8

قبل أن أموت أريد أن

مررت اليوم بسوق في مدينة كليڤلاند و إذا بلوحة سوداء كبيرة تعلوها جملة: قبل أن أموت أُريدُ أَن….
والدعوة واضحة أن تكتب أنت تكملة الجملة! و قد كنت على دراجتي مسرعا لكنني ما إن رأيتها إلا و تنحيت من الشارع الرئيسي مسرعا باتجاه اللوحة كمن وجد كنزا كان يبحث عنه منذ زمن! التقطت الطباشيرة وأنا ما زلتُ راكبا دراجتي فَكَتَبْتْ:

قَبْلَ مَوْتي أُريدُ أن أموت عاشقا لك!

وكم منا سيموت وهو لم يحقق شيئا مما كان يحلم به؟! كلنا ربما؟! فإذا كان كذلك فَلماذا كل هذا المجهود الذي نبذله في سبيل تحقيق أحلامنا؟ هذا سوى الشر الذي يبذله البعض في سبيل تحقيق رغباتهم التي لا ولن تتحقق؟!

ولماذا لا تتحقق رغبات الإنسان قبل موته؟

لأن هذه الرغبات لا حد لها و ما لا حد له ليس مكانه الدنيا المحدودة الفانية! فَقد جعل الله الرغباتِ هذه دونَ أي حَدٍّ حتى تتيقَّنَ أن هناكَ عالَماً لا حد له و خلوداً لا حد له و حُباًّ لا حَدَّ له!
ولكننا بدلاً عن استيعابِ ذَلِكَ أخذنا نستخدم الوسائل السيئة من دون حد لنصل الى تحقيق هذه الرغبات!

وَ رَغبَتي بحبك خالدة فإن كُنتُ على يَقينٍ أنني لن أحقق كل ما أريدُ قبلَ موتي فَلَقَدِ اختَرتُ أن أموتَ في سبيلِ تَحقيقِ أعظَمِ رَغَباتي!

وَ بَعدَ أن كَتَبتُ ذلكَ على تِلْكَ اللوحةِ اندهشت من سرعة إجابتي على ذلك السؤال و كأنني كنت أفكر بما أريد فعله قبل موتي دائماً! لكن هذه البديهية فيما كتبت إن دلت على شيء فإنما تدل على شدة تعلقي بك!

سأظل أذكرك بهذا و أظل متفاخرا بهذا الموقف إن لُمْتَني على عدم السعي لك!

أن أموت عاشقا لك ذلك ما أريد قبل موتي فَاذكُر ذلك لي عند موتي!

20131013-003905.jpg

0

صديقي الإيطالي غوفريدو و غُبارُ النجوم

صديقي غوفريدو أرينا جراح إيطالي هاجر الى كندا ليتدرب في الجراحة العامة بجامعة ماكماستر لكنه فقد والدته الشابة وهو بسنته الثانية بالتدريب بسبب سرطان القولون! ثم تخصص في زمالة جراحة المناظير في جامعة مكجيل حيث التقيته وكان يسبقني بثلاثة اعوام ثم قام بعمل زمالة زراعة الاعضاء وبعدها تم توظيفه كجراح في جامعة مكجيل! تعرفت عليه عن كثب خلال تدريبي في الجراحة ومن ثم حين كنت زميلا في زراعة الاعضاء وكان هو استشاريا، توطدت بعدها علاقتنا كثيرا! المهم نتشارك كثيرا في نقاشات فلسفية وجراحية وبحثية شتى!! فغالبا ما أترجم له ما أكتب! هو بدأ في الكتابة كذلك وقد أرسل لي هذا النص باللغة الإنجليزية فلم أستطع مقاومة ترجمة النص معنويا وفكريا وليس حرفيا:

ولماذا تفرح كثيرا حين تكتشف شيئا جديدا؟! إن كل شيء تظن أنك وجدته إنما هو موجود قبلك فعلا! يُخَزِّنُهُ الكونُ لَكَ ولا يزيح الستار عنه إلا حين تتخلى عن طبيعتك الأرضية! حين تتحلى بصفات الكون وصفات النجوم العُلى! أنت أَتَيتَ من حَيثُ النجوم والجنات! أنتَ لستَ مخلوقَ هذه الأرض! كل ما في النجوم لديك فاستخدم عقلك لتتصل بمعارف الكون! إن الكون بمعارفه كله داخلك أنت وأمام عينيك!
أنتَ غُبارُ النجومِ أرسلته عظمة الخالق الى هذه الأرض!

كل ليلة أُغلِقُ عَيْنَيْ و أُسافِرُ في مخيلتي عبر هذا الكون الى أن أصل النقطة التي أظن أن الكون ينتهي عندها هناكَ بعيداً حيثُ حدودُ الكون!
ولكنني عند نقطة النهاية تلك أكتشف أنني لست سوى في البدايات!
فَأَفقِدُ نفسي في شُعاعِ النجوم ولمساتِ الجمال فَأَتَذَكَّرُ ما أنا و مَن أكون!
أَسَّمَّعُ همسا عجيبا لم أسمع مثله على هذه الأرض!
همساً أعماقُهُ معجونة بخلاياي مُذ خُلِقَت منذ الأزل! فأبتسم حينها كطِفلٍ تُداعِبُهُ أمُّهُ التي لم يَرَها منذ زمن!
حينَها أُحِسُّ بالمعرفة تقطر على روحي كحبات المطر على أرض صحراءَ جرداءَ قاحلة!

تَهبِطُ القطرَةُ الأولى من المطر فتتلوى وتتبخر ما إن تُلامِسَ حبّاتِ الرمل الساخنة!
هكَذا يُحِسُّ قَلبي حين تهبط عليه معرفة الكون!
أُحِسُّ التوهج الذي تُوَلِّدُهُ المُتَضادات حين تتلاقى وفي غمرة هذا التوهج أتوه حتى أصحو في صباح اليوم الذي يليه دون أعرف ما الذي جرى؟!
ليتني أعرف ما جَرى!

20131006-231228.jpg

2

وداع

أنا لم أعتَدِ الوداع! لا أعلَمُ ماذا تعني بالوداع؟ هل هو اللقاء الذي يعقبه لقاءٌ آخر بعد مدة طويلة؟
ما هي هذه المدة؟
من يُعَرِّفُها؟
أم هو اللقاء الأخير في عالم معين ثم يعقبه لقاء آخر في عالم آخر؟
وكيف حين تلتقي من تحب ولا تدري أنه لقاؤك الأخير؟ هل يصح التعامل مع كل نهاية لقاء على أنه لقاؤنا الأخير؟

لا أدري!

يقولون أنك قاسي القلب تودع بقناعٍ من جليد! لقد اعتدت على الوداع ورؤية القسوة فلم يعد قلبك يتحرك لشيء؟!

ما الذي يُحَرِّكُ قلبك؟ خلايا كهربائية وأعصاب منظمة ذات التنظيم منذ ولادتك! لكننا لسنا آلات لا تتفاعل مع ما حولها! إن قلبك ينبض بسرعة… ينسى ما اتفقت عليه معه حين ولادتك حين ترى شيئا جميلا بَهِيّاً مثلاً؟! و هل هناكَ أجمَلُ مما تَعشَقْ؟ هناك ألوف ألوف مساحيق التجميل لكن أكثرها جلبا للجمال هو مسحوق العشق!

عفواً… لا يُمكِنُكَ وصف العشق بمسحوق! إنها مسحة العشق… لمسة العشق… قُبلَةُ العشق! إنها ذلك الشعور بالفَقدِ ليَتيمٍ فقد أباه حين كان بالرابعة وها هو يفقد أمه وهو بالعاشرة ثم يتذكرها مفتقدا وهو بالثلاثين من عمره حين ينظر في عيني من يحب ليلة زفافه!

تَقولُ أنني اعتدتُ على الوداعِ فأصبَحتُ قاسيَ القلب؟

دعني أُخبِرُكَ عن شيء!

أنا في حالة وداعٍ دائمة! فحين تتكرر هذه المواقف هي تجعلني في حالة وداع دائمة! إنني أفتقدك وأنا معك أحيانا… أودعك وأنا معك أحيانا دون أن تشعر! كدعائي لك بالفرح إن مضيتُ من ها هنا يوما! أو كتابتي لَكَ في آناء الليل وأطراف النهار!

الوداع هو استيداع جزء من قلبك لدى من تحب! وأنا أودِعُكَ قلبي كثيرا حتى حين تفرقنا المسافات! الوداع هو ليس تلك الدقائقَ المعدودةَ ما قبل الفراق بل هو حالةٌ قد تحدث حتى حين تباعد المسافات!

حتى ذلك الذي يرحل دون الوداع المتعارف عليه! ذلك الذي يرحلُ فجأةً دونَ بروتوكولات الوداع المتعارف عليها… أتظن أنه لم يودع دون أن تشعر؟ بلى! ألا تحس بأجزاء قلبه معك؟ لقد أودعك إياها! ذلك حقاً هو الوداع!

ولما خرجت القافلة من مصر حاملةً قميصَ يوسُفَ شمه يعقوب رغم بعدها عنه عشرة أيام… فلولا تفندون؟!

2

أيقظ قلبك يا أيها الإنسان

الإنسان ليس حيوانا ناطقا! إنما هو حيوان يقتل بني جنسه ويفرح بقتل بني جنسه! فنادرا ما يقتل الحيوان بني جنسه وحتما لا يفرح بذلك! إن آداب الحيوانات بين بعضها البعض خصوصا حين الموت آداب ينبغي أن يتعلم منها البشر! ألا ترى الله يرسل غرابا يدفن غرابا آخر أمام قابيل حتى يعلمه كيف يحترم جثة أخيه الإنسان!

كان أول درس للإنسان في فنون الموت وآدابه درسا من حيوان! إن في ذلك لعبرة! ان في ذلك رسالة أن القاتل ينحدر تحت درجة الحيوانات!

وها نحن في هذا الربيع العربي رأينا كمية من القتل والدم لم نرها في سنين حياتنا قط بل لو عاش أجدادنا معنا لأقسموا أنهم في أعمارهم كلها لم يروا كمية من القتل مثل هذا!

أو تعتقد أن رسولنا الأكرم أرسله الله لقريش ليعلمهم نطق الشهادتين فقط!
كلا وحاشا ولا!

إنما أرسله ليقتل الوحش فيهم! ليقتل حب الدم والقتل ليقتل الحيوان داخلهم!

إنما بعثهم ليتمم مكارم الأخلاق و سيد الأخلاق أن تحب لأخيك ما تحب لنفسك ولا شيء أحب للإنسان من روحه التي بين جنبيه!
إنني رأيت حب الإنسان لروحه! رأيت كيف يعشقها! رأيت كيف يتمسك حتى بالفتات منها! حين ينازع على فراش موته عالما علم اليقين بموته لكنه يتمسك بما تبقى عل وعسى معجزة تحدث وعل وعسى حبيبا قد فارق منذ زمن يأتي ليودعه الوداع الأخير ويطبع قبلةً أخيرة على جبينه الدافيء قبل أن يبرد بردا لا يدفؤه شيء!

كانت تنازع لثلاثة أيام وكلما أتى أحد من الأطباء معي كنت أعجب من بقائها على الحياة حتى أتت ابنتها الأثيرة من سفر فما إن جاءت وقبلتها إلا وأسلمت الروح إلى بارئها!

وتلك أم أتت بعد أن أخبرناها بإصابة ابنها العشريني بطعنات خطيرة! فما إن أتت أخبرناها أنه فارق الحياة فشدت على يدي الغليظتين حتى كدت أحسب أن يدي تكسرتا! ولم تتركهما إلا ودمعها بللتاهما فما استطعت التفريق بين ألم يدي وألم قلبي!
إن كنت تفرح بقتل أخيك الإنسان أنت لست إنسانا حتما!

وعلام فرحك؟!

من أجل طغاة تحكموا برقابنا والله لا يهمهم شيء سوى عرش جلسوا عليه لم تقبض منه شيا؟!

لا تفرح فإن للمظلوم خطا مباشرا مع ربه! هذا الرب الذي لا يضيع عنده شيء فما بالك بدم أريق!

كان فرعون يقتل أبناءهم ويستحيي نساءهم ويتهمهم بالعمالة لرب إسرائيل! فأين فرعون الآن؟ هل تحسب أن الله أغرق القرآن بقصص استضعاف بني إسرائيل حتى تتعلم تاريخا تتفنن في قصصه بين أقرانك؟ كلا ولا
بل ذكرهم حتى تعتبر فلا ترتكب الخطيئة ذاتها!

هل تحسب أن الشمس تشرق كل يوم بعد الظلام في موعد لا تخلفه حتى تصحو من نومك فقط؟!
كلا ولا
فالشمس أعظم من أن تكون منبها يوقظك من نومك
هي علامة من الرب أن كل ظلام لا بد أن يزول حتى تشرق الأرض بنور ربها!

هل تحسب أن طعم المرارة بفمك ليس إلا لتتذوق الأطعمة؟! كلا ولا
بل هي علامة أن كل مرارة لا شك زائلة وأن كل ظلم زائل وأن حلاوة العذب الزلال ستأتي في لحظة فتنجلي كل مرارة بعدها!
وتتابع فصول السنة رسالة أن كل شيء إلى زوال وأن دوام الحال لا شك محال!

فأيقظ قلبك من سباته إن قلبك هذا أعظم وأشرف من عروش الطواغيت التي تحاول قتل الإنسان فيك بقتل أخيك!

32

لمن سألني عن الطب

كم تمنيت لو كنت مكانهم! هؤلاء الفتية والفتيات خريجي المدارس الثانوية!

كيف لا و الحياة كلها أمامهم! هم لم يفقدوا الحلم والخيال بعد! مازالوا يشكلونها في مخيلاتهم ويتصورونها ربما قصصا لا يملون منها!

هل تعلم أجمل ما في هذه الحياة؟
أنك لا تستطيع التنبؤ بها!

وكلما زادت قدرتك على التنبؤ بها كلما قل جمالها! وكلما زادت قدرتك على التنبؤ بها كلما قلت التحديات! فحينها تكون مستعدا ولن يباغتك عنصر المفاجأة!

هذا هو سر الشباب: التحدي والغموض والمفاجأة والتوق إلى لقاء مستقبل مجهول!

فلا تنكرون علي إن وددت أن أحل محلهم ولا تتهموني بالمبالغة!

هذه مقدمة لأرد بكل إيجاز عمن سألني عن تخصص الطب البشري

لا تدخل الطب إلا إن كانت تلك رغبتك أنتَ فهو من بين كل علوم الدنيا ليس علما وليس شهادة بل طريقة حياة، أغلب تخصصات الجامعة الأخرى ستخرجك عالما بها لكنك ستظل أنت كما أنت ستقوم بكل ما تشاء وكيفما تشاء إضافة الى عملك بالتخصص الذي درست به! سيكون عملك شيئا ثانويا، أحد الأشياء الأخرى في حياتك!

في الطب ستتغير حياتك رأسا على عقب خصوصا إن اجتهدت في تخصصك ما بعد التخرج من الكلية!

ستصبح الطبيب وباقي الأمور ستصبح هوايتك… نعم ستصبح كل الأمور الأخرى ثانوية ليس لعدم اهتمامك بها بل لأنك لن تستطيع غالبا فعل ذلك!

ربما تغيب عن عرس صديق عز أن تملك مثله! ربما تتخلف عن جنازة من تحب! ولادة من تحب أو حتى ولادة مولودكَ أنت!

أنتَ لستَ أنت حين تصبح طبيبا!

لكن كل ذلك ألم جميل! سيصبح الشعور بالألم هذا جميلا لديك! هو لن يحرك فيك مشاعر التعاسة إطلاقا!

هنا دعني أحدثك بسر:
التعاسة شعور مصدره أي شيء! حتى الفرح قد يؤدي الى التعاسة! التعاسة تتولد منك أنت فقط! من طريقة تعاملك مع كل ما تحس به!
يقول الشاعر الانجليزي الشهير ميلتون:
العقل هو مكان بحد ذاته! هو قد يحول الجنة الى نار والنار الى جنة!

ألم الطب هذا والفراق والغربة والبعد عن الأحباب وموت مريضك و ايقاظك في منتصف ساعات الليل لفحص بطن أحدهم أو إجراء عملية لا تتحمل التأخير! كل هذه الآلام ستصبح مصدر سعادتك!

وعندما أشرح لك هذه الأشياء فليس لرغبتي في إبعادك عن هذا المجال! كلا! بل رغبة مني في ترغيبك به! فلا أجمل من السعادة رغم الألم!

وهناك أشياء أخرى تعرفها كمدخولك المادي الجيد واحترام الناس وقدرتك على العمل في أي مكان وأي دولة تشاء! لكن هذه أشياء لا تقارن أبدا بمتعة السعادة وسط الألم التي أخبرتك بها!

الطب كذلك ساحة معركة! ستكون جنديا وسط حرب شعواء! خصوصا ان اخترت تخصصا دقيقا يجعلك تعالج الموت بيديك كتخصص الجراحة!

ستمر لحظات عليك تشعر فيها بالآية القرآنية التي تصور بلوغ القلوب الحناجر حين الخوف!

عندما يموت مريضك بين يديك أثناء عملية تجريها أو عندما يجرون سريرا في غرفة الحوادث لشاب في مثل عمرك والدماء تسيل منه بعد حادث سيارة مهول وأنت لا غيرك مسؤول عن إيقاف النزيف رغم صعوبة ذلك! عندها ستحس بمشاعر لا يحسها أحد! كل أصدقائك وأهلك ورفاقك لم يحسوا بها أبدا بل قرأوها ربما!

الشعور بالضياع والقلق والسقوط … والتمني لو أنك كنت الآن في مكان أفضل بين من تحب بدلا عن ساحة الدم هذه! يتبعه قرار بطرد مشاعر الخوف هذه وتصرف آلي بفعل الواجب رغم صعوبة كل ما تقوم به لكنك تفعله! ستذهل مما تفعل وتكتشف كل طاقاتك الكامنة!

ستلتقي بالموت! ستكتشف ضعف الإنسان!

سترى الموت يلاقي الجميع بنفس التحية وذات العناق!

لن يفرق بين غني وفقير! بين عاشق أو قاتل يملأ قلبه الكره! لن يفرق بين جميلة حسناء وامرأة قاربت عامها التسعين!

هذا الموت رسول من رسل الله والله لا يفرق بين عباده في شيء! ستتعلم حينها العدل والمساواة في كل شيء! وسَتَخبُرُ حينها أن هذه الحياةَ لا شيء!

إنها تنتهي في لحظات ثم بعدها تستمر الحياة كما هي!

ستصدر أنت شهادة وفاة مريضك وتذيلها بتوقيعك بقلم ذو حبر رديء ربما! أو آخر فخم غال الثمن! لا يهم فالنتيجة واحدة: أعلنت وفاة إنسان ثم رفعت عينك من الورقة ورفعت عينك من وجه الميت ثم أسدلت جفونه لتكون آخر إغماضة في حياته! ثم اتجهت لشأنك… لكوب قهوتك ربما أو اتصال عليك تَلَقّيه! حينها ستعلم أن الحياة هذه تمر مرور السحاب فلا شيء فيها يستحق القلق! ولا شيء فيها يستحق الفخر والتكبر! ستموت أنت يوما هكذا فلا تملأ الدنيا صخبا!

لن تجد مهنة تجعلك تعيش كل هذا! ألا ترى أن العرب قديما أسموا الطبيب حكيما؟

2

كيف كانت ليلة آدم الأولى؟

فكيفَ كانت ليلَتُهُ الأولى على هذه الأرض؟

أعني آدَم

بعدَ عز جنة عرضها السماواتُ والأرضُ مَلَكَها كلها وحدَهُ هُوَ!

إنها سِجنُه

هذه الأرضُ لاشكَّ سِجنُه!

مُلقىً بهذه الفلواتِ والوحوشُ حولَهُ…

عرياناً… وهو الذي لم يخبر حرارة الشمسِ وزَمهريرَ الشتاء!

جائعاً… وهو الذي لم يذق طعم الجوعِ من ذي قبل!

خائفاً… وما هو الخوفُ؟! إنه لا يعرفه!

هذا الشعور القبيحُ بالضياعِ إنه لم يألفه قبلاً!

هل لك أن تبحر بخيالك بعض الوقت وتتصور لوهلة أنك هو!

والأدهى أن عليه الإعتناء بحواءَ… قلبه الذي بين جنبيه فعلا!

هي خُلِقَت من ضلعه، والضلوعُ ما هِيَ إلا أسوارُ القلبِ وحَرَسه، تتحمل الصدمات حتى لا يجزعَ القلبُ أو يتأثر!

أما سمعت أن وراء كل عظيمٍ إمرأةٌ عظيمة؟!

يقف مذهولاً أبونا آدمُ! كانت تفاحة واحدةً أكلها فخسر من أجلها كل شيء!

هو لم يخسر النعيمَ فقط! فالنعيم لا شيء إن قارنته بغياب المشاعر الأرضية!
غياب الحزن والخوف والقلق والتوجس من المجهول!

كم يا تُرى كان نادماً في ليلته تلك؟

وهكذا بدأ الإنسانُ حياته بالندم والغربة والشوقِ إلى من حيثُ أتى!

كان شغل الإنسانَ الشاغلَ هو العودةُ إلى من حيثُ أتى!

لم تكن تهمه كل هذه الأرض ومن فيها وما عليها!

أما مَلَكَها آدَمُ كُلَّها؟ فلم تُحَرِّك فيه شيئا! كيف لا وهو مخلوقُ الجنة؟

كان يصلي لربه حتى يعْفُوَ عنه ليأخذه إليه مرة أخرى!

كان يأكل ليسد جوعه حتى لا يشغله عن الدعاء

ويراود زوجته حتى لا تشغله الشهوة عن الدعاء

وهكذا! كانت الشهوات نداء الطبيعة التي لم يلتفت لها الإنسانُ إلا حين تستفحل وتسلب لب الإنسانِ عن صلته بربه! لم تكن الشهوات متعة ونعيما! فالنعيمُ بذهن آدمَ هو الذي جاءَ منه!

هو لا يعشق الجنة لنعيمها فقط بل سعيا للشفاء من أمراض الدنيا كذلك! كل هذه المشاعر الكريهة التي لم يشعر بها من ذي قبل! ما هي الا أمراضٌ نفسيةٌ لن يتخلص منها إلا بالإلتحاق بالعُلى مرة أخرى!

في مخيلته لم يكن الموت حزنا ولم يكن فراقُ الأحبةِ شقاءً! كان الموتُ فعلا وواقعاً سعادته الأزلية!
كان المَوتُ سفينةَ العبورِ إلى من حيث أتى!

إنه الخلاصُ من كل هذا الشر! ومن كل هذه الوساوس! من قيظ هذا الصيف وبرد ليالي الشتاء! ومن الوحوش التي حوله!

كلنا آدم!
جئنا هنا لنعودَ لِجَنَّةِ أبينا!
كيف تغير كل ذلك!

كيف غَفِلنا عن السبب الذي من أجله جئنا هنا؟!

لقد جئنا لنعود!

3

أمير السلام والزمن

انه الخلاص الذي لا بد منه ولا شك أنه سيأتي!

فمذ قتل قابيل أخاه هابيل والصراع الأزلي بين الخير والشر بين المدينة الفاضلة بتعبير أفلاطون أو مدينة الله بتعبير أوغستين او بتعبير القرآن المستضعفين ضد مدينة الشر وحضارة الشر والمستكبرين لا يزال قائما!

كيف يمكن لصانع كل هذا الجمال والسلام والحب أن يترك البشر هكذا وسط الحرب والقتل والدمار من دون خاتمة تثبت حكمة خلق هذه الأرض! من دون نهاية تبين أن كل ما جرى من مصائب كانت مما اقترفته يد الإنسان الذي رمى كلام ربه عرضا ولو آمن به لأكل من أسفل رجله ومن فوق رأسه لَعاشَ جنة أبيه آدم على هذه الأرض؟!

سأل الملائكة ربهم كيف تجعل في هذه الأرض من يقتل فيها ويسفك الدماء! فقال لهم إني أعلم ما لا تعلمون!

كيف يكون ذلك وتاريخ البشر من آدم إلى يومنا هذا مملوءٌ بالدم والإستضعاف والإستعباد كما تنبأ الملائكة منذ سحيق الزمن؟!

لا بد لهذا المخلص أن يأتي فهو الذي علم الله عنه ولم يعلم عنه الملائكة حينذاك! هو الذي سيجعل هذه الأرض تشرق بنور ربها كما عبر القرآن وكما عبر الإنجيل على لسان النبي اليسع:

القوم الذين مشوا في الظلام سيرون نورا عظيما بعد أن عاشوا تحت ظلال الموت! سيشرق هذا النور عليهم! إن السعادة بلقياه هي كما السعادة حين حصاد عظيم!
ثم يسهب في وصفه وأنه سيكون أمير السلام الذي لا ينتهي أبدا!

وإن كان هناك عصر لظهوره فلا شك أنه عصرنا هذا!

حيث الجاهلية الثانية التي يعيشها أحفاد من حاربوا الجاهلية الأولى!

أصبحت خير أمة أخرجت للناس قبل ١٤ عشر قرنا هي أسوأ الأمم أخلاقا والأقل علما والأكثر سفكا للدماء فصارت هي فعلا الأمة الأكثر عيشا تحت ظلال الموت! وصلنا لقاع البشرية وللحد الأدنى الذي لا دنو بعده!

فكما جاء محمد لينهي الجاهلية الأولى سيأتي محمد أمير السلام والزمان لينهي الجاهلية الثانية!

6

محمد رسول العشق: تعليقا على ماراثون بوسطن

ليت شعري هل ارتقى ذروة الافلاك أم طأطأت له فرقاها

يتساءل الشاعر هنا هل عرج النبي محمد الأكرم إلى السماوات أم أنها هي التي انخفضت له فداس عليها؟
ومن حق الشاعر أن يتساءل ذلك حين يكون العظيم بل أعظم ما خلق في الوجود كله هو المعني! هل تعلم ماذا يعني أن محمدا أعظم ما في الوجود؟ أي أنه يمثل الخير بدرجته العليا في كل جوانب الخير! وما هو الخير سوى الحب والرحمة والجمال؟ أليس ذلك ما يتبادر بذهنك أنت حين تسمع هذه الأحرف الثلاث…خير؟
فمحمد ملؤه الحب والرحمة بل لا يفوقه مخلوق حبا ورحمة وجمالا فهو الإنسان الكامل الذي لا يماثله إنسي!
وعشق محمد هو العشق الحقيقي الذي لا حلم ولا وهم فيه لأنه عشق الكمال المطلق الذي ما خلق الإنسان إلا ساعيا إليه بالفطرة! لقد جعله الله لنا حتى نتيقن أن الحب حق وواقع لا حلم ووهم!

ولو خيرت بين كل ما ملكته بهذه الدنيا وكل الشهادات الورقية التي أفنيت شبابي في طلبها وبين أن أكون مؤلفا لبردة البوصيري أو أشعار حسان بن ثابت بمدح النبي لاخترت الأشعار في مدح النبي بل وزدت في طلبها حياتي ثمنا وما أنا بمدع اتباعي له حقاً وفعلا لكنني أحد أولئك العاشقين الذين لا شيء لديهم… الذين خلت أيديهم من كل شيء سوى من حب محمد ومن أحب! وحسبي أن حبه شافع مشفع!

لا تخف من أسى القيامة هولا * كشف الله بالنبي أساها

وما هاج قلمي شيء سوى ما أرى وأسمع حولي من جهل مسبق ومتعمد وغير مسبق ومتعمد بوصم كل ما هو قبيح ووحشي بالإسلام وبنبيه نبي الرحمة والحب!

هو الحبيب الذي ترجى شفاعته لكل هولٍ من الأهوال مقتحم
دعا إلى الله فالمستمسكون به مستمسكون بحبلٍ غير منفصم
فاق النبيين في خلقٍ وفي خُلُقٍ ولم يدانوه في علمٍ ولا كرم
وكلهم من رسول الله ملتمسٌ غرفاً من البحر أو رشفاً من الديمِ
وواقفون لديه عند حدهم من نقطة العلم أو من شكلة الحكم
فهوالذي تم معناه وصورته ثم اصطفاه حبيباً بارئُ النسم

في عام ٢٠٠٤ بشهر مارس حين حدثت تفجيرات قطارات إسبانيا كنت طالبا زائرا لجامعة بريتيش كولومبيا بڤانكوڤر بكندا وقمت بالعمل لأربعة أشهر بجراحة الأطفال بمستشفاها حيث كانت جراحة الأطفال هي ما شدتني للدخول بتخصص الجراحة العامة بالبداية! كان معي بالفريق طالب كندي من أصل صربي بوسني قُتل أبوه بالحرب الأهلية بالبوسنة وكان معنا أيضاً طبيب من أصل يوناني قبرصي هاجرت عائلته بعد تهجير الأتراك لهم بقبرص! ولأنهم اعتقدوا أنني واسع الصدر بدأوا بالهجوم علي من كل حدب وصوب!
أنظر إلى دماء الأبرياء بالعالم كله ولن ترى سوى المسلمين يسفكونها!

وفي عام ٢٠١٢ بكليڤلاند عملت مع جراح بالجيش الأمريكي خدم لسنتين بالعراق وأفغانستان وهو مسيحي
متدين يقرأ كتاب مزامير داود من العهد القديم كل صباح! وكلما سنحت الفرصة أخذ يحدثني عن الفظائع التي رآها وتساءل لماذا هو الإسلام وحده من ينتج هؤلاء الوحوش؟!

تعالوا يا زملائي لأحدثكم حديثاً لا تنسوه أبدا

لن أحدثكم عن فظاعات جيوشكم فبنظركم إرهاب الدولة حلال زلال وإرهاب الضعاف مر

ولن أحدثكم عن ملايين المسلمين المضطهدين الذين لا يستطيعون رفع رؤوسهم والتحديق عاليا بالسماء فقد داستها أقدام حكامهم الذين لا سند لهم ولا عز إلا بدولكم يا أدعياء الحرية

إن الجهل والذل هما أعداء الإنسان حقاً وأكثر ما يبعث فيه مشاعر العدوان الكريهة والمنكرة ولا سبب لجهلنا وذلنا سوى أنفسنا وقرون من الإضطهاد على يد حكام ادعو الحكم باسم الإسلام ومحمد وهم منه براء! فاستخدموا اسمه زيفا وادعاء! ومن يذلنا اليوم هم حتما من تسنده جيوشكم وأموال الضرائب التي تدفعونها! عندما كان شاه إيران يقتل الآلاف المؤلفة بالشوارع كان جيمي كارتر يصفق كأس الشامپانيا معه بطهران ويعلن أن الشاه حقق التطور والتقدم لبلده وجعلها واحة أمان بين سباع ضارية!

لن أحدثكم بكل ذلك

لكنني سأحدثكم حديث عشق فاسمعوا

محمد الذي خرج داعيا قومه لم يكن نبي حرب بل نبي عشق وجمال! جوعه قومه وحاصروه هو وأهله حتى أولئك الذين لم يسلموا بشعب صغير بصحراء قاحلة! ثم قتلوا أصحابه تعذيبا فلما حاولوا اغتياله هاجر ولم يتركوه وشأنه بل شنوا عليه الحرب تلو الحرب وهو بمدينته فلما فتح مكة لم يسفك قطرة دم بل صاح بهم اذهبوا فأنتم الطلقاء!
عشرين سنة يعذب ويحارب ويضطهد هو ومن معه فلما ظفر بهم قال اذهبوا فأنتم الطلقاء! لم يفعل نبي ذلك أبدا! وهذه توراتكم وانجيلكم أمامكم فأخبروني؟ هم قتلوا عمه حمزة وأبناء عمه وحاولوا اغتياله بأربعين فارسا فلما ظفر بهم لم يقل كلمة غير اذهبوا! أي رحمة وأي حب أعظم من ذلك؟

أو تعلمون ما يقوله علي الذي رباه النبي في كنفه:
والله لو أعطيت الأقاليم السبعة على أن أعصي الله في نملة أسلبها جلب شعير ما فعلت

حتى النملة يستحون من سلبها حقها!

فما بالك بقتل الأبرياء من الناس

-عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن معاوية بن عمارة قال: أظنه – عن أبي حمزة الثمالي، عن أبي عبدالله الصادق قال: كان رسول الله ص: إذا أراد أن يبعث سرية دعاهم فأجلسهم بين يديه ثم يقول: سيروا بسم الله وبالله وفي سبيل الله وعلى ملة رسول الله، لا تغلواو لا تمثلوا، ولا تغدروا، ولا تقتلوا شيخا فانيا) ولا صبيا ولا امرأة، ولا تقطعوا شجرا

هذا هو محمد هو رمز الحب والخير والجمال فهؤلاء الذين يدعون اتباعه ثم يقتلون الأبرياء ما هم منه في شيء بل هم أكثر من يسيؤون إليه!
أما أنتم فلا رجوى منكم لأن إعلامكم آمن بصراع الحضارات وزرع في أنفسكم أنكم جنود الحرية والعلم وأننا جنود الجهل والظلام!

سيأتي يوم تعم الحرية بيننا وترجع إدارة شؤوننا لأنفسنا وحينها سترون مدى الحب الذي تمتلؤ به صدورنا فنحن الآن بأوطان ما هي إلا سجن كبير! كيف تطلب من سجين مشاعر حب وجمال؟

20130426-002735.jpg