4

لإبني ذي الثماني سنوات

ستلتقي يا بُنَيَّ بأشياءَ كثيرةٍ حينَ تَكبُرْ.. أشياءَ رغم خيالكَ الواسعِ هذا لم تَكُنْ تتصور أنها سَتوجَدْ.. ليس من فرطِ جمالها بل من فرط شرورها.. ليست الحياة كما يصورونها لك فيما تحب مشاهدته.. إنها لا تنتهي بالنهايات السعيدةِ إلاّ نادراً.. وإن أبطالَ الخيرِ فيها ليسوا بقوة أشرارها.. إنهم أقل مالاً وعتاداً ونفوذاً.. كما أنهم لا يلبسونَ من تلك الملابس الملونة الفاخرة التي تعشق شراءها! بل إنك كلما رأيتَ مزركَشاً حلو الكلامِ فخرَ الثيابِ فعليكَ الحَذَرُ منه! إن خيرَ هذا العالمِ في البُسَطاءِ والفُقَراءِ الذينَ لا يعرفهم أحد.. أولئكَ الَّذِينَ يَرحَلونَ دونَ صَخَبٍ كشمسِ الصباح وقمر هذا الليل..

و إن أكثر الأشياءِ جمالاً في هذه الحياة أكثَرُها قُبْحاً و أكثَرُها نَفعاً أكثرُها ضرَراً وأكثرُها حلاوَةً أكثرُها مرارة.. وهكذا الناس.. سيكونونَ أكثَرَ من يجلب لَكَ الحزن.. لكنَّ بعضَهُم سيكونُ أكثَرَ من يجلب لك السعادة.. لذا كانت أعظم الفنون التي عليك تعلمها فنون مخالطةِ البشر.. أدري عشقك للحيوان.. لكن مخالطة الحيوانات أسهل بكثير من مخالطة البشر وإن شئت أن ترى ذلك بأم عينيك فما عليكَ إلا أن تَكبُرْ!

يقول الشاعر الإنجليزي الحائز على نوبل (كيپلينج) في قصيدته (إف) لإبنه: يا بني لن تكون رجلا إلا حين تخالط البشر ولا تتغير للأسوأ!

لكنك لن تكون حزيناً فالحصول على السعادة سهل جدا لكنه يحتاج ألف شيء صغير لا تحس به.. منها أن تستمتع برائحة الأرض هذه بعد أن غسلتها مياه المطر، ومنها أن تقبل أطفالك كل ليلة ومنها أن لا تشتكي كثيرا من سوء طعام المطعم الذي سيصطحبك إليه صديقك!

واعلم أن أسوأ أيامكَ قد فات.. حين قبضت عليك عرياناً مختنقاً أزرَقَ اللون.. حتى أننا احتجنا الطبيب ليجعلك تتنفس.. وما إن دخل الهواء جوفك حتى أطلقتَ صرخةً عالية أسأل الله في هذه الليلة أن لا تُطلِقَ مثلها أبدا!
وإن نظرت إلى كل الأشياء بعين الرضا… إن استطعت أن ترى الشيء القبيح فتتذوق الجمال الذي فيه فقط كمن يأكل الشوكولاته المغلفة بالملح فلا يحس إلا بحلاوتها من دون الملوحة! إن استطعت فعل ذلك فإن الله سيجعل كل الأشياء الصغيرة حولك مصدر سعادة هائل… حينها فقط ستنام قرير العين!

3

علي

إنك لن تعرف جمال الشجرةِ إلا من ثمارها.. ولن تعرف جمال هذا القمر فوقكَ إلا من انعكاس نوره على وجه من تحب.. وهكذا الأشياء العظيمة لا نعرفها حقاً إلا حين نتطلع في ناتجها..

وكان عليٌّ ثمرة جميلة من ثمار رسول الله محمد.. فهو من رباه مذ كان صغيراً فكانَ ابنه حقاً تربية وحبا وكان ابنه بزواجه من ابنته.. عليٌّ هذا لم أقرأ مثله ولم أجد ما يشابهه.. حتى في أساطير الإغريق والفرس والرومان وأبطالهم لن تقرأ ما يشبه علياًّ.. فكان في وجوده فائقا لكل ما يتخيله بشر! كان البطل الشجاع الذي قام الإسلام بسيفه، لكنه كان كذلك أرق البشر قلبا وأكثرهم إنسانية.. وجدوه بعد قلعه باب خيبر في خيمته يُثني ركبتيه ليكسر رغيفا يابساً من الخبز كالحجر.. قالوا له أنت قلعت ذلك الباب الهائل بهاتين اليدين! كيف تحتاج لثني ركبتك لكسر الخبز… أجاب: كان قلع الباب لله أما الرغيف هذا لحاجتي!
عليٌّ الذي قال:
((و لو شئت لاهتديت الطّريق إلى مصفّى هذا العسل و لباب هذا القمح ، و نسائج هذا القزّ ، و لكن هيهات أن يغلبنى هواي ، و يقودنى جشعي إلى تخيّر الأطعمة ، و لعلّ بالحجاز أو اليمامة من لا طمع له فى القرص ، و لا عهد له بالشّبع أو أبيت مبطانا و حولى بطون غرثى ، و أكباد حرّى))

عليٌّ الذي كان أول من افتقده حين موته الأيتام إذ كان يتجول متنكرا في ليل الكوفة لإطعامهم وتفقد أحوالهم!

وفي هذه الليلة.. ليلة التاسع عشر من رمضان ضربه الخارجي الشقي عبدالرحمن بن ملجم في مسجد الكوفة على رأسه في سجوده.. فكان رده كلمات قلائل: (فزت ورب الكعبة)!

وكانت قبلها بليلتين ذكرى معركة بدر.. تلك المعركة التي بدأ انتصار الإسلام فيها والتي قتل فيها بسيفه نصف قتلى المشركين فلولا سيفه ما كان انتصار المسلمين فيها.. يا للأسى والحزن.. أن يقتل على يد من يدعي الإسلام ليلتين بعد تلك الذكرى!

يقول ابن الجوزي في كتابه تذكرة الخواص.. أن ابن ملجم صاح بآية وهو يضرب رأس علي.. كانت الآية (( ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله))!
المفارقة أن تلك الآية نزلت في علي حين بات في فراش حبيبه رسول الله ليقيه من أربعين سيفا كانوا ليغتالوا الرسول!

وهكذا فاق محمدا كل الرسل شرفا وتضحية.. إن كان ابراهيم استجاب لنداء ربه بالتضحية بابنه اسماعيل فإن محمدا استجاب لنداء ربه بالتضحية في علي بأربعين سيفا ففداه الله! ليأتي من يدعي حب محمد فيقتل ثمرة تربية الرسول الأكرم!

وهكذا مضى علي كما أتى.. أتى وليداً في بيت الله وارتحل منه.. لتُكتَبَ بذلكَ قصة قل نظيرها في تاريخ البشرية.. وليترك قلوبنا كما ترك هذه الأرض.. مملوءة حسرةً وأسى!

4

زيف الحب

وعندما تراه سترى كل شيء.. أول خيطٍ من أشعة الشمس حين تخرج منها متجهةً للأرض.. مَنظَرَ الحقول بعد مواسمِ الحصادْ والأطفالَ بعد غُسلِهُمُ الأول.. حينَ تراه سيجيبك على كل الإجابات التي كُنتَ تحتارُ فيها من دونِ أن تنطِقَ شفتيه! سؤالُكَ ما هو الحب؟ ولماذا خلق الله الحب؟ ذلك السؤال سيكون أول الأسئلة جواباً!

ويَقولُ هيسيود مؤرخ الإغريق أن الرب خلق الأرض ثم خلق الحب بعدها مباشرة حتى تستمر الأرض في البقاء والحياة.. فكانوا الأرض والحب أول مخلوقات الرب!

وأنت لا تحب من تحب فعلا وإنما تحب الصورة التي صوَّرَتْها نفسُكَ لمن تحب.. لذلك كانت بدايات الحب أجمَلَها لأنك حينها تكون في علاقة مع مخلوقٍ من خيالِكَ لا وجودَ له على أرضِ الواقع.. لذلك فإن بدايات الحب في الواقع ليست حبا وإنما شيءٌ زائف.. كالسَّرابِ الذي تسعى إليه فتمضي حتى تكتشف أنه ليس سوى صورةٍ في خيالك فقط! قرأتُ ذاتَ مرة أن أكثر قاتلٍ للإعجاب هو التعرف على الشخص الذي يُعجِبُكْ.. لأننا كلنا فعلا بسيطون عاديون ممتلؤونَ بالعيوب.. والإعجاب مرحلةٌ من الخيال المزيف.. تقتله سريعا شخصياتنا الحقيقية العادية نحن بني البشر!

ولذلك قيل أن الحب أعمى.. لأنه بالفعل أعمى حيث أنك في علاقةٍ مع خيالكَ فقط، لا ترى فيها من تحب فعلا.. لكن الحب الحقيقي الذي خلقه الله.. حب عظيمٌ جدا.. يتجلى بعضه أحيانا بين البشر، رغم أن الغرض الرئيسي منه ليس علاقات البشر.. ولا يتجلى إلا بعد زوال مرحلة الحب المزيف التي تسمى بدايات الحب!

فاعلم يا صديقي أن الذي يحبك فعلا هو ذلك الذي يحبك رغم معرفته أنك عادي جدا، والذي يحبك رغم معرفته بعيوبكَ كلها.. فذلك الحب حقيقيٌّ جدا ونادر الوجود جدا!

أما أنتَ فكل ما كَتَبْتُ لا ينطبق شيءٌ منه عليك.. حبك خاص جدا.. إنه شيءٌ آخرَ من مكانٍ آخَرْ.. حبك ليس حبا لكن اللغة احتارت فلم تجد له إسماً.. حبك هو ذلك الذي خلقه الله بعد خلق الأرض حتى تستمر في الحياة وتستمر الشهب في سفرها والنجوم في بريقها وقلبي في الخَفَقان!

0

أوليسيوس و النسيان أو الشوق لذلك الذي يغيب

ما هو سر الغياب؟
فالنسيان يبدأ به
لكن الشوق يبدأ به كذلك
فلماذا نشتاق لبعض ما يخفيه الغياب وننسى بعضه الآخر؟
يقول الفيلسوف الفرنسي بارتيز أن الشوق هو المسافة بين الغياب وبين معرفتنا أن من غاب لم يعد كما كان! أي أن النسيان يبدأ حين نعرف أن من غاب لم يعد ذلك الذي غاب..
وقد قرأتُ ذات مرة أن أقسى عذابات الدنيا هي انتظار من لا يأتي.. إنتظار ذلك الذي غابَ لكنه تغير بفعل ما فلم يعد كما كان..

الإلياذة والأوديسي من أعظم كتب التاريخ وأقدمها وتحكي حروب الإغريق مع طروادة.. أحد أعظم أبطالها (أوديسيوس) أو (أوليسيس) بالرومانية.. حيث كان محاربا ودبلوماسيا ورجلا متعدد المواهب..
أوديسيوس ملك إثاكا وزوج احد اشهر الجميلات (پينوليپي) اتجه لحرب طروادة مع جيوش الإغريق وكان له الفضل في اكتشاف المحارب آخيل كما أنه هو من انتزع جثة آخيل بعد أن قتله پاريس رغم كثرة الأعداء الذين كانوا يمنعونه.. ثم كان أوديسيوس نفسه صاحب فكرة بناء حصان طروادة الذي جعل الإغريق ينهون الحرب لصالحهم..

أما أجمل وأشهر قصصه هو عودته مع أصحابه بعد انتهاء الحرب الى مدينتهم إثاكا.. حيث استمرت عشرة أعوام كاملة!

فبعد أن ترك طروادة توجه مع جيشه الصغير من أصحابه إلى إزمره فاحتلوها وأخذوا غنائمهم لكنهم في الصباح تفاجؤوا بهجوم كثيف عليهم فنجحوا بالهرب لكنهم فقدوا الكثير من رجالهم.. ثم أبحروا بإثنتي عشرة سفينة ففاجأتهم عاصفة رمت بهم على أرض تنتشر بها نباتات اللوتس ويقتات سكانها على هذه النباتات فقط وبينما هم في تلك الأرض وإذا بالوحش السايكلوب يقبض عليهم ويأكل بعضا من رجالهم، وهذا الوحش هو ابن پوسايدون إله البحار لكنه بعين واحدة فقط في رأسه.. ولما رأى الخمر في متاع أوديسيوس شرب الوحش الخمر كله فنام.. أتى أوديسيوس ففقأ عين الوحش الوحيدة فأصبح أعمى لا يرى.. اشتكى الوحش لأبيه من أوديسيوس.. واستمرت مقارعة أوليسيوس لتلك الوحوش حتى عاد إلى إثاكا بعد أن عانى الأمرين.. فوجد الرجال يحاولون الإيقاع بزوجته الجميلة لكنها كانت ترفضهم ولم يعرفه أحد في تلك المدينة فقد تغير وجهه بفعل السنين والحروب.. وبينما كان يسير في أزقة المدينة عوى كلبٌ عجوز.. نظر إليه أوليسيوس وإذا به كلبه الوفي (آرغو).. ذلك البطل الشجاع المغوار لم يتعرف إليه أحد سوى كلبه آرغو..

وهكذا يكون الغياب.. مناسبة للشوق من البعض وفرصة للنسيان من البعض الآخر..

فيا صديقي لا تنسى ذلك الذي كان يملؤ حياتك بالجمال.. لا تنساه..فربما كان هو يذكرك حتى حين نَسيتَه.. لا تنساه! حتى الكلاب لا تنسى أصحابها!

3

محمد

جمالُ عينيك هاتَيْنِ يَقْتُلُني فلا تُحييني سوى شفتيك!
فبِكَ الداّءُ وعلى شفتيك الشفاء!

وقبل رؤيتك كنت أعلم أن كل شيءٍ قد يُسرَقُ مني لكنني لم أكن أعلم أن القلبَ يُسرَقُ إلا حينَ رأيتُكْ!
وحينَ يتراقص قلبي أمام جمالك أتساءلُ كيفَ لهذا القَمَرِ الذي هو علياء السماء! كيف له أن يملك أمره ويظل في مكانه دون رغبة منه في النزول إلى جمالك؟!

ومن بين آلاف الصفات البشرية جذبني جمالك… تلك الصفة التي أحسبها كاملةً فيك ولا أدري عن باقي صفاتك!

فما بالُكَ بمن هو كاملُ الصفات؟ بذلكَ الذي خلقه الله كاملا في كل صفاته البشرية التي لا حد لها… فجعله أجمل الناس خُلُقاً و أحلى الناس كلاما وأبشرهم وجها وأكثرهم شجاعة! إن كُنتُ أنا أتَساءَلُ كيف لا يأتي إليك القمر لجمالك… كيف لا أتساءل لم لا يهوي القمر على أعتاب محمد رسول الله وخير خلقه؟!
كل مليارات البشر… كلهم… في كل واحد منهم بعض الصفات الجميلة ربما… لكن في محمد كانت كل الصفات كاملة بأبهى الجمال!

إنني أحسب أن النجوم والأقمارَ كانت هكذا معلقة بالسماء لكن حين خلق الله محمدا ولكيلا تهوي هذه النجوم والأفلاكُ على الأرض خلق الله الجاذبية وقوانين الفيزياء حتى تظل الأفلاكُ في مكانها!

وإنني أحسب أن الأشجار كانت قادرة على الحركة فثبتها الله في مكانها كيلا يتصحر العالم كله حين تهوي أفئدة الأشجار إلى محمد!
وإنني أحسب أن البشر كانوا يسمعون همس الطيور وكلام الحيوان إلا أن الله منعنا من سمعهم حين خلق محمدا إذ أن كل كلامهم مدح فيه!

يقول جلال الدين رومي ما معناه أن في كل واحد منا قطرة حب تتصل بأنهار عظيمة من الحب إلى محيط الحب الهائل الذي هو الله! لا شك أن أعظم الأنهارِ الموصلة إلى الله هي نهر محمد!

يا رسول الله إننا نهواك ونهوى فيكَ الله فإن كان داؤنا عشقُكْ فلا تتفضل علينا بالشفاء فما أجمل هذا المرضَ وأحلاه!

1

في الزمن

أنت الزمن و المكانُ و من حولك من البشر و الأشياء
أنت كلهم جميعا
و حين تبدل أحد هذه الأشياء تتبدلُ أنت!
المكان أعرف كيف أستبدله
و البشر و الأشياءُ كذلك
لكن كيف أستبدلُ هذا الزمنَ بآخَر؟ قُل لي بالله عليك؟
حينَ تعيشُ الذكرى
فالزمن ثلاث أزمنة: الماضي والحاضر والمستقبل
أما الحاضر فما هو سوى بعض اللحظات… هو الوقت الذي استغرقته أنت في قراءة الجملة التي قبل هذه!
و المستقبل لا شيء فعلاً فهو خيال لا يوجد وقد لا يكون في هذه الدنيا وحياتها
والماضي….
الماضي هذا إذاً هو كل شيءو فتنقل بين ذكرياته إن شئت أن تستبدل أزمانك هذه
عش مع من كنت تحب
واستمع لصخبهم وضحكاتهم التي تملأ الأرجاء
سترى كيف يتبدل الزمن وكيف تتغير الأجواء دون اعتراف بالفصول من حولك
و سترى كيف تتبدلُ أنت!
والشرط أن لا تتحسر…. على قبلة لم تقبلها من تحب قبل الوداع! أو ميعاد أخلفته معهم!
سترى أن بعض الأزمنة لم يكن يعيبها شيء إطلاقا إلا الحقيقة أنها لا تعود! رغم أنك لم تكن تدرك جمالها حين كنتَ تعيشُها!
تخيل معي لو كان هناك جهاز تستطيع أن تحمله!
بحيث يقوم بحساب جمال الزمن الذي أنت به! جهاز يقيس كمية الذكرى التي ستبقى من الحاضر الذي تعيشه؟! ربما يكون هذا الجهاز الطريقة الوحيدة التي تجعلنا نقدر جمال ما نملك حولنا الآن!
ستتمنى يا صديقي لو عادت بعض الذكرى لتخبرها أنها نك الآن لستَ كما كنت
و تتمنى لو أن بعض الذكرى تعود لتخبرها أنها كانت أجمل ذكرى
و تتمنى لو أن بعض الذكرى تعود لتخبرها أ، من بين كل الذكرى… كانت هي أجملَ ذكرى

20140109-225043.jpg

0

الرياح والروح وهذا الذي لا يأتي

ذاتَ يومٍ تحدثت مع صديق عن الرياح فقال لي أنه قرأ ذاتَ مرة عن أعمىً يقول أنه يعشق الرياح لأنها الشيء الوحيدُ الذي يستطيع رؤيته رغم أنه أعمى!
شغلت بالي جملة الأعمى هذه ففكرت فيها مَلِياًّ!
وهذه حصيلة الأفكار:
العناصر الأربعة هي الماء والنار والأرض والرياح، فأما أكثرها غُموضاً و سِحراً للأَذهانِ هي الرياح! إنها شيء من الروح ألا ترى الأقدمينَ كانوا يعتقدون أن الروح هي نسمة من الهواء؟ ولذلك تشابهت أصل كلمتي الروح والرياح؟! فكلما كان الشيء قريبا من الروحِ كلما كان أجمل وأكثر غموضا وسحرا! فَكيف تتواصل الأرواح سوى بالرياح؟
هذه الريح تحمل معها سلامَ من نحب وبعضا ممن نحب كشذاه وعطره ربما، ثم إنها تجوبُ الأرضَ كُلَّها بَحثاً عنكَ حتى توصله إليك ، فلربما ذكرك فجأة لمن غاب لا لشيء إلا لأن الرياحَ أوصلت إليك حبهُ وسلامَهُ وعطره؟ بل ولربما كانت الذكريات القديمة تلك لا تُستَثارُ إلا بحركة الرياح هذه!
قد تتصور أنني أحاول الكتابة بطريقة رومانسية فقط عن الرياح لكنني فعلا أعني ما أكتب، فَلَوْ نظرت للحواس الخمس لوجدت أن كلا منها يحتاج وَسَطاً ماديا حتى يحدث الإحساس! فحاسة اللمس تحتاج ذبذبات الإحتكاك بين اليد والشيء الذي تلمسه وحاسة السمع تحتاج الرياح التي تحمل الصوت بل إن الصوت لا شيء سوى الرياح وحاسة الشم تحتاج الرياح التي تحمل جزيئات الشيء الدقيقة فتلقيه فينا وحاسة الطعام تحتاج السوائل التي تذيب الشيء وتفككه حتى تستطيع كيمياء اللسان أن تتذوقه وحاسة البصر تحتاج انعكاس النور على الأشياء! بالمناسبة كان بعض فلاسفة الإغريق يؤمن أن حاسة البصر تحدث من خلال الرياح حين تلقي بعضا من جزيئات الأشياء على أعيُنِنا! فمن أصل خمس حواس بدنية تحتاج الرياح لإثنين منهما بل وتحتاج الرياح لأقربها اتصالا بالدماغ وهي حاسة الشم! لكنني مؤمنٌ بأن الحواس ليست خمسة فقط فهناك حواس لم يكتشفها العلم بعد وهناك ما اكتشفها لكنها ليست مضافة للحواس الخمس كحاسة معرفة وضع الجسم (پروپريوسپشن) فهذه الحاسة تجعلك تتزن من دون أن تحاول ذلك عقليا وحين يموت جزء الدماغ المسؤول عن هذه الحاسة لا تستطيع الحركة المتوازنة!
فإذا كان للبدن المحدود كل هذه الأحاسيس لماذا تستكثر ذلك على الروح اللامحدودة وإذا كانت الرياح مسؤولة عن حاستين من حواس البدن فلا شك أنها مسؤولة عن غالبية حواس الأرواح!
يقول الشاعر الفارسي الشهير جهان الملك ما معناه:
مستعد أن أعطيكَ قَلبي وروحي بكل سعادة إن جلبت لي هذه الريح بعضاً مِن شذى مَن أُحِب
أَشْتَمُّ ذلك الشذى فترتاحُ روحي راحتها الأبدية
فإن لم تجلبي لي يا أيتها الريح بعضا منها
فاجلبي المسك والكافور والعنبر ثم رشي بعض البنفسج والنرجس ذلك عطرها إنها رائحة الربيع
إنها شيءٌ من الجنة!
فاحملي يا أيها الريح سلامي إليه فإن لم أره فإنني على يقينٍ أنه يسمع كلامي ويرد هذا السلام فسلامي عليه وحبي إليه! إن هذا الأعمى كان يرى الريح لأن الريح هي الوسط الذي تحس به الأرواح! إنك لا تحتاج أن تُبصِرَ حتى ترى بِروحِك! وأنا أراكَ بِروحي فلا أحتاجُ أن أُبصِرَكْ يا شيئا من الجَنَّةِ والجِنَّة!

20131111-154809.jpg

4

في الحب والنجوم والأفلاك

سَتَجِدُني هنا َأبحَثُ عنك
إنني لن أَجِدَك أو بالأحرى لا أُريدُ أن أَجِدَك
ذَلِكَ أَنَّكَ حُلُمي الذي لا أُريدُ نِهايته
فأظل خلفك
أسعى
وأسعى
وأسعى
لا يُصَبِّرُني على ذلك السعي سوى الأمل
وما أجمل الأَمَلَ و ما أجمل البحثَ عنك وما أجمل العيش لا لشيء الا للسعي خلفك
ذَلِكَ السعي هو الذي ينظم الحياة والأفلاك والنجوم
ألا تَرى الكواكبَ تسعى خَلْفَ النجوم
والنًُجومَ تسعى حول نفسها
والكونُ يسعى حَولَه؟
فَلَوْ الْتَقَتِ الكواكبُ بِبَعضِها لَعَمَّ الدمارُ الكونَ كُله ولإنتهت الحياة فيه
لكنَّ قوة جاذبية الأفلاك وتضاد تلك القوة ما يجعل الأفلاك تسري و تسعى وتبحثُ عمن تحب
إن ما يدفعني للسعي خلفك هو حبي لك
والحب قوة جاذبة كجاذبية الأفلاك
فإذا كانت الأفلاك تدور في مكانها فإنها لا تدور إلا بوجود جاذبية منها وجاذبية أخرى من الكواكب التي حولها
إذاً حتى لو لم أجدك وحتى لو لم أستمع لشفتيك تنطق بالحب نحوي
فإن سعيي نحوك دليل وجود الحب منك كذلك
أنت تحبني
و إلا ما كنت درت حول فلكك
أنت تحبني كما أحبك فحبي قوة جاذبة تقابلها قوة حبك الجاذبة ولولاهما ما درت في فلكك

0

I Dream therefore I Live

Schopenhauer thought that dream and only dreaming is what keeps us going in this life! And that whenever we achieve one dream we get bored and start looking for another right away. So, he concludes that life is purposeless since we hop from one dream to another without achieving true happiness which is in essence the escape from boredom.

I tend to agree with him that dreaming keeps us living, we are merely dreaming creatures and the whole purpose of our life is achieving the one big dream that each one of us have in their minds. Though, virtually no one achieves his big dream, maybe a glimpse of it if you were a lucky one.

During my last visit to Montreal,my childhood and university friend picked me up to go to one of my favorite restaurants (RUMI), he does not like it much and he complained of why I Insist on choosing it. My excuse was that it’s ambiance takes me back in history, it makes me dream therefore it affects my imagination and my time!
As soon as I stepped into the car, I laughed!

Me: where did all your hair go?!
Him: laughing
Me: imagine you were nine years of age, and I came to you with a prophecy, that at the age of Thirty you would be a bald man, living in a city thousands of miles away from home, in a fall season that is brutally cold far from most of your loved ones. You will be working one hundred and twenty hours per week and on top of all that you would be driving a tiny Japanese car. Imagine I told you that prophecy, what would you do?
Him: laughingly, I don’t know maybe kill myself. By the way we are not at the restaurant yet, how did you get your inspiration without your so called restaurant ambiance?!

Though he lived twenty one more years… He did not imagine that this would be his destiny!

If you look at him, his destiny is wonderful in comparison to others, he has a beautiful small family, he is a very good doctor and he has a one of a kind personality. Imagine the rest of the human race? Their dreams kept them living but it never paid its promise, until death knocked on their doors without any prior notice!

Could you imagine a beautiful dream, one that was interrupted by your morning alarm? Do you remember the vast amount of annoyance when you woke up from it by the alarm?
Death comes this way, it’s nothing but a very annoying alarm that you can not control nor snooze!

The more dream there is in something, the more life you should find within it. We love mysterious people and mysterious stories because they allow us to dream more!

When a child is born, he is nothing but thousands of dreams!
He might become like the mighty Alexander
Or a poet whom thousands of virgins kneel at the beauty of his words!
Or a hero that is unstoppable!
Then him child grows up and the dreams surrounding him diminish!
Hence, when you age you loose the ability to generate dreams around you!

Life in essence is two things; time and dream! They are the only two things we own in this life. If you think deeper you find that one of them is out of your control (time or age), and the other is under your control (dream). Therefore, if you wish to increase life in your age, dream and make your dream limitless.
But all dreams are limited by time?! And we get bored from all dreams once we achieve them. What should we do about that?

Make your dream a limitless one! A dream not limited by time nor age!
Make your dream an immortal one…. your love an immortal love and choose an immortal beloved! Only then you shall not be bored

Only then death shall not disturb you, since it will never be able to cease your ability to dream!

9

عن القلق والأرق

إن الحزن شعور جميل لا يعني التعاسة دوما! إنه يكنس القلب من شوائبه كما تكنس الرياح أوراق الخريف المتكسرة من على قارعة الطريق! إنه الكبريت الأحمر الذي ينقي كل المشاعر من أوهامها التي لا تنتهي!

لكن القلق أسوأ المشاعر إطلاقا! ذلك أن القلق خوف من المستقبل والمستقبل خيال لا حقيقة فيه ولا شيء أسوأ من الخيال الممزوج بالخوف… فالخوف نار وقودها الخيال… إنه لا ينطفيء أبدا إلا إن سيطرت على خيالك الذي لا حد له!

كل شيء إن استغرقت في عمله فإنه سيرهقك!
لكن الإرهاق البدني حين يُجهِدُكْ فإنك تتعب ثم تنام مرتاحا قرير العين، أما التفكير فإن إرهاقه قاتل جداً حيث أنه لن يدعك ترتاح أبدا! وفي هذا الزمن يقلقنا كل شيء لأننا نجعل لكل شيء تافه قيمة عظيمة لا يستحقها! و نعطي حتى لأنفسنا قيمة مهمة مصدرها الغرور والإعجاب بالنفس! ما الذي سيجري إن لم تظهر بمظهر جميل في مهمتك غداً؟ تلك المهمة التي استغرقت أشهرا بالتفكير بها سلبت منك النوم ليال طوال؟ وجعلت منك وحشا كاسرا مع من تحب؟! ذلك عدا أعراض ألم البطن الذي شخصها طبيبك الطاعن بالسن على أنها قولون عصبي و الحموضة التي شخصها طبيب آخر على أنها ارتجاع بالمريء؟!

ما الذي سيتغير من نتيجة ذلك العمل؟
ستستمر الأرض بالدوران
ستشرق الشمس
و ينير القمر
وتجري الرياح تداعب الأمواج وترغم الغيوم على المطر
ثم تأتي الفصول حارة بالصيف باردة في الشتاء بعدما عرت أشجار الخريف
ثم يأتي الربيع بأزهار النوير الصفراء في صحراء بلادك الرائعة
و يأتي عام يتلوه عام ثم ترحل من هنا تاركا ذكراك دون القلق الذي سلب منك سعادتك!

لو جمعت قلق البشر كلهم… أولئك الذين عاشوا على هذه الأرض لآلاف السنين فإنه لا يساوي شيئا الآن! كل قلقهم وآلامهم انتهت ذات النهاية! رحلوا و بقيت الأرض تدور كما كانت تدور!

كل مرة يقلقك شيء تخيل أسوأ السيناريوهات و قل لنفسك انك مستعد للأسوأ دوما! كن شجاعا فلا شجاعة تعادل تخيل الأسوأ والقبول به! فاز باللذات من كان جسورا!
و لا شيء أسوأ من الموت بموازين الدنيا هذه لكننا إذ نرحل من ها هنا فإننا نفد على من خلق ضحكات الأطفال وقبل العذارى و قلب أمك حين كان يسقط على الأرض خوفا حين تتعثر؟! كيف يقلق أو يخاف الوافد على من خلق كل هذا؟!

ذات يوم دخل علي العيادة أبٌ وابنه، كان يريدنا أن نجري عملية لإبنه العشريني! فسألته عن تاريخ ابنه الجراحي فأخذ يسرد لي التفاصيل عن عملية القلب المعقدة التي أجراها ابنه في عامه الأول! وأخذ يسترسل بالشرح ثم وقف فجأة وقال (ولقد حرقوا جزءا من فخذه أثناء إحدى الفحوصات ولم يكد يبلغ أسبوعه الثالث) وقد كان متأثرا والدمع في عينيه وكأن الحرق يجري أمام عينيه الآن! فقاطعت الأبَ والتفت للإبن، قلت له هل تتذكر؟ فضحك قائلا طبعا لا أتذكر شيئا! فقلت له أنظر إلى أبيك كيف يتحدث عن ذلك بقلب يعتصره الألم وكأنه حدث للتو؟!
كيف يقلق من يفد على خالق قلب هذا الأب؟!

يقول نيتشه على لسان زرادشت:
ليس عملا سهلا هو النوم، على المرء أن يهيأ نفسه له بالصحو طوال النهار
عشر مرات في اليوم عليك أن تتجاوز نفسك فذلك يمنح تعبا جيدا! هو زهرة الخشخاش المهدئة للروح!
عشر مرات عليك أن تتصالح مع نفسك، ذلك أن مغالبة النفس مرارة!
والذي لا يتصالح مع نفسه نوما قلقا ينام!
عشر حقائق عليك أن تجد في نهارك و إلا فإنك ستبحث عن الحقيقة في ليلك أيضاً!
عشر مرات عليك أن تضحك في يومك و إلا ستكون حزينا لا تنام في ليلك!

أما أنا فحين تباغتني صنوف الدهر فإني أذكر اسمك ولا شيء أجمل منك! أنت لم تتركني وحيدا يوما! كيف يحزن من كنت معه؟

هيا قم و انفض عنك وهم الخوف لقد مرت على الإنسان أسوأ لياليه حين كان آدم وحيدا في ليلته الأولى خائفا من هذه الأرض الموحشة التي لم يخلق لها ولم تخلق له!
انفض غبار الوهم و تطلع لجنة أبيك آدم فلقد خلقت الله فيها ولها!