لا أتسلى سوى بمثل هذه الأشياء التي تجعلني أسرح بعيدا عما أرى حولي! يقولونَ الواقِعُ هو ما نرى! لا أعتقد ذلك فالواقع هو ما لا نرى!

الواقِعُ أن بك آلاف آلاف الخلايا وهي أساسك! لكنني لا أرى ذلك! الواقع أنك تفكر الآن في جمالٍ غاب عنك أو شيء تمنيت فعله لكنك تبدو معي بهذا المقهى وكأنك تتتبَّعُ ما أقول!

الإنسانُ يعشق الخيالَ والحُلُمَ في كل لحظاته نائما أو وسط يقظته! لذلك يموتُ الإنسانُ عند قتلِ حُلُمِه!

قطعت سيل أفكاري تلك رنين هاتفي وإذا بالطبيب المناوب من غرفة الحوادث يخبرني عن وصول مريض استأصلت منه سرطانا بالمريء قبل أسبوعين! استلزم ذلك استئصال كل معدته كذلك ثم توصيل ما بقي من المريء بإمعائه! كانت عملية صعبة نتيجة التلصقات في تلك المنطقة من عملية سابقة! هذه الوصلة بين المريء والإمعاء لا تلتئم أحيانا بسهولة!

ضغطه منخفض وكريات الدم البيضاء عنده مرتفعة دقات قلبه متسارعة!

قلت له أن يتصل بغرفة الإنعاش مباشرة ويبدأ بعض المضادات الحيوية بالوريد ويعطيه الكثير من السوائل وحين تتحسن حالته يجري أشعة مقطعية! ظني أن هناك تسريبا من هذه الوصلة أدى لإلتهاب شديد!

أغلقت صفحات كتابي لأتجه للمستشفى منزلي الثاني وربما الأول!

وطن فؤادك ما استطعت من الهوى ما الحب إلا للحبيب الأول
كم منزل في الأرض يألفه الفتى وحنينه أبدا لأول منزل!

على أعتاب باب المستشفى يرن هاتفي مرة أخرى

مريضك هذا بخطر شديد! إننا بالكاد نستطيع قياس ضغطه! إتجهوا به مباشرة لغرفة العمليات! أراكم هناك!

استبدلت ملابسي بسرعة وارتديت ملابس الجراحة! ثم اتجهت لغرفة العمليات

في تلك الغرفة كان المشهد وكأنه أحد مشاهد حرب عالمية

عشرون طبيبا وممرضا ربما! هذا يضع السوائل وآخر يقرأ البيانات على أكياس الدم وتلك تحضر عدة العمليات وهذا يجر سرير الحوادث! لم يلفت نظري سوى رجل المريض التي اصطبغت بدوائر غامقة اللون! إنه ميت!

هذه الدوائر لم أرها إلا على من مات! إنها تعني أن الدم لا يصل لهذه الرجل! وجهه كان شاحبا جداً كما الأموات! تذكرته حين أخبرته بتشخيصه! فرجاني تأخير العملية حتى عرس ابنته بعد ثلاثة أشهر! قلت له ذلك قد يعني موتك!

أجرينا عمليته دون تأخير وذلك يعني أن عرسها بعد شهرين! يجب أن يعيش حتى يقبض على يدها ليسلمها لعريسها!

صرخت بهم أن يحملوه مباشرة على طاولة العمليات!

اللحظات هنا تساوي الحياة!

لم أتعقم فلا وقت هنا لدينا ليضيع!

سكبت محلول التعقيم على بطنه كما يسكب البقال الماء على مدخل محله عند صباح صيفي مشمس!

ثم قبضت على السكين واخترقت بطنه كاملا بضربة واحدة!

فتدفق الدم الغزير من كل جوانب البطن لينزل على رجلي من أسفل الركب!

من أين أتى كل هذا الدم!

رائحة كريهة تنبعث من البطن!

وضعت الفوط الجراحية في زوايا البطن الأربعة

ثم طلبت من طبيب التخدير إعطاءه كل ما لديه من أكياس الدم

حين انتزعت الفوط كان الدم يسيل بغزارة من الجهة العلوية اليسرى

إنه الطحال ربما مصدر كل هذه الدماء!

قبضت بيدي اليسرى على الطحال بعدما انتزعت ما يلصقه بالجسم بيدي

ثم قطعته مع جزء من ذيل البنكرياس الذي يتوحد معه!

ربطت أوعية الطحال ولا زال الدم يجري غزيرا

هنا وجدت فتحة التسريب من وصلة المريء

ثم اكتشفت أن شريان الطحال كله قد تآكلَ من التسريب وأن الدماء تسيل غزيرة من كل نقطة فيه

صوت أزيز أجهزة التخدير لا يبشر بخير! يبدو أن لا ضغط يُقرَأُ لهذا المريض!

مسكت الإبرة وقمت بخياطة الشريانِ كله رغم صعوبة رؤيته من كثرة الدماء!

هنا وقف الدم!

بدأ الضغط يتحسن! تركت البطن مفتوحا ولم أغلقه! فذلك الإغلاق سيستغرق وقتا ثمينا من الأفضل قضاؤه في غرفة الإنعاش مع أكياس الدم والسوائل والمضادات الحيوية!

تركت ثلاثة أنابيب قرب التسريب حتى أتحكم بالإلتهاب ريثما أستطيع إصلاحه بعملية أخرى حين تستقر حالة المريض! ثم وضعت أنبوبا بأنفه يصل الى وصلة المريء ليمتص الإفرازات حتى لا تنتشر بالبطن!

تركت الغرفة بعدما شد على يدي الأطباء رفاقي! وحين أتاني المريض بعد شهرين للعيادة أتى ومعه بطاقة الدعوة لي لعرس ابنته! راجيا مني أن أسحب أنبوب البطن الأخير حتى لا يظهر خلال لباس العرس الذي سيلبس!

حين ترك غرفة العيادة اغرورقت عيناي بالدمع!

كانت حبيبتي تشتكي من فقدان وزنها فكنت أهون عليها ذلك في الوقت الضئيل الذي كنت أراها فيه في المنزل! وحين اشتكت من صعوبة بلع الطعام دق بقلبي ناقوس الخطر! فغضبت من أنها لم تخبرني بذلك قبلًا!

منذ زواجنا وأنت تهون من كل مرض أشتكي منه أو عرض! فلماذا تغضب الآن؟!

كان منظار معدتها وكأنه مسروق من كتاب! نمو كبير بالمريء وانسداد كامل! ثم كانت الصاعقة انتقال المرض الى الكبد! لم تستمر معاناتها طويلا!

شيء جميل أن تكون زارع حديقة الورد لدى جارك الذي تحب! لكن الأجمل أن تعتني بورودكَ أولا قبل كل شيء! الوحدة هذه لا يقتلها سوى دفات هذه الكتب لتأخذني بعيدا! وكأني أفتش عن عالم آخر يبعدني عن العالم الذي أعيشه الآن!

يقول الفيلسوف بارتيز في كتابه عن الحب

(المعلم كان يغطس رأس تلميذه ببِركَةِ المياه حتى تبدأ فقاعات الهواء بالإختفاء تدريجيا حتى تغيب نهائيا! ثم حينها فقط يرفع رأس التلميذ من الماء قائلا له:
عندما تشتاق للحكمة كما تشتاق الآن للهواء
عندها فقط ستوهَبُ الحكمة)

غياب من نعشق هو غطسٌ لرؤوسنا في المياه

الشوق هو غطس لرؤوسنا بالمياه

وحين نختنق من الغياب حينها نوهب الحب ونعرف قيمة من غاب…. من نحب

13

لإبنتي ذات العام الواحد

هكذا كنت تعبا مرهقا كما كومة من أوراق الخريف تراها كثيرة لكنها هشة تحملها بعيدا أي نسمة هواء تهب في أي وقت وفي أي اتجاه!
دق البيجر اللعين في الثانية فجرا وعلى الطرف الآخر منه ممرضة غرفة العمليات تخبرني أن الكلية
وصلت! نعم وصل حلم إنسان كان متعلقا به لسنوات طوال ينتظر اتصالا… خبرا يعلن أن تعاسته
وبؤسه سينتهيان!

أحلام الإنسان قد تكون أي شيء وما قد يكون بؤسا لدى شخص قد يكون حلما لآخر… كابوس المتبرع المتوفى كان الموت وحلم المرضى الأحياء بالكبد والبنكرياس والكلى هو بوجود متبرع متوفى!

الأحلام هي أجمل ما في هذه الحياة الدنيا فمن دونها لا تبقى للحياة بهجة ومعنى وذلك لعله أكبر دليل
على قبح هذه الدنيا أن أجمل ما فيها هي الأحلام والوهم!

هذه الكلية حين نزرعها ستقلب حياة إنسان رأسا على عقب! بعدما كان يعذب أسبوعيا ما لا يقل عن الثلاث مرات يترك فيها شؤون حياته كلها ليجلس على جهاز غسيل الكلية الذي يبدل دمه لساعات طوال فما ان ينتهي من جلسته حتى يحس وكأن السماء قد وقعت على رأسه بسبب تبدل نسبة السوائل بالجسم!

اتصلت علي الممرضة إذا وأنا بمنتصف أحلام نومي لتحدثني عن وصول حلم عظيم لغرفة العمليات!

لم أكد أنام لساعة واحدة فقط حين صحوت متجها للإستحمام والشعور بالإرهاق يأخذ مني كل مأخذ حتى كأنني لست بكامل وعيي وقواي! وفي تلك الحالة تزورك عشرات الأفكار المتدافعة مستغلة ضعفك وتأخذك إلى عالمها! وقد تمر عليك ذكريات لم تزرها منذ زمن! خرجت من المنزل ودرجة الحرارة ربما خمسة وعشرين تحت الصفر!

انطلقت بسيارتي لأقرب مقهى بالجزيرة التي كنت أسكن فيها وتسمى جزيرة الراهبات بالفرنسية ال دي ساغ! وهي جزء من مدينة مونتريال لكنها جزء هاديء وجميل جداً فنصفها غابة ونهر سان لوران يحوطها من كل جانب! أخذت قهوتي من على شباك الخدمة وأبخرتها مع أبخرة أنفاسي تتقاتل في المسافة بيني وبين البائع الذي سلمني إياها!

حينما رشفت أول شرفة منها انحنيت مغلقا عيني وكأنني أقبلها! شيء من الحب اللاشعوري لهذه القهوة التي بلاها لم أكن لأستطع الوصول للمستشفى واستلام الأحلام!

في غرفة العمليات كانت الممرضة جاهزة مع الأدوات التي سأستخدمها في تنظيف الكلية

تعقمت وطلبت من الممرضة أن تفتح الصندوق الذي بداخله العلبة التي تحتوي الكلية ويحوط العلبة الثلج من كل مكان حتى نحافظ عليها في عملية النقل من المتوفى المتبرع للحي المريض!

فتحت العلبة وجعلت الكلية تنزلق بالوعاء الذي وضعته على طاولة التحضير

كانت الكلية مغلفة بالكامل بطبقة سميكة من الشحوم فلم تكن تراها

عند تنظيفها نتعرف على شريان الكلية ووريدها والحالب وأي حركة خاطئة تجرح هذه الأنابيب سيؤدي الى تلف الكلية! قمت بذلك بحذر وبعد مدة استطعت تنظيف كل الشحوم وربط بعض الأوردة الغير مهمة ثم وضعت الكلية في جهاز يضخها بسوائل تجعل عملها في جسد المريض الذي سيستقبلها سهلا وسريعا!

كانت خطتي وضعها لساعة بهذا الجهاز

تركت غرفة العمليات لأصلي الفجر بغرفتي بالمستشفى وأراجع حالات بعض المرضى بالجناح وخلال ذلك الوقت أدخلنا المريض الحي الى غرفة عمليات ثانية حتى يتسنى لفريق التخدير تحضير المريض.

في الخامسة والنصف فجرا بدأت العملية بالسكين تقطع قطعا كشكل حرف الراء في الجهة اليمنى السفلية لبطن المريض!
ثم وصلت للمكان الذي سأضع الكلية فيه، وشرحت الأوعية الدموية للمريض الحي التي سأوصل إليها وريد وشريان كلية المتوفى
بدأنا بتوصيل الوريد ثم وصلنا الشريان ثم بدأ عمل الكلية حيث انقلب لونها من الأزرق الى الأحمر الغامق وبعد ذلك وصلت الحالب الى مثانة المريض الحي!

أغلقنا البطن في الساعة السابعة والنصف من صباح يوم الإثنين

لم تكن لدي سوى نصف ساعة لأجول فيها على باقي المرضى بالجناح حيث لدينا عملية استئصال لسرطان البنكرياس ستبدأ بالثامنة صباحا!

استطعت فيها كذلك أن أتسلل لغرفتي لأعمل نفسي بعض القهوة المفضلة من ماكنة النسبريسو التي أحتفظ فيها بغرفتي!
عملية البنكرياس هذه معقدة بدأت فيها بتشريح الإثناعشر والتعرف على الأوعية المهمة وقطع القناة المرارية ومن ثم قطع البنكرياس وآخر المعدة ثم قطع ما تبقى من البنكرياس من شريان الإمعاء الرئيسي والوريد البواب ثم توصيل ذيل البنكرياس بالإمعاء وتوصيل القناة المرارية والمعدة بقطعة أخرى من الإمعاء! بالساعة الثانية عشرة ظهرا دق البيجر مرة أخرى!

اتصلت على الرقم الظاهر بالبيجر وإذا به مركز الأعضاء يخبرني أن هناك متبرع توفي دماغيا للتو بمدينة شيكوتيمي التي تبعد ساعتين والنصف بالطائرة عن مونتريال!

علي الطيران اليها لإجراء عملية جلب الأعضاء

هذه المدينة تعتبر تقريبا جزءا من القطب الشمالي والجو بها قارس البرودة جداً

فقر النوم بي وصل مداه لكن لا بد من القيام بالعملية بأسرع وقت

حضرت الأدوات التي أحتاجها للعملية واستدعيت اثنان من الأطباء المتدربين للتوجه معي لسيارة الشرطة التي ستقلنا للمطار
الطريق الذي نقطعه في خمسة وأربعين دقيقة للمطار قطعناه بعشرة دقائق حيث أشعلت سيارة الشرطة أضواءها وأعلنت ضوضاء صفاراتها

وصلت المطار الخاص وإذا بالطيار لم يكن مستعدا! اتصلت عليه للإسراع بالمجيء! لكنه تأخر علينا لساعة ولم تقلع إلا بالرابعة عصرا

الطائرة صغيرة جداً ليس بها سوى أربعة مقاعد وهي ليست نفاثة بل ذات مراوح

وما زاد الطين بلة أنني كنت أتضور جوعا ولم يقم الطيار بواجبه في إحضار طعام لنا

في هذه الطائرة لم أستطع النوم حيث كانت تتقلب ذات اليمين وذات الشمال وكأنها لعبة في مهب الريح حيث كانت هناك بوادر عاصفة ثلجية استقبلتنا ما ان هبطنا لشيكوتيمي بالسابعة مساء

استقبلتنا سيارة الشرطة بشيكوتيمي لتأخذنا للمستشفى حيث المتبرع المتوفى

اتجهت لغرفة الإنعاش لأفحص المتبرع المتوفى لأتأكد من موته دماغيا

كانت في العقد الثالث من عمرها وعلى بطنها ورأسها آثار كدمات الحادث الذي أودى بحياتها
ولو لم تكن طبيبا لخيل لك أنها حية ترزق

فضفيرة شعرها وصبغ أظافرها يعلنان لك أنها لم تكن تعلم أن الموت زائرها

سألتني إحدى الطالبات ذات مرة
هل أنت جراح أعضاء؟
قلت لها نعم
قالت هل قمت بعملية جلب أعضاء؟
قلت لها بزهو قبيح نعم
ربما ٦٠ مرة
قالت لي هل يبكي المتوفى دماغيا
قلت بنبرة الواثق طبعا لا وحتى ان رأيت بعض الدمع فذلك ربما بسبب اختلال السوائل
فعلا الحزن وجهها
فانتبهت أن هناك شيئا ما
فقلت لها لماذا تسألين هذا السؤال؟
قالت عندما كنت في السادسة عشرة توفيت أمي دماغيا وحين رأيتها وهي تتجه لغرفة العمليات ليقوم الجراحون باستئصال أعضائها انحدر الدمع من عينها حين قبلتها
أطرقت ببصري للأرض
ثم نظرت إليها قائلا: لا أشك أنها بكت لكنني لا أشك بوفاتها دماغيا! كل ما في الأمر أنها من فرط حبها لك استطاعت أن تبكي فراقك حتى وهي متوفاة!

نعم الميت قد يبكيك ويفقدك حتى في قبره

أول عملية جلب أعضاء شاركت فيها كانت عام ٢٠٠٦ مع الدكتور ديونيسيس ڤروهيديس اليوناني كان ديونيسيس عجيبا كان يعشق اليخوت وسيارته البورشه وكنا دوما نتحدث بشتى المواضيع أثناء العمليات! لكنني كنت مذهولا جداً ومتأثرا جداً في أول عملية أشارك فيها لجلب الأعضاء فالمتوفاة كانت بالسابعة عشرة من عمرها توفيت ليلة الكريستماس بضفيرتها المعقودة وصبغ أظافرها مستعدة ربما لعشاء الكريستماس مع عائلتها وهي المناسبة التي تعادل عندنا غذاء عيد الفطر!

لاحظ ديونيسيس ذلك علي فضحك عندما انتهت العملية وعلق قائلا محمد لا يصمت أبدا واليوم كانت المرة الأولى الذي أراه فيها صامتا هكذا! فرددت لا تقلق إنما كنت أحاول التركيز حتى احفظ خطوات العملية!

هكذا كان ردي حتى أظهر بعض الشدة والقوة أخفي فيها ما يجول بخاطري

عجبت لمن يرى الموت ولا يتعظ منه! وقد رأيته كثيرا ولم أتعظ منه أبدا! رحماك يا رب

المهم

اتجهت بالمتوفاة دماغيا لغرفة العمليات بشيكوتيمي وأثناء طريقي لها استوعبت أنني نسيت نظارتي المجهرية المهمة في مثل هذه العمليات حتى أرى الأوعية الدقيقة! كان ذلك سيصعب مهمتي قليلا!

بدأت العملية بالثامنة والنصف مساء بشق طويل يبدأ من العنق حتى الحوض! ثم استخدمت المنشار لقطع عظام الترقوة فاستقبلني قلبها وهو ينبض بقوة حتى يقفز ملامسا يدي

أزحت القولون والأمعاء من مكانهما فتراءى لي شريان البطن الرئيسي الذي ربطته قرب الحوض ثم ربطته مرة أخرى خلف المريء
ثم ادخلت أنبوبا به محلول حتى أنظف الأعضاء من الدم
ثم سكبت ثلاث لترات من الثلج بالبطن
ثم قطعت الوريد فوق الكبد

بدأ القلب أمام ناظري بالرقص بعنف
هذه الروح تفارق الجسد أمامي
هذا القلب يرقص معلنا قرب الرحيل
أحسبه يتكلم ويبث كل ما بخاطره من ذبذبات لمن يحب
وبعد البث بدأ يدق ببطء ثم وقف نهائيا عن النبض

استأصلت الكبد بصعوبة حيث كانت هناك الكثير من الدماء حوله من أثر الحادث

كما كان هناك شريان في مكان نادر خلف القناة المرارية فكان لزاما الحفاظ عليه

ثم استأصلت الكليتين والبنكرياس ووضعت كل عضو بعلبته ووضعت الثلج بالصندوق واتصلت على الطيار ليستعد متأكدا أنه اشترى لنا طعام العشاء!

هبطنا بمطار مونتريال بالثانية فجرا

وبدأنا عملية زرع الكبد بالرابعة فجرا ولم ننته إلا بالعاشرة من صباح الثلاثاء
ثم بدأنا زرع الكلية بالثانية عشرة ظهرا ولم ننته إلا بالرابعة عصرا
تركت غرفة العمليات وأنا خرجة بالتعبير الكويتي الفصيح

اتجهت للمنزل للإستحمام السريع فطائرتي المتجهة للكويت كانت في السابعة مساء

أتجه للكويت للمشاركة بالإنتخابات يوم الخميس الأول من فبراير والأهم من ذلك لأحضر ولادة زوجتي! كانت حاملا بابنتي التي كنت متشوقا جداً للقائها ربما أكثر من مولودي الصبي الأول! حيث لدي خمسة إخوان بلا أخوات فكنت مشتاقا لبضعة مني تكون أنثى!

لا توجد طائرات تتجه مباشرة من مونتريال الى الكويت فكان خط رحلتي
مونتريال- بروكسل بلجيكا – فرانكفورت ألمانيا – الكويت

جلست على مقعدي بالطائرة والنوم لم يطارح جفني منذ الثانية فجرا يوم الإثنين
ومن شدة تعبي وفرحي وشوقي لم أنم إلا متقطعا لنصف ساعة ربما

في مطار بلجيكا منعوني من الاتجاه لفرانكفورت حيث لم تكن لدي الڤيزا الأوربية ولذلك لا يمكنهم السماح لي بالسفر بين مدينتين أوربيتين والخط الوحيد المسموح لي هو بين بلجيكا وبين أحد دول الشرق الأوسط التي لا تطلب الڤيزا من كويتي!

حجزوني بمركز الإبعاد مع أثيوبية وابنها لبضع ساعات ثم أبعدوني على متن الطائرة القطرية الى قطر ومن ثم للكويت!

لم أصل للكويت إلا فجر الخميس تحديدا بالثالثة فجرا! والانتخابات البرلمانية تبدأ بالثامنة صباحا!

النوم شيء جميل أنا أحتاج للنوم الآن أكثر من احتياج أهل الكهف من صحوتهم من النوم!

لكن شوقي لابني وزوجتي أبقياني مستيقظا حتى بداية الإنتخاب فاتجهت للمدرسة معلقا باجة مرشحي البطل المفضل! ملتقيا بأصحاب دربي الذين فقدتهم مدة طويلة!

كانت النتائج غير سارة فقد فاز بالكاد مرشحنا وسقط الآخر!

عودتي كانت بعد عشرة أيام حيث كان لزاما علي العمل ببحث في مستشفى پتسبرغ الشهير مع جراح البنكرياس موزر الذي يرأس الآن جراحة البنكرياس في هارڤارد! فقد فزت بجائزة أفضل جراح متدرب في الأبحاث بجامعة مكجيل وهي عبارة عن دعم مالي للقيام ببحث في أي مكان خارج كندا! وقد كنت حضرت لهذا البحث بعد فوزي بالجائزة قبل سنة فكان لزاما علي أن أكون ببتسبرغ في الحادي عشر من فبراي

مرت الساعات وأنا أنتظر علامات ولادة زوجتي سارة العزيزة لكنها لم تأت

اتجهت للمطار متحسرا

أذكر أنني عندما كنت طفلا ومراهقا كنت أعجب من المدرس الغريب عن وطنه الذي تلد زوجته في مصر وسوريا وهو لا يزال على رأس عمله بالكويت!

وكنت أعجب كيف تخلف أبي أثناء دراسته بكاليفورنيا عن ولادة أخي جعفر بالكويت

كيف يمكن أن تكون قاسيا كذلك عزيزي الغريب فتتخلف عن استقبال بضعة من روحك

رباه لا يمكن أن أكون بهذه القسوة

وأنا الآن مضطرا أقوم بالشيء نفسه

كم من أشياء ومواقف أقسمت فيها بينك وبين نفسك أن لا تفعلها أو تعودها ثم أتت الدنيا بمشاغلها ومغرياتها لتجبرك على فعلها!

في بتسبرغ انهمكت بالبحث

وأثناء وجودي في السادسة عشرة من فبراير في مؤتمر مصغر لمناقشة حالات سرطان البنكرياس رن جرس هاتفي وإذا بوالدة زوجتي تخبرني أنها متجهة بزوجتي للولادة الى المستشفى

فحرت فيم أفعل ولم أجد ردة فعل سوى تصوير قاعة المؤتمر حتى أخبر ابنتي أنني كنت في شيء مهم حين ولادتها! لكنني لا أعلم ماذا سأرد عليها إن سألتني إن كان ما فعلته أهم من الحضور عندما تواجه أصعب يوم في حياتها عندما تستقبل الحياة الدنيا!

هذا ما سرقته مني الجراحة سرقت نومي وشبابي وسرقت حتى القرب من كل ما أحب! إلهي إن كنت أفنيت عمري في هذه المهنة فاجعلها تكون لهدف سام هدف أرفع من المال والزهو والعجب!

فتدبر فيما ستقبل عليه إن دخلت هذه المهنة! حذرني والد زوجتي الحبيب كثيرا من الدخول فيها حين كنت طالبا وهو أحد أول خمسة جراحين كويتيين والأول الذي يتخصص ببريطانيا وأول جراح كويتي في مجال زراعة الأعضاء لكنني لم أستمع له!

20130425-193418.jpg

8

الجراحة عيشٌ مع الموت

فهَلاّ كُنتَ من الذين ذَهَبَ الجمالُ بسمعهم وأبصارهم فما عادوا يستمعون لشيء إلا ما احتوى في ثناياه على كف حانية أو كلمة كإكسيرٍ يشفي كل مرض؟!

أو لعلَّكَ كنت في صغرك عاشقا لملاقاة الموت تواقا للنظر في عينيه راغبا أن تناغيه حتى إن تمت المعرفة بينكما طلبته للنزال ثم طعنته طعنة نجلاء بعدما كانت سكينه على عنقك لكنك بحركة سينمائية رميته بالهواء لتصرعه؟

هل أنت من أولئك؟ فإن لم تكن لا بأس عليك

هل كنت تتمنى أن تصنع فعلا عظيما فلا يدري عنه الناس فتخرج لمقهى بعدها تحتسي قهوتك وحيدا لا يشاركك فيها شيء سوى نسائم الهواء تهب باردة كبرودة قلبك حين كان الدم يتناثر حولك ويرتطم بوجنتيك وصفارات إنذار غرفة العمليات يصم أذنيك و صراخ طبيب التخدير أعطني الكيس العاشر من الدم ها أنا استبدلت كل دم هذا المريض ولا أستطيع قياس ضغطه !

فافعل شيئا يا أيها الجراح!
نعم … أنت هذا الجراح! أين كنت وأين أنت الآن؟! أنت الذي كنت آخر أقرانك قدرة على ربط حذائك طفلا! أصبحت تخيط أوعية دموية عوضا عن الحذاء حتى من دون أن تنظر!
أنت الذي كانت أمك تمنعك من مناولة الأشياء على مائدة الطعام لأنك كنت دوما تسقطها دون تحكم!
هل تذكر حين أسقطت العصير على طبق والدك؟
أنت الآن تتلاعب بأعضاء البطن كما يتلاعب عازف القيثارة بأوتارها!

أنت هذا الجراح تحاول إيقاف نزيف شاب لم يكمل بعد عامه العشرين وأمه وأخته ينتظران خبرا منك بفارغ الصبر وأنت تحاول عبثا إيقاف هذا النزيف! هل تتذكر القدر الكبير الذي كانت تطبخ به جدتك يوم الخميس؟ عندما كان عطلة بعد يوم الأربعاء؟ تخيله مملوءا بالحساء الذي تنتشر فيه قطع اللحم والخضروات والبطاطا ! تخيل أن هناك شيئا في قعر ذلك الجدر تغطيه طبقة سميكة وعليك الوصول لهذا الشيء و استئصاله؟!

هذا بطن مريضك مملوءا دما كالحساء والإمعاء تعلوه كقطع اللحم والنزيف خلف رأس البنكرياس وأنت لا ترى شيئا سوى وجه مساعدتك التي لا تعرف حتى كيف تمتص الدماء باستخدام جهاز الإمتصاص!؟ وتستذكر وجه أمه وأخته وهما يرجوانك إنقاذه ثم تتذكر أن أصدقاءك في رحلة حداق الليلة ولم تستطع الذهاب معهم لأنك خفارة! تُغلقُ عينيك لجزء من الثانية فتحس برغبة في نوم عميق فلم تنم منذ يومين حيث كانت خفارتك مرهقة جداً وتستذكر حنان وجه جدتك! فتلعن الساعة التي جعلتك فيها جراحا ثم تنتبه فستغفر ربك وتنشد منه العون فتزيح بإحساس يدك القولون من مكانه وتصل لموضع النزيف فتحسه بيدك ثم تصرخ أعطوني إبرة الم اتش پرولين رقم ٢ ثم تخيط النزيف دون أن تراه وتضع الفوط الجراحية وإذا بطبيب التخدير يصيح الضغط ١٠٠/٦٠ ! لقد أنقذت حياته!

ثم بعد شهر عندما حان موعد ذهابه الى منزله ليكمل حياته التي كانت ستقف وقوفا مفاجئا لولا تسخير الله لك له! ينظر إليك ويشكرك قائلا لن أنسى أنك أنقذت حياتي مغرورقةً عيناه بالدموع! وتبكي أمه داعية لك لطعام الغذاء يوما في بيتهم فترد عليهما وكأن شيئا لم يكن وكأنه شيء لا يهم:
لم أقم إلا بواجبي!
وجهك وأنت تتفوه بذلك آليٌّ جدا بصرامته وتقاطيعه القاسية!

فما إن يرحلا حتى تتهاوى أقنعتك… تذرف بعض الدموع تجففها بكُم معطفك الأبيض وتستغل شعورك هذا فتدعو الله أن يعطيك بعض الحياة في قلبك ليعود كما كان!

نعود لقهوتك ونسائم الهواء تداعبك وحيدا! وبرودتها تذكرك ببرودة قلبك في ذلك اليوم عندما أنقذت حياة ذلك الشاب ! فتتذكر ذلك ولا تشعر بالزهو القبيح بل تسأل الله أن لا يكون عملك إلا لشيء أسمى! فما قيمة العمل إن كان لا لشيء إلا لإشباع رغبة في نفسك بالشعور بالعظمة والإعجاب لن يصبح حينها ذلك العمل عظيما بل سيتساوى وأي عمل تقوم به لقضاء حاجتك!
هل تعلم ما هو أشهر عمل سمي بقضاء الحاجة؟
نعم…. بالضبط…. أنت لم تتغرب وتفني حياة إنسان في تعلم الطب والجراحة حتى تقضيَ حاجة!

هل تريد أن تكون ممن ينقذ حياة إنسان ويرحل لمقهى فيجلس وحيدا متفكرا يستخلص الحكمة مما فعل؟ ولن تستخلص الحكمة إلا بعد أن تفعل عظيما في أعين الناس ثم تستصغره في نفسك؟ عندها تصبح حكيما وذلك معنى الطبيب الحقيقي ألا ترى أن العرب
أسموا الطبيب بالحكيم؟

كنت تسمع عن أبي فراس الحمداني البطل الشهير الذي من فرط شجاعته ترك كل أماكن الصيد فلم يصطد إلا على الحدود مع الروم التي كانت دولة ابن عمه الحمدانية على صراع معهم فاحتوشوه من كل جانب ولم يهرب فقبضوا عليه وعندما عاد من سجنه تنكرت له حبيبته وأظهرت أنها لا تعرفه!
تسائلني من أنت وهي عليمة وهل بفتى مثلي على حاله نكر
فقلت لها كما شاءت وشاء لها الهوى قتيلكِ
قالت أيهم فهم كثر؟!

كانت غاضبة منه لأنه سمح لهم بأسره فغاب عنها!
هل سمعت عن هذا البطل العاشق؟
أتريد أن تذهب لتصطاد الموتَ كل صباح؟ وقد تظفر وقد تخسر؟
و إن خسرت لن تؤلف شعرا بل سيلومك الناس جهلا وسيقولون هذا الجراح الذي قتل فلانا! وأنت ما قتلته فقد قمت بعملك على أكمل وجه لكنها إحدى المضاعفات المعروفة بعد العملية التي قمت بها!
أنت صياد الموت كأبي فراس بل وأشرس فخسارتك أمضى وأفتك وأمر من خسارته!

لن تعيش شيئا من هذا الذي سبق ان اخترت مهنة طبية سوى الجراحة العامة وتفرعاتها!

فاختر عيشا كفارس مع ظلال الموت أو عيشا هنيئا في أي تخصص طبي آخر!

20130413-151605.jpg