7

لماذا اخترت تخصص الجراحة؟

يسألُني الكثير من طلبة الطب أو الذين تخرجوا حديثاً من الطب عن كيفية اختيار التخصص الأمثل ولا شيء أكثَرَ حيرةً في الطب من اختيار التخصص.. لا أستطيع أن أشرح لكم الليلة كيفية اختيار التخصص لكنني أستطيع أن أحدثكم عن كيفية اختياري لتخصص الجراحة..

هنا قد أخيب ظنكم بعض الشيء.. لم تكن في خططي أبدا أن أكون جراحا.. بل كنت أحب الباطنية منذ أول يوم دخلت فيه الطب.. ذلك أن الباطنية سهلة الفهم نوعا ما وأقرب لما يدرسه الطالب، فكل ما عليك فعله هو القراءة فإن لم تفهم، اقرأ أكثر حتى تفهم.. أما الجراحة فكانت غير مفهومة بالنسبة لي.. هناك فلسفة فيها قد تغيب على أذهاننا كطلبة.. كما أن ما تشاهده في بطن الإنسان الحقيقي يختلف كليا عما تقرأه في كتب التشريح أو تراه في أجساد الأموات التي نشرحها في مادة التشريح.. كرهت في الجراحة الوقوف لساعات طويلة من خلف أجساد الجراحين وهم يجرون العمليات.. كانت رجلي تؤلمني من كثرة الوقوف.. تكون خلفهم ولا ترى شيئا وبعد ثلاث ساعات حين يكتشفون شيئا مميزا يتذكرون وجودك فيستدعونك لتقترب لثوان معدودة حتى تشاهده.. لم أكن أحب غرفة العمليات حين كنت طالبا.. ولذلك تصيبني الدهشة حين أشاهد الطلبة الذين يحبون غرفة العمليات.. ثبتهم الله.

إذاً لماذا اخترت تخصص الجراحة؟ لعدة أسباب بعضها أسباب قد تكون صغيرة جدا وغير مهمة بنظر البعض لكنني أؤمن أن أهم شيء في هذه الحياة هي الأشياء الصغيرة التي قد لا يُقيمُ لها البعض وزناً.. أحدها أن أستاذتي في التشريح كانت روسية تتكلم بلكنة إنجليزية وكأنها إحدى ساحرات الملك آرثر (عمرها كان ٦٥ يمكن) وكان الغموض يملؤها فقالت لي ذات مرة أنني سأكون جراحا لأن يدي تتحرك كأيدي الجراحين.. أعتقد أنها لم تعني ما كانت تقول لكن (قصت علي) وبذرت في عقلي بذرة الجراحة.. ثم كان أكثر من أعجبت بهم في الكلية جراحا شهيرا كان رئيس كلية جراحي أدنبرة البروفسور يونغسون فكان مرشدي منذ اليوم الأول للكلية.. تراه فتكتشف من اللحظة الأولى أنه من صنف آخر من الأطباء.. هدوؤه وهيبته وحنانه مع مرضاه كانت شيئا لا مثيل له.. ونمت علاقتنا كتلميذ وأستاذ حتى كان هو من كتب لي رسالة الترشيح الجميلة التي جعلتني أدخل كمعيد في جامعة الكويت وكطبيب جراحة في جامعة مكجيل.. الدراسات في مجال تخصص الأطباء كلها تشير أن القدوة التي تتخذها في الكلية هي من سيؤثر التأثير الأكبر على تخصصك..

اكتشفت في آخر سنة لي في الكلية الجمال الهائل في هذا التخصص.. كمية الأدرينالين الرهيبة التي تضخها في عروقك خلال عمليات الحوادث الطارئة لا يساويها شيء في أي تخصص آخر حين تسمع صوت الدم من شدة نزفه، هل سمع أحَدٌ منكم صوت الدماء؟.. لا شيء يعادل حماسة تلك العمليات إلا أن تكون جنديا في معركة والرصاص ينهمر حولك من كل حدبٍ وصوب.. تخيل كيف كنت تنزل من قطار الموت في المدينة الترفيهية.. هل تتذكر كمية الأدرينالين في دمك حينها؟ تخيل معي ذات الشعور لكنك يجب أن تتحكم به وتعمل بكل دقة حتى تنقذ من أمامك.. شعور بالجليد والنار في آنٍ واحد.. وهناك فرصة لك أن تكون بطلا في أي وقت في هذا التخصص ففي أي لحظة قد يحدث شيء خارق للعادة ولا أحد سواك مسؤول عن ايقافه! تخصص الجراحة العامة بتفرعاته هو الوحيد الذي سيعطيك هذا الشعور لكثرة عمليات الطواريء فيه فهو التخصص المسؤول عن جراحات الحوادث والكوارث والحروب.. فإن كنت مغامرا.. محبا للتحديات فذلك التخصص الذي لن يخيب ظنك أبدا.. والجميل في الجراحة أنها تخصص رياضي.. تعتمد فيه على الممارسة.. لذلك من الصعب عليك فهمه كطالب للطب لكنك ما ان تمارسه ستكتشف جماله.. وسترى نفسك وهي تتطور بسرعة خيالية.. ستعود طفلا يتعلم المشي (الجراحة) ثم لا يتذكر كيف تعلمه سوى في لحظة يركض فيها ماراثونا قاسيا فيحمد الله الذي جعله يفعل ما فعل بعد أن كان طفلا لا يقوى حتى على المشي..

أما آخر الأسباب وأهمها أن والدتي وخالتي أصيبا بسرطان الثدي في ذات السنة.. حين كنت في سنتي الثالثة في الطب.. فكنت أريد معرفة الإجابات كلها عن ما يجري.. توفيت خالتي رحمها الله بعد انتقال السرطان الى كبدها.. هنا لم أكن أدري لماذا لا يستطيع الجراحون استئصال الكبد حين انتقال السرطان اليه.. فتخصصت بالجراحة والسرطان والكبد حتى أستطيع أن أجيب على أسئلتي حين كنت طالبا.. ولا شيء أجمل في هذه الحياة من العلم بعد جهل.. ولا شيء أجمل من سؤال أمي لي هل تستطيع اجراء ذات العملية التي أجروها لي.. فأجيبها ضاحكا (اسويها وعيني مغمضة).. والحمد لله على كل حال..

0

أول مولود من زراعة رحم

معجزة علمية حدثت للمرة الأولى قبل اسبوعين وتم الإعلان عنها اليوم في مجلة اللانست العلمية العريقة.

ولدت أول امرأة طفلا.. الخبر عادي حتى الآن.. لكن السر في رحم الإمرأة.. رحمها ليس رحمها بل رحم مزروع قبل سنتين من متبرعة حية عمرها ٦١ سنة..

الإمرأة ولدت من دون رحم لذلك لم تكن تستطع الحمل والولادة فقام الأطباء بعمل تلقيح صناعي وزراعة رحم لها ولأن مبايضها موجودة وتعمل فقامت مبايضها بتهيئة الرحم رغم أن عمر الرحم المزروع أكثر من ستين عاما.

و تم الحمل سنة بعد زرع الرحم وولدت طفلا طبيعيا لكن عشرة أسابيع قبل موعد الولادة المقرر وتمت الولادة بعملية قيصرية.

الطفل والأم الآن بالمنزل و رحمها لازال يعمل.. أشرف على هذا السبق الطبي فريق من جامعة غوتنبرغ بالسويد.

أنظر كيف يفعلون المستحيل لأجل إيجاد الحياة وانظر كيف نفعل نحن المستحيل في قتل الحياة..

المهم.. يبيله بعد ما نبلش برنامج زراعة الكبد بالكويت نزرع أرحام👍

6

دراسة الطب المخيفة

أصعب ما بدراسة الطب ليس الطب نفسه بل القلق المصاحب له.. فدائما ما تسأل نفسك هل سأنجح هذه السنة أم لا.. لم أكن أسأل نفسي ما إذا كنت سأتخرج أم لا.. فالتخرج حلم بعيد.. والسبع أو الست سنوات التي كنا سنقضيها في الكلية كانت تساوي ما يقارب أنصافَ أعمارنا حين دخلنا الكلية لذلك كنا نفكر سنةً بسنة!

وحين بدأت دراستي للطب في اسكتلندا كانت لغتي الإنجليزية سيئةً جدا رغم أنها كانت لغتي الأولى قبل العربية حتى نسيتها حين عدت طفلا في الخامسة من أمريكا إلى الكويت.. المهم أنها كانت سيئة جدا لدرجة أني لم أتحدث مع أحد من الطلبة لمدة ثلاث سنوات وذلك مذكور في كتاب التخرج.. لذلك كانت الصعوبة علي مضاعفة ولكي أتخلص من هذا القلق قلت لأبي أنني سأعتبر السنة الأولى فسحة وأنني عائد إلى الكويت لا شك في نهايتها.. عودة لا رجوع بعدها لاسكتلندا.. بل إنني بعد ثلاثة أشهر من الدراسة راسلت كلية طب الأسنان في بوسطن للنظر في كيفية التحويل..

كل ذلك أدى لتقليل القلق.. قلت لنفسي أن هناك أشياء أخرى أستطيع فعلها.. إن لم أصبح طبيبا فتلك ليست نهايةَ العالَم.. الطب ليس أهم شيءٍ في الحياة.. بل إن أهم شيء في الحياة أن أكونَ مطمئناً من دون خوف.. ما فائدة الشهادة هذه إن جعلتني أعتاد القلق والخوف؟! والعيب ليس في السقوط لأول مرة والرجوع إلى الكويت بل العيب كل العيب أن تزول سعادتي من أجل اهتمامي بكلام الناس.. هؤلاء الناس لن يفيدونني في شيء ولن يضروني في شيء أبدا.. وحتى إن عدت من دون نجاحٍ إلى الكويت فذلك ليس من شأنهم إطلاقا.

ثم قمت بتغيير عادات دراستي فبينما كنت لا أدرس إلا ليلة الإختبار في الثانوية قررت أن أدرس ثلاث ساعات يوميا كنت أقضي أغلبها في ترجمة الكلمات بجهاز بدائي جدا عام ٩٨. ولما رأيت ثمار ذلك في نتائجي الدراسية زدت ساعات الدراسة ووجدت أنني كلما زدتها كلما تحسنت النتائج أكثر لكن الأهم من ساعات الدراسة التحكم بالخوف والقلق.

الخلاصة عزيزي طالب الطب.. يجب عليك أن تكون مطمئنا وأن لا تكترث بكلام الناس وأن تتصور أسوأ النتائج من دون أن يثير ذلك فيك شيئا.. فالحياة أكبر وأهم من أن تعيش فيها تعيسا بسبب الخوف من الفشل.. حينها ستنجح وتبدع بكل سهولة ويسر!

1

القرآن حقيقة ثابتة والعلم ليس حقيقة بل متغير لا يثبت

العلم الذي في مُتَناوَلِ أيدينا محدودٌ جداًّ ولكن الإعلام يصور لنا وكأن العلم هذا المحدود أساس الحياة فبعد النهضة الأوروبية والنهضة الصناعية التي تزامنت مع الإلتزام بالتجارب لإثبات العلم بدأ الغرب يصور لنا وكأن العلم قد تطور كثيرا وكأن العلم في هذا العصر استبدل الدين فأخذ يصور لنا أن الأولين لجهلهم آمنوا بالمعجزات وبالرسل وبالإله.. لكن الواقع هو أننا جاهلون جدا.. لا نزال جاهلين جدا! فعلى سبيل المثال نجد أن الغالبية العظمى من الحقائق العلمية التي كانت تُدَرَّسُ في منتصف القرن السابق أصبحت وهما واكتشفنا خطأها.. خذ عندك قرحة المعدة التي وجدنا في أواخر الثمانينات من القرن السابق أن سببها غالبا جرثومة وليس زيادة إفراز الأحماض من المعدة وقد نال مكتشف تلك الحقيقة جائزة نوبل على اكتشافه هذا!
وفي أول يوم لي في كلية الطب قال لنا أحد الأساتذة في اسكتلندا حيث كنت أدرس، أن خمسين بالمئة من كل ما نتعلمه الآن في كلية الطب يتغير بعد عشرة سنوات وتحل حقائق أخرى مكان ما تعلمنا! لذلك كان واجباً على الطبيب أن يقرأ ويدرس يوميا حتى لا يفوته تطور الحقائق!

كل ما سبق هو مقدمة للرسالة التي أود إيصالها لك عزيزي القاريء وهي (أنك يجب أن لا تلصق العلم لصقا بالحقائق القرآنية والنبوية)!

لأننا آمنا بالقرآن وبالرسول إيمانا قلبيا لا نحتاج فيه لعلم حتى نؤمن به أكثر! فلو أراد الله جعل القرآن كتابا علميا لكانت هناك ألف طريقة أخرى لذلك.. ولأن العلم يتغير يوميا ولأن القرآن ثابت فمن الخطأ إلصاق الحقائق العلمية لصقاً بالقرآن والسنة ففي ذلك فتح لمجال واسع أمام المشككين ليشككوا أكثر في القرآن والسنة حيث أن العلم الحديث يعتمد على التشكيك دائماً وما هو حقيقة اليوم في العلم قد يصبح غدا أكذوبة!

نحن لا نصوم ونصلي لأن الصلاة تمرين رياضي ولا لأن الصوم له فوائد صحية بل لأننا نؤمن بحكمة الله ونؤمن أن الحياة الحقيقية ليست هذه الحياة بل الحياة التي تتلوها وأن الصحة الحقيقية هي صحة الأرواح!
فكن مؤمناً يا صديقي أن ما لديك هو الحقيقة الثابتة التي لا تحتاج أي حقيقة أخرى لإثباتها ولا تشتر بآيات الله ثمناً قليلا!

2

الطب طريقة حياة

في حياة كل إنسان وقفات يُراجِعُ فيها ما فاتَ و يَتَطَلَّعُ فيها لِما سَيَأْتي! وغالبا تُصاحب هذه الوقفات مناسبةٌ هائلة ويكون سبب هول المناسبة شدة المشاعر المرتبطة فيها كالحزن الشديد أو الفرح الشديد..

اليوم كانت هناك مناسبة شديدة السعادة حيث كان حفل تخرج ما يقارب التسعين طبيبا وطبية من كلية الطب في جامعة الكويت، فاستذكرت هذه الكلمات ويا ليت أحداً حدثني بها حين تخرجي الذي كان قبل عشر سنوات من اليوم هذا.

الطب الحقيقي ليس مهنةً بل طريقة حياة، فالمهنة هي تلك التي تحدها الساعات.. والطب لا يحده شيء.. ستعود إلى منزلك بعد يوم شاق ومرهق.. لم يخبرك أحد أنه شاق ومرهق.. لا أحد غيرُكَ أنتَ سيعلم مدى صعوبة ذلك اليوم وكم كانَ شاقاًّ ومُتعِباً،فتجلس على مائدة الغداء.. ثم تتطلع في الفراغ من خلال النافذة التي تطل عليها طاولة الطعام.. وتستَذكِرُ كم كُنتَ آمناً في زَمَنٍ مضى.. حينَ لم يكن يقلق صفوَ تفكيركَ شيء.. أما الآن فالهواجس لا تترُكُك أبدا.. التفكير في المريض الذي أتى العيادةَ بإصفرارٍ في وجهه.. هل هو بسبب السرطان أم أنها حصوةٌ مرارية عادية؟ وذلك الذي يؤلمه صدره هل هو بسبب مرض القلب أم الحموضة مع توتر في عضلات المريء؟ وذلك الشاب الذي مات بعد حادث السيارة.. هل كان هناك شيء ما يمكنكَ فعله، لكنك لم تفعله؟! كل هذه الهواجس جزء من الطب..

كما يجب عليك الإطلاع دائماً واستكشاف المزيد من العلم دائماً حيث أن خمسين بالمئة من المعلومات التي درستها تصبح معلومات خاطئة بعد عشر سنين فقط من دراستها.. فالطب في تطور سريع جدا.. إن لم تقرأ في الطب يوميا.. لن تكونَ طبيبا ناجحا!

ولعل أهم ما عليك فعله هو أن تكون متعاطفا مع مرضاك فتبين لهم أقصى اهتمامك.. فإنهم لا يعلمون كم كان يومك شاقا ولا يعلمون أن شابا توفي قبل لحظات أمامكَ قبل أن تتجه إليهم لأنهم يشتكون من الإمساك مثلاً.. وإنهم قد لا يعلمون أنك تفكر بهم غالب يومك.. عليك أن تكون مصغيا لهم بأقصى درجات الإهتمام والتعاطف وتتناسى كل ما حولكَ ومن تكون..

وهكذا يكون الطب طريقة حياة.. سيجعلك تنتقل من حالة إلى أخرى بلمح البصر.. ستصبح لديك قدرة هائلة في فهم الحياة وقدرة هائلة على التحكم بمشاعرك.. تنتقل من الإشتعال كحمم اللهب إلى التجمد كجبال الجليد من دون أن يَرُفَّ لَكَ جفن!

وأخيرا فإن أهم صفتين عليك التحلي بهما لتكون طبيبا ناجحا هما صفتي الشجاعة والتواضع فهما أكثر الصفات الصادقة.. الصفات الأخرى تستطيع تمثيلها وخداع الناس بها لكن الشجاعة والتواضع صفات صادقة جدا كما يقول الفيلسوف والأديب الألماني الأشهر (ويرثر). والطب الحقيقي سيمنحك هاتين الصفتين.. واعلم أن الطبيب الذي لا يتحلى بهما ليس طبيبا حقيقيا على الإطلاق! فلا تتكبر على مرضاك أيا كانوا ومهما كانت حالتهم المادية ولا تجبُنْ حين يُحيطُ بكَ الموت.. أنتَ عدو الموت!

2

موردريك

سأحكي لكم في هذه السطور عن أغرب حالة طبية في التاريخ ربما، وهنا أود أن أحذركم أنها قصة مخيفة بعض الشيء.. فمن شاء أن ينام الليلة عليه أن لا يكمل قراءة السطور التالية ومن شاء أن يسهر فليغلق الأضواء من حوله ويضع بعض الموسيقى الكنسية المرعبة وليكمل قراءة السطور القليلة هذه:

إدوارد موردريك كان وريثا لعائلة أرستقراطية انجليزية وكان ذكيا جدا وعازفا ماهرا للموسيقى لكنه كان مبتلىً بمرض نادر! كان هناك وجه آخر في قفاه! وكان هذا الوجه لإمرأة وكانت هذه الإمرأة شريرة نوعا ما، فكانت تضحك حين يبكي وتبكي حين يضحك! وكان يستنجد بالأطباء لإنقاذه لكنهم لم يستطيعوا فعل شيء.. حتى حجز نفسه في منزله ومنع الناس من رؤيته ثم انتحر ميتا وهو في الثالثة والعشرين من عمره!

ستكون قصة موردريك معروضة في فلم من إنتاج هوليوود قريبا!

السؤال الذي يطرح نفسه.. أليس في داخل كل منا من يحاول أن يُضحِكَنا حين نبكي ويُبكينا حين نضحك؟! ألسنا نحيا بهذا التضاد الذي في داخلنا ولولا هذا التضاد لما بقينا؟ إذاً كلنا موردريك لكن الوجوه التي بداخلنا لا تظهر للعابرين!

26

أقنعة فينيسيا

يقولون قلب الجراح ميت وأقول القلب مخف وكل ما ترون هو الوجه الذي ما هو إلا قناع القلب كأقنعة فينيسيا !

 

في خفارة الجراحة أنت جندي في خط الدفاع الأول! أي هجمة وقصف سيكون عليك! أنت بوجه المدفع بل بفوهته دون خندق يحميك أو درع يقيك. بأول خفارة لي كجراح متقدم التدريب بالسنة٣ كنت المسؤول الأول عن جراحات الحوادث والجهاز الهضمي! كان شعورا غريبا بالفعل كالمترقب لإنفجار بركان. كنت قبل هذه الخفارة متدربا أأتمر بجراح متدرب يخاطب الإستشاري، واليوم ليس إلا أنا والإستشاري الذي هو بمنزله بعيدا بخمسة عشرة دقيقة.

 

اختلطت برأسي كل السيناريوهات المحتملة لهجوم الخفارة الأولى ووضعت خططا عديدة للتعامل معها. السيناريو الأخطر كان وصول مريض مطعون ثم يفقد نبضه فجأة أمامنا!

 

 فالمطلوب بهذه الحالة فتح صدر المريض حالا بغرفة الحوادث وعمل عملية معقدة تسمى (عملية ال اي آر ثوراكوتومي)!

 

 هي أقرب شيء لإعادة شخص إلى الحياة فمن شروطها أن يموت المريض فعلا أمام عينيك.

 

 بين فقدان النبض والموت ثوان أو دقائق لا تتعدى أصابع اليد الواحدة.

 

انتشرت هذه العملية أثناء حرب ڤيتنام وكانت لها القدرة على إنقاذ روح الإنسان بنسبة ١٠٪ فقط! راجعت بمخيلتي ذلك اليوم عشرات المرات كيف أقوم بهذه العملية فالجراح المرابط بالمستشفى هو أنا.

 

بدأت الخفارة… كانت ليلة السبت المصادفة لليلة الهالووين بكندا سيكون هناك الكثير من المشاجرات بالشارع لا شك بذلك … سيكثر شرب الخمر لا شك بذلك أيضاً!

 

الناس ينتظرون حلول المناسبات لِيَحلموا! كل شيء يُسعِدُ الإنسانَ يَرْتَبِطُ بجانبٍ أو بآخر بالأحلام ،  والمناسبات مَدخَلٌ للحلم والنسيان دون سعادة غالبا!

 

فعلاً وكما توقعت بدأ دخول المرضى كالسيل! أولهم كان صاحب بقالة طعنه أحدهم عندما رفض دفع ثمن البيرة، رأيت الأشعة بها هواء خارج الرئة. شرحت للطبيب المتدرب معي أن المريض يحتاج لأنبوب لإخراج الهواء وإلا اختنقت الرئة، يجب ادخال الأنبوب بسرعة! شرحت له كيفية ادخال الأنبوب وقام هو بذلك: فتح الجلد بسكينة فخرج الشحم والدم ثم بضربة أخرى بالمشرط ظهرت عضلات الضلوع!

 

الآن لاتقطع العضلات بل فرقها ثم أدخل الأنبوب وخيطه! استغرق ١٠دقائق! قلت له يجب أن تعملها بدقيقة فأحيانا لا وقت لدينا نضيعه. واستمر مجيء المرضى أحدهم طعن برقبته آخر طعن ببطنه وبعض جرحى حوادث السيارات! كانت ليلة ليلاء!

 

الساعة الآن الثالثة صباحا لم ننم لحظة منذ السادسة صباحا من اليوم الذي قبله، ورنين الپيجر يصم أذني!

 

أتصل فإذا وحدة العناية القلبية..لديهم مريض بوحدة العناية القلبية ٣أيام بعد عملية قلب مفتوح لديه آلام شديدة بالبطن وضغطه بإنخفاض!نزلت للوحدة بالطابق الحادي عشر حيث كنت بالطابق الثامن عشر، فحصت المريض قلت لطبيبة الباطنية يجب أن نفتح بطنه بالعمليات حالا، ضغطه ينخفض من شيء ما في بطنه، ربما بسبب عملية القلب المفتوح التي عملها قبل ثلاثة أيام حيث من مخاطرها انخفاض سيلان الدم للإمعاء والقولون فيموت جزء منهما. يجب إعطاؤه أدوية لرفع ضغطه خلال وريد رئيسي. تعقمت وبدأت بإجراء عملية إدخال الأنبوب بالوريد الرئيسي بالرقبة لإعطائه أدوية تبقيه حيا حتى وقت العمليات!

 

الپيجر يرن أثناء إجرائي عملية أنبوب الوريد هذه المرة من غرفة الحوادث مع صوت آلي يرتفع بأروقة المستشفى كلها:

على فريق الجراحة التوجه لغرفة الحوادث حالا

على فريق الجراحة التوجه لغرفة الحوادث حالا

على فريق الجراحة التوجه لغرفة الحوادث حالا

 

 

 

 

قلت للطبيب المتدرب اذهب وتقصى الخبر فإذا كان إنذارا جديا وكانت الحالة تستدعي قدومي اتصل علي لآتي فلا أحسب مريض الحوادث بحالة أخطر من هذا المريض بوحدة العناية القلبية، هذا يموت أمامي!

 

بعدها بدقيقة اتصل!

 (موهامد) هو يقول اسمي بالإنجليزية!

نعم ماذا لديك؟ قلتها بسرعة

رد قائلا بصوت يتحشرج خوفا: لدينامريض١٩سنة ٢٢طعنة بالظهر! نبضه ١٩٠! لا لحظة! وقف نبضه الآن!

 

صرخت: قادم حالا!

Keep him alive!

ركضت كيوسين بولت في أولمبياد بكين! متخيلا خطوات عملية ال اي آر ثوراكوتومي

هذا الفتى يحتاجها الآن!

 

وصلت وإذا عشرين ممرضا وطبيب حوادث وشرطة! وضعت يدي على رقبته فلم يكن هناك نبض! 

 

طلبت منهم فتح عدة الإي آر ثوراكوتومي

 

فتى أسمر اللون مسحوب العينين غارق بدمائه تسيل من على حافة السرير على رجلي! أزيز الأجهزة الطبية يحوم في الغرفة منذرة أن روحا هنا على وشك الرحيل بكل ما كانت تملك ولم يكن ما ملكته كثيرا..فالصبي لم يأخذ فرصته بالحياة هو بالتاسعة عشرة فقط!

هل عشق؟ هل عانى من إزعاج رئيسه في عمله؟ هل سهر ليلة أو أخرى مكتئبا من مشاغل الحياة؟! لا أظن!

 

فتحت العدة! قبضت على السكين مستعدا لقطع صدره بالعرض!

 

قطعه لنصفين!

 

الهدوء يلف المكان وستون عينا ربما على المشرط!

 

الفتى ينزف حتى الموت وأنا أمامه قابضا على المشرط لفتح قلبه!

 

قبضت على السكين وطبيب الحوادث يشعر بترددي الغير معتاد و يهمس

 

Go

 

 

فرصة هذا الشاب إن بدأت بهذه العملية بالحياة لا تتجاوز ال٣٠٪ واقعا هو ميت الآن!

 

ثلاثة أطباء وأنا لم نحس بالنبض! كنت أراجع نفسي قبل أن أبدأ! قررت أن أعيد الفحص! كل الأفكار تدافعت وطبيب الحوادث بين ال g والo جزء من الثانية!

 

وضعت يدي على رقبته! طبيب الحوادث غاضبا يصرخ: لماذا تعيد فحص النبض إقطعه الآن بالسكين!

 

يدي على رقبته! أحس بشيء يتلوى

 

صرخت و كأنها أحد لحظات اليوريكا: هناك نبض!

 

هنا تغيرت الخطة يجب الذهاب إلى غرفة العمليات بعد وضع أنبوب برئته اليمنى ثم اليسرى بأسرع وقت!

 

نحن نصارع الموت و دقات الساعة والخوف! نحن نصارع إنسانيتنا!

 

إبدأ پروتوكول نقل الدم!

 

اتصل بغرفة العمليات قل لهم نحن قادمون الآن! اتصل على الجراح المسؤول وطبيب التخدير!

 

قمت بإعطاء هذه الأوامر بينما يدي تقطع جرحا صغيرا كاف لإدخال أنبوب الرئة اليمنى! خرج الشحم وشعيرات الدم الصغيرة عند الجلد تنزف!

 

فرقت عضلات الأضلاع و بإصبعي وسعت الفتحة! بدأ الدم بالتدفق كالنافورة! أصاب وجهي!

 

أدخلت أنبوبا بقطر ١٠٠فلس وأنا أسحب إصبعي من داخل الصدر!

 

انتقلت للجانب الأيسر وقمت بذات العملية! هنا لدينا أقل من دقيقة لوضع الأنابيب و …..پڤ! صوت يخرج عندما تدخل إصبعك بالقفص الصدري فيتدفق الدم وبعض الهواء!

 

لدى الإنسان ٥-٦ لترات دم! خرج من صدر الفتى الأيمن ٣ لترات و من الأيسر لتر واحد! خيطنا الأنبوبين واتجهنا لغرفة العمليات!

 

ونحن نخرج من غرفة الحوادث وإذا بالشرطة والمسعفين يدخلون بمريض مطعون ببطنه! وضعت يدي عليه وإذا ببطنه يابسا كالحجر!

 

كان نبض المريض الجديد جيدا لكن تيبس البطن بعد الطعن يعني أن هناك تسمما من اختراق الإمعاء بالسكين! يجب أن يذهب للعمليات بأسرع وقت. رباه! ما العمل الآن لدينا ثلاثة يصارعون الموت الآن الفتى النازف ومريض وحدة القلب والمريض المطعون ببطنه! لا شك أن الفتى النازف هو الأولى ثم سنقرر من التالي!

 

اتجهنا بالفتى النازف لغرفة العمليات تعقمت وأنا أكلم الجراح المسؤول بالهاتف!

كان على الطريق!

 

دخلت غرفة العمليات وإذا من حسن حظي أن أمهر طبيب تخدير كان موجودا..خفة دمه لا يعلى عليها: صاح بلكنته الألمانية السويسرية جمال ليلتك هذه مجنونة، أنت سيء الحظ فعلا.

 

طلبت من الممرضة السكينة فتحت الصدر الأيسر بالعرض بضربة واحدة كنت بالشحم! ضربة أخرى قطعت عضلات الضلع وإذا بالرئة كبالون وردي جميل..

 

كان هناك لترين آخرين من الدم بالقفص الصدري الأيسر وجرح بالفص السفلي الأيسر ينزف دما وهواء فيخرجان معا كرذاذ المطر من الرئة الوردية!

 

المصيبة أن منبع الدم ليس من الرئة بل من شرايين الأضلاع الخلفية..قرأت عنها مرة أنها من أسوء الجراح التي يمكن إصلاحها، فسبب صعوبة جرح شرايين الأضلاع الخلفية أنها متصلة مباشرة بأكبر شريان بالجسد الشريان الأورطي، كما أنها عميقة ومخفية من الرئة!

 

قطعت كل مايربط أسفل الرئة بالقفص ورفعتها هنا وصل الجراح المسؤول!

 

What do you have in here?

 

قالها مذهولا وتبعها باللعنات!

 

رفع الجراح المسؤول الرئة وطلب من طبيب التخدير أن يوقف الهواء إن استطاع بالرئة اليسرى حتى تصغر فنستطيع إيقاف النزيف!

 

كلما كان طبيب التخدير يقلل الهواء بالرئة اليسرى كلما انخفض الأوكسجين بالدم! لم نستطع تصغير الرئة! رؤية موضع النزيف بدقة شبه معدومة!

 

هنا قال الجراح المسؤول سأرفع الرئة سينخفض الأكسجين عليك الإحساس بالنزيف وخياطته! لا أدري إن كان هناك شيء آخر نستطيع فعله!

 

الفتى يموت..

 

طلبت من الممرضة أطول حامل إبرة رفع الجراح الرئة رأيت مكان نزيف هنا وقف الكون أمامي فجأة ولم أكن أرَ إلا موضع النزف!

 

قبل القيام بحركة صعبة دائماً يمر علي شريط جميل من ذكريات الطفولة والصحبة والحب! لاتسألني لماذا لكن دائماً أعيش لحظة حس مرهف كهذا قبلها! ربما تمر هذه اللحظات الجميلة لتطمئنني أن هناك متسع من الوقت..حينها أشعر براحة عجيبة وأنسى الضغط النفسي الرهيب. ربما تجعلنا ننسجم مع الطبيعة حولنا فنصبح واحدا!

 

أول مرة رأيت زوجتي

أول سقوط للثلج

عندما أذنت بأذن علي ابني الأول

فنجان الشاي مع من أحب

الأشياء البسيطة تريحنا حتى في أعقد اللحظات و أصعبها!

 

كانت الإبرة بالكاد تصل لموضع النزيف خيطته بالإحساس فقط..بشكل رقم الثمانية الإنجليزي وأعدت الحركة خمس مرات..خف النزف كثيرا!

أخذنا الدباسة الجراحية التي تدبس ثم تقطع لإستئصال الفص النازف!

وضعنا الكثير من المناشف الجراحية بالقفص الصدري الأيسر وانتقلنا لليمين!

فتحنا القفص الصدري الأيمن مرة أخرى كانت شرايين الأضلاع الخلفية تنزف هناك! أصلحناها بصعوبة. ما بالهم يقولون أن الطب متطور بينما نحن نستخدم ذات الآلات الجراحية منذ القرن السابق: خيط من الپرولين ذات الخيط المستخدم في صيد الأسماك ذات الخيط الذي أصطاد به على اليال بالكويت طفلا..أصطاد به الشرايين والموت الآن..وقف النزيف تقريبا لكن في ذلك الوقت كان الفتى بين الحياة والموت..يجب الآن الخروج من العمليات للإنعاش بأسرع وقت!

لم نخيط صدر الفتى..تركناه مفتوحا مليئا بالمناشف الجراحية، فإن خيطنا صدره سنضيع وقتا ثمينا قد يكلف المريض حياته ثم نقلناه للإنعاش بنبض سريع جداً وحرارة منخفضة: هذه علامات ليست جيدة لكن الأعجوبة أنه مازال حيا!

 

تنفس الجراح المسؤول الصعداء!

 

كان الشرطة ينتظرون بالإنعاش قالوا لنا أن من طعن الفتى ٢٢طعنة ليلة الهالووين كان يرتدي زي سوپرمان!

 

قلت للجراح المسؤول: لدينا ٢آخرين!

 

قال لم أرَ ليلة مثل هذه منذ زمن!

أجبته نعم لوهلة خيل لي أنها الفلوجة وليست مونتريال! ضحك ولازال يروي القصة بعنوان الفلوجة إلى يومنا هذا..

بعد العمليات وصلت المنزل ١٢ظهرا! ٣٠ساعة من دون نوم..رأت زوجتي البالطو الأبيض الغارق بالدماء! علمت أنها كانت ليلة ليست ككل الليالي!

 

انتقلت لمستشفى آخر وبعد شهر مررت على المستشفى الذي يرقد به الفتى رأيته من بعيد خلال زجاج الغرفة! كان من المقرر أن يرحل للمنزل غداً!

الفتى لايعرفني! التقيته مغلق العينين بين الموت والحياة! لم أشأ الدخول عليه كان مع أمه وأبيه! نظرت إليه مكفكفا دمعي الذي أتى خلسة من دون ميعاد!

 

أن تلتقي شخصا يفارق الحياة ثم تراه بعدها ضاحكا مع والديه كأن شيئا لم يكن ذلك شيء رهيب!

 

الوجه لا يعبر عن القلب دائماً