2

كان في هذه الدنيا عابرَ سبيل..

هُناكَ من يأتي لهذه الدنيا مثلنا وهناكَ من يأتي ليكون درسا لمن هو مثلنا.. ليكونَ مصدر اطمئنانٍ لنا بأن الخير لا يزول من حولنا وأن السعادة ممكنة من دون الإنقضاض على الدنيا و ما فيها.. هذا النوع من البشر المملوئينَ خيرا لا يزاحمونَ البشر في ما بين أيديهم.. فهم كالغُرَباءِ وعابري السبيل.. تراهم فلا يثير مظهرهم فيكَ شيئا، فلا الصحف تتحدث عنهم ليل نهار ولا كانوا من أولئك الذين يعشقون الأضواءَ وضجيجَ البشر.. هم في الحياة من حولنا ككل الأشياء الجميلة.. فلا يمكن أن تستمر الحياة من دون وجود جمالهم..

هكذا كان الجليل حسن حبيب السلمان.. رجلا لا يعرف مآثره أحد سوى القلة القليلة.. رغم أن عدها وإحصاءها لا يقوى عليه أحد.. فكنتَ تراه هكذا ولا تدري ما هو فعلاً.. ولا تدري جمالَهُ فعلا.. كنجوم الليل وقمر الليل دوماً هنا فنعتبر جمالهم شيئا طبيعيا لا نلتفت له كل يوم.. وكان أعلى ما فيه ليس صوته بل فعله للخير والأيتام و أعظم ما لديه ليس السطوة والحظوة بل ابتسامَةٌ هادئة لا يمكن وصف مفعولها إلا لمن فقدها.. كان عابر السبيل الذي لم يأتِ لهذه الدنيا أو من أجل ما بها.. لأن ما يفعله ليس فعل من يريد المكوث والبقاء فيها..

حين كان مصابا بالذبحة الصدرية التي أدت لوفاته كان يتألم في مقاعد انتظار المستشفى مع زوجته الهادئة جدا كذلك.. وكانت الطبيبة أمامهم تفحص من به التهاب ڤيروسي بسيط فأطالت الطبيبة الحديث مع المريضة فطلبت الزوجة من الطبيبة معاينة الحاج حسن.. فردت الطبيبة أنها مشغولة بمريضتها.. وأنا هنا لا أروي القصة حتى ألوم طبيبته حاشى.. ولكن لأروي رده على زوجته ففي رده اختصارٌ لحياته كلها.. قال الجليل حسن السلمان لزوجته: لماذا طلبتِ من الطبيبة أن تراني.. لا أريد مزاحمة الناس وإزعاجهم!

رغم قدرته باتصال واحد على شحن جيش من الأطباء لم يتصل بأحد.. ولم يشأ إزعاج أحد.. لأنه كان عابر سبيلٍ فعلا..

اتصل بي صديقه العزيز لرؤيته بعد أن انخفض ضغطه وضعف قلبه فلما رأيته مع صديقي جراح القلب محمد البنا في الحادية عشرة ليلا..كان على مشارف الموت.. ذلك كان جليا.. لكن وجهه كان يتحدث.. وإنني أعرف حديث الوجوه المقبلة على الموت.. كان مطمئنا مرتاحا وكأنه يقول أنه اليوم الذي طالما انتَظَرَه وأنه رغم حب الناس له على هذه الأرض فهناك أحبابٌ ورفقاء دربٍ اشتاقت لهم النفس حتى ما عادت تقوى على البقاء هنا في هذه الدنيا.. وأن وقته معنا كان وقت العبورِ فقط لِما سَيَفِدُ عليه الليلة.. فازَ و رب الكعبة..

1

كتبت عن يارا الجميلة

لم تَكُنْ تدري وهي تَلبَسُ هذا الثَّوْبَ.. كم مرةٍ بعدها سترتديه.. ولم تكن تدري متى ستكون أعظم مناسبةٍ ترتدي فيها مثل هذا الثوب الأبيض.. ولعلها.. أقولُ ولعلها سَرَحَتْ في فكرها بعيداً وهي تحدق بكل هذا الجمالِ في هذه الصورة.. سرحت.. حتى تخيلت فارسها الذي سَيُمْسِكُ بِيَدِها حينَ ترتدي الثوبَ الأبيَضَ الحقيقي الذي يشبه ما شاهدته أو سمعت عنه في أساطير الأميراتِ وغيرهن! وتَمَثَّلَت أباها.. صبغَتْ بعضَ شَعْرِهِ لَوْناً كاللؤلؤِ أبيَضاً.. حتى تعطي حلمها عن عُرسِها قليلاً من الواقع.. تمثلت أباها سعيداً وهو يزفها لفارس الأحلامِ ذاك..
لكنني لا أدري.. ما الذي تفكرت به في اللحظاتِ التيّ سَبَقَتْ مَوْتَها.. يارا قتلها الصهاينةُ قبلَ يَوْمَيْن.. فقتلوا فيها كل ذلك الجمال والأحلام.. فكانَ شعر أبوها أسوَداً يَوْمَ عرسها.. لم يكن كما اللؤلؤ!

She had no idea when she was wearing this dress, how many times in the future would she wear it again. She did not know when is the most important (white dress) occasion would come..
I bet that she daydreamed when she took this picture with all this beauty of that day.. I bet she did!
She day dreamt that he took her hand.. A handsome gentleman like those she saw in fairy tales.. After all she looks like a fairy tale princess and she only deserves her match! She also imagined her dad.. But she painted his hair with a pearly color.. To give some reality to her dream.. She imagined that it was her dad most happy day ever!
I do not know however, what she thought about moments before she was killed.. Yara was killed by the Israelis two days ago.. They killed all this beauty cold blooded.. Her dad hair color was black during her wedding in the skies.. It was not pearl colored like she imagined!

4

لإبني ذي الثماني سنوات

ستلتقي يا بُنَيَّ بأشياءَ كثيرةٍ حينَ تَكبُرْ.. أشياءَ رغم خيالكَ الواسعِ هذا لم تَكُنْ تتصور أنها سَتوجَدْ.. ليس من فرطِ جمالها بل من فرط شرورها.. ليست الحياة كما يصورونها لك فيما تحب مشاهدته.. إنها لا تنتهي بالنهايات السعيدةِ إلاّ نادراً.. وإن أبطالَ الخيرِ فيها ليسوا بقوة أشرارها.. إنهم أقل مالاً وعتاداً ونفوذاً.. كما أنهم لا يلبسونَ من تلك الملابس الملونة الفاخرة التي تعشق شراءها! بل إنك كلما رأيتَ مزركَشاً حلو الكلامِ فخرَ الثيابِ فعليكَ الحَذَرُ منه! إن خيرَ هذا العالمِ في البُسَطاءِ والفُقَراءِ الذينَ لا يعرفهم أحد.. أولئكَ الَّذِينَ يَرحَلونَ دونَ صَخَبٍ كشمسِ الصباح وقمر هذا الليل..

و إن أكثر الأشياءِ جمالاً في هذه الحياة أكثَرُها قُبْحاً و أكثَرُها نَفعاً أكثرُها ضرَراً وأكثرُها حلاوَةً أكثرُها مرارة.. وهكذا الناس.. سيكونونَ أكثَرَ من يجلب لَكَ الحزن.. لكنَّ بعضَهُم سيكونُ أكثَرَ من يجلب لك السعادة.. لذا كانت أعظم الفنون التي عليك تعلمها فنون مخالطةِ البشر.. أدري عشقك للحيوان.. لكن مخالطة الحيوانات أسهل بكثير من مخالطة البشر وإن شئت أن ترى ذلك بأم عينيك فما عليكَ إلا أن تَكبُرْ!

يقول الشاعر الإنجليزي الحائز على نوبل (كيپلينج) في قصيدته (إف) لإبنه: يا بني لن تكون رجلا إلا حين تخالط البشر ولا تتغير للأسوأ!

لكنك لن تكون حزيناً فالحصول على السعادة سهل جدا لكنه يحتاج ألف شيء صغير لا تحس به.. منها أن تستمتع برائحة الأرض هذه بعد أن غسلتها مياه المطر، ومنها أن تقبل أطفالك كل ليلة ومنها أن لا تشتكي كثيرا من سوء طعام المطعم الذي سيصطحبك إليه صديقك!

واعلم أن أسوأ أيامكَ قد فات.. حين قبضت عليك عرياناً مختنقاً أزرَقَ اللون.. حتى أننا احتجنا الطبيب ليجعلك تتنفس.. وما إن دخل الهواء جوفك حتى أطلقتَ صرخةً عالية أسأل الله في هذه الليلة أن لا تُطلِقَ مثلها أبدا!
وإن نظرت إلى كل الأشياء بعين الرضا… إن استطعت أن ترى الشيء القبيح فتتذوق الجمال الذي فيه فقط كمن يأكل الشوكولاته المغلفة بالملح فلا يحس إلا بحلاوتها من دون الملوحة! إن استطعت فعل ذلك فإن الله سيجعل كل الأشياء الصغيرة حولك مصدر سعادة هائل… حينها فقط ستنام قرير العين!

0

أوليسيوس و النسيان أو الشوق لذلك الذي يغيب

ما هو سر الغياب؟
فالنسيان يبدأ به
لكن الشوق يبدأ به كذلك
فلماذا نشتاق لبعض ما يخفيه الغياب وننسى بعضه الآخر؟
يقول الفيلسوف الفرنسي بارتيز أن الشوق هو المسافة بين الغياب وبين معرفتنا أن من غاب لم يعد كما كان! أي أن النسيان يبدأ حين نعرف أن من غاب لم يعد ذلك الذي غاب..
وقد قرأتُ ذات مرة أن أقسى عذابات الدنيا هي انتظار من لا يأتي.. إنتظار ذلك الذي غابَ لكنه تغير بفعل ما فلم يعد كما كان..

الإلياذة والأوديسي من أعظم كتب التاريخ وأقدمها وتحكي حروب الإغريق مع طروادة.. أحد أعظم أبطالها (أوديسيوس) أو (أوليسيس) بالرومانية.. حيث كان محاربا ودبلوماسيا ورجلا متعدد المواهب..
أوديسيوس ملك إثاكا وزوج احد اشهر الجميلات (پينوليپي) اتجه لحرب طروادة مع جيوش الإغريق وكان له الفضل في اكتشاف المحارب آخيل كما أنه هو من انتزع جثة آخيل بعد أن قتله پاريس رغم كثرة الأعداء الذين كانوا يمنعونه.. ثم كان أوديسيوس نفسه صاحب فكرة بناء حصان طروادة الذي جعل الإغريق ينهون الحرب لصالحهم..

أما أجمل وأشهر قصصه هو عودته مع أصحابه بعد انتهاء الحرب الى مدينتهم إثاكا.. حيث استمرت عشرة أعوام كاملة!

فبعد أن ترك طروادة توجه مع جيشه الصغير من أصحابه إلى إزمره فاحتلوها وأخذوا غنائمهم لكنهم في الصباح تفاجؤوا بهجوم كثيف عليهم فنجحوا بالهرب لكنهم فقدوا الكثير من رجالهم.. ثم أبحروا بإثنتي عشرة سفينة ففاجأتهم عاصفة رمت بهم على أرض تنتشر بها نباتات اللوتس ويقتات سكانها على هذه النباتات فقط وبينما هم في تلك الأرض وإذا بالوحش السايكلوب يقبض عليهم ويأكل بعضا من رجالهم، وهذا الوحش هو ابن پوسايدون إله البحار لكنه بعين واحدة فقط في رأسه.. ولما رأى الخمر في متاع أوديسيوس شرب الوحش الخمر كله فنام.. أتى أوديسيوس ففقأ عين الوحش الوحيدة فأصبح أعمى لا يرى.. اشتكى الوحش لأبيه من أوديسيوس.. واستمرت مقارعة أوليسيوس لتلك الوحوش حتى عاد إلى إثاكا بعد أن عانى الأمرين.. فوجد الرجال يحاولون الإيقاع بزوجته الجميلة لكنها كانت ترفضهم ولم يعرفه أحد في تلك المدينة فقد تغير وجهه بفعل السنين والحروب.. وبينما كان يسير في أزقة المدينة عوى كلبٌ عجوز.. نظر إليه أوليسيوس وإذا به كلبه الوفي (آرغو).. ذلك البطل الشجاع المغوار لم يتعرف إليه أحد سوى كلبه آرغو..

وهكذا يكون الغياب.. مناسبة للشوق من البعض وفرصة للنسيان من البعض الآخر..

فيا صديقي لا تنسى ذلك الذي كان يملؤ حياتك بالجمال.. لا تنساه..فربما كان هو يذكرك حتى حين نَسيتَه.. لا تنساه! حتى الكلاب لا تنسى أصحابها!

3

لا تبكي هنا

هذه القصيدة لأمريكية تدعى ميري فري.. لم تكتب في حياتها شعرا سوى هذه القصيدة.. قصتها أن جارتها كانت تبكي في أمريكا لأنها لم تستطع حضور آخر أيام أمها في ألمانيا.. وكانت تتمنى أن تزور قبر أمها لتسيل بعض الدمع عليه.. لم يكن لدى ميري فري سوى كيس ورقي فكتبت عليه من فورها هذه القصيدة التي ترجمتها بتصرفي من الإنجليزية:

لا تقف على هذا القبر وتبكي علي

أنا لست هنا.. أنا لا أنام هنا..

أنا آلاف الرياح تهب على وجنتيك

أنا بريق السماء على تلك الثلوج

أنا شعاع الشمس يحنو على تلك السنابل

أنا أمطار الخريف الهادئة

وعندما تصحو من نومك في الصباح.. أنا اليقظة التي ترفعك

أنا أسراب الطيور والنجوم التي تلألأُ ليلا في السماء

لا تقف على قبري وتبكي.. أنا لست هنا.. أنا لا أموت!

ومن أشهر اللحظات التي ألقيت فيها هذه القصيدة هي في جنازة شاب قتيل إثر انفجار قنبلة في ايرلندا الشمالية حيث ألقاها أبوه بعد أن وجدها في ممتلكات ابنه، وهذه هي القصيدة بالإنجليزية حيث إنها من أروع ما قرأت:

Do not stand at my grave and weep

I am not there; I do not sleep

I am a thousand winds that blow,

I am the diamond glints on snow,

I am the sunlight on ripened grain,

I am the gentle autumn rain.

When you awaken in the morning’s hush

I am the swift uplifting rush

Of quite birds in circled flight.

I am the soft stars that shine at night.

Do not stand at my grave and cry,

I am not there; I did not die

26

أقنعة فينيسيا

يقولون قلب الجراح ميت وأقول القلب مخف وكل ما ترون هو الوجه الذي ما هو إلا قناع القلب كأقنعة فينيسيا !

 

في خفارة الجراحة أنت جندي في خط الدفاع الأول! أي هجمة وقصف سيكون عليك! أنت بوجه المدفع بل بفوهته دون خندق يحميك أو درع يقيك. بأول خفارة لي كجراح متقدم التدريب بالسنة٣ كنت المسؤول الأول عن جراحات الحوادث والجهاز الهضمي! كان شعورا غريبا بالفعل كالمترقب لإنفجار بركان. كنت قبل هذه الخفارة متدربا أأتمر بجراح متدرب يخاطب الإستشاري، واليوم ليس إلا أنا والإستشاري الذي هو بمنزله بعيدا بخمسة عشرة دقيقة.

 

اختلطت برأسي كل السيناريوهات المحتملة لهجوم الخفارة الأولى ووضعت خططا عديدة للتعامل معها. السيناريو الأخطر كان وصول مريض مطعون ثم يفقد نبضه فجأة أمامنا!

 

 فالمطلوب بهذه الحالة فتح صدر المريض حالا بغرفة الحوادث وعمل عملية معقدة تسمى (عملية ال اي آر ثوراكوتومي)!

 

 هي أقرب شيء لإعادة شخص إلى الحياة فمن شروطها أن يموت المريض فعلا أمام عينيك.

 

 بين فقدان النبض والموت ثوان أو دقائق لا تتعدى أصابع اليد الواحدة.

 

انتشرت هذه العملية أثناء حرب ڤيتنام وكانت لها القدرة على إنقاذ روح الإنسان بنسبة ١٠٪ فقط! راجعت بمخيلتي ذلك اليوم عشرات المرات كيف أقوم بهذه العملية فالجراح المرابط بالمستشفى هو أنا.

 

بدأت الخفارة… كانت ليلة السبت المصادفة لليلة الهالووين بكندا سيكون هناك الكثير من المشاجرات بالشارع لا شك بذلك … سيكثر شرب الخمر لا شك بذلك أيضاً!

 

الناس ينتظرون حلول المناسبات لِيَحلموا! كل شيء يُسعِدُ الإنسانَ يَرْتَبِطُ بجانبٍ أو بآخر بالأحلام ،  والمناسبات مَدخَلٌ للحلم والنسيان دون سعادة غالبا!

 

فعلاً وكما توقعت بدأ دخول المرضى كالسيل! أولهم كان صاحب بقالة طعنه أحدهم عندما رفض دفع ثمن البيرة، رأيت الأشعة بها هواء خارج الرئة. شرحت للطبيب المتدرب معي أن المريض يحتاج لأنبوب لإخراج الهواء وإلا اختنقت الرئة، يجب ادخال الأنبوب بسرعة! شرحت له كيفية ادخال الأنبوب وقام هو بذلك: فتح الجلد بسكينة فخرج الشحم والدم ثم بضربة أخرى بالمشرط ظهرت عضلات الضلوع!

 

الآن لاتقطع العضلات بل فرقها ثم أدخل الأنبوب وخيطه! استغرق ١٠دقائق! قلت له يجب أن تعملها بدقيقة فأحيانا لا وقت لدينا نضيعه. واستمر مجيء المرضى أحدهم طعن برقبته آخر طعن ببطنه وبعض جرحى حوادث السيارات! كانت ليلة ليلاء!

 

الساعة الآن الثالثة صباحا لم ننم لحظة منذ السادسة صباحا من اليوم الذي قبله، ورنين الپيجر يصم أذني!

 

أتصل فإذا وحدة العناية القلبية..لديهم مريض بوحدة العناية القلبية ٣أيام بعد عملية قلب مفتوح لديه آلام شديدة بالبطن وضغطه بإنخفاض!نزلت للوحدة بالطابق الحادي عشر حيث كنت بالطابق الثامن عشر، فحصت المريض قلت لطبيبة الباطنية يجب أن نفتح بطنه بالعمليات حالا، ضغطه ينخفض من شيء ما في بطنه، ربما بسبب عملية القلب المفتوح التي عملها قبل ثلاثة أيام حيث من مخاطرها انخفاض سيلان الدم للإمعاء والقولون فيموت جزء منهما. يجب إعطاؤه أدوية لرفع ضغطه خلال وريد رئيسي. تعقمت وبدأت بإجراء عملية إدخال الأنبوب بالوريد الرئيسي بالرقبة لإعطائه أدوية تبقيه حيا حتى وقت العمليات!

 

الپيجر يرن أثناء إجرائي عملية أنبوب الوريد هذه المرة من غرفة الحوادث مع صوت آلي يرتفع بأروقة المستشفى كلها:

على فريق الجراحة التوجه لغرفة الحوادث حالا

على فريق الجراحة التوجه لغرفة الحوادث حالا

على فريق الجراحة التوجه لغرفة الحوادث حالا

 

 

 

 

قلت للطبيب المتدرب اذهب وتقصى الخبر فإذا كان إنذارا جديا وكانت الحالة تستدعي قدومي اتصل علي لآتي فلا أحسب مريض الحوادث بحالة أخطر من هذا المريض بوحدة العناية القلبية، هذا يموت أمامي!

 

بعدها بدقيقة اتصل!

 (موهامد) هو يقول اسمي بالإنجليزية!

نعم ماذا لديك؟ قلتها بسرعة

رد قائلا بصوت يتحشرج خوفا: لدينامريض١٩سنة ٢٢طعنة بالظهر! نبضه ١٩٠! لا لحظة! وقف نبضه الآن!

 

صرخت: قادم حالا!

Keep him alive!

ركضت كيوسين بولت في أولمبياد بكين! متخيلا خطوات عملية ال اي آر ثوراكوتومي

هذا الفتى يحتاجها الآن!

 

وصلت وإذا عشرين ممرضا وطبيب حوادث وشرطة! وضعت يدي على رقبته فلم يكن هناك نبض! 

 

طلبت منهم فتح عدة الإي آر ثوراكوتومي

 

فتى أسمر اللون مسحوب العينين غارق بدمائه تسيل من على حافة السرير على رجلي! أزيز الأجهزة الطبية يحوم في الغرفة منذرة أن روحا هنا على وشك الرحيل بكل ما كانت تملك ولم يكن ما ملكته كثيرا..فالصبي لم يأخذ فرصته بالحياة هو بالتاسعة عشرة فقط!

هل عشق؟ هل عانى من إزعاج رئيسه في عمله؟ هل سهر ليلة أو أخرى مكتئبا من مشاغل الحياة؟! لا أظن!

 

فتحت العدة! قبضت على السكين مستعدا لقطع صدره بالعرض!

 

قطعه لنصفين!

 

الهدوء يلف المكان وستون عينا ربما على المشرط!

 

الفتى ينزف حتى الموت وأنا أمامه قابضا على المشرط لفتح قلبه!

 

قبضت على السكين وطبيب الحوادث يشعر بترددي الغير معتاد و يهمس

 

Go

 

 

فرصة هذا الشاب إن بدأت بهذه العملية بالحياة لا تتجاوز ال٣٠٪ واقعا هو ميت الآن!

 

ثلاثة أطباء وأنا لم نحس بالنبض! كنت أراجع نفسي قبل أن أبدأ! قررت أن أعيد الفحص! كل الأفكار تدافعت وطبيب الحوادث بين ال g والo جزء من الثانية!

 

وضعت يدي على رقبته! طبيب الحوادث غاضبا يصرخ: لماذا تعيد فحص النبض إقطعه الآن بالسكين!

 

يدي على رقبته! أحس بشيء يتلوى

 

صرخت و كأنها أحد لحظات اليوريكا: هناك نبض!

 

هنا تغيرت الخطة يجب الذهاب إلى غرفة العمليات بعد وضع أنبوب برئته اليمنى ثم اليسرى بأسرع وقت!

 

نحن نصارع الموت و دقات الساعة والخوف! نحن نصارع إنسانيتنا!

 

إبدأ پروتوكول نقل الدم!

 

اتصل بغرفة العمليات قل لهم نحن قادمون الآن! اتصل على الجراح المسؤول وطبيب التخدير!

 

قمت بإعطاء هذه الأوامر بينما يدي تقطع جرحا صغيرا كاف لإدخال أنبوب الرئة اليمنى! خرج الشحم وشعيرات الدم الصغيرة عند الجلد تنزف!

 

فرقت عضلات الأضلاع و بإصبعي وسعت الفتحة! بدأ الدم بالتدفق كالنافورة! أصاب وجهي!

 

أدخلت أنبوبا بقطر ١٠٠فلس وأنا أسحب إصبعي من داخل الصدر!

 

انتقلت للجانب الأيسر وقمت بذات العملية! هنا لدينا أقل من دقيقة لوضع الأنابيب و …..پڤ! صوت يخرج عندما تدخل إصبعك بالقفص الصدري فيتدفق الدم وبعض الهواء!

 

لدى الإنسان ٥-٦ لترات دم! خرج من صدر الفتى الأيمن ٣ لترات و من الأيسر لتر واحد! خيطنا الأنبوبين واتجهنا لغرفة العمليات!

 

ونحن نخرج من غرفة الحوادث وإذا بالشرطة والمسعفين يدخلون بمريض مطعون ببطنه! وضعت يدي عليه وإذا ببطنه يابسا كالحجر!

 

كان نبض المريض الجديد جيدا لكن تيبس البطن بعد الطعن يعني أن هناك تسمما من اختراق الإمعاء بالسكين! يجب أن يذهب للعمليات بأسرع وقت. رباه! ما العمل الآن لدينا ثلاثة يصارعون الموت الآن الفتى النازف ومريض وحدة القلب والمريض المطعون ببطنه! لا شك أن الفتى النازف هو الأولى ثم سنقرر من التالي!

 

اتجهنا بالفتى النازف لغرفة العمليات تعقمت وأنا أكلم الجراح المسؤول بالهاتف!

كان على الطريق!

 

دخلت غرفة العمليات وإذا من حسن حظي أن أمهر طبيب تخدير كان موجودا..خفة دمه لا يعلى عليها: صاح بلكنته الألمانية السويسرية جمال ليلتك هذه مجنونة، أنت سيء الحظ فعلا.

 

طلبت من الممرضة السكينة فتحت الصدر الأيسر بالعرض بضربة واحدة كنت بالشحم! ضربة أخرى قطعت عضلات الضلع وإذا بالرئة كبالون وردي جميل..

 

كان هناك لترين آخرين من الدم بالقفص الصدري الأيسر وجرح بالفص السفلي الأيسر ينزف دما وهواء فيخرجان معا كرذاذ المطر من الرئة الوردية!

 

المصيبة أن منبع الدم ليس من الرئة بل من شرايين الأضلاع الخلفية..قرأت عنها مرة أنها من أسوء الجراح التي يمكن إصلاحها، فسبب صعوبة جرح شرايين الأضلاع الخلفية أنها متصلة مباشرة بأكبر شريان بالجسد الشريان الأورطي، كما أنها عميقة ومخفية من الرئة!

 

قطعت كل مايربط أسفل الرئة بالقفص ورفعتها هنا وصل الجراح المسؤول!

 

What do you have in here?

 

قالها مذهولا وتبعها باللعنات!

 

رفع الجراح المسؤول الرئة وطلب من طبيب التخدير أن يوقف الهواء إن استطاع بالرئة اليسرى حتى تصغر فنستطيع إيقاف النزيف!

 

كلما كان طبيب التخدير يقلل الهواء بالرئة اليسرى كلما انخفض الأوكسجين بالدم! لم نستطع تصغير الرئة! رؤية موضع النزيف بدقة شبه معدومة!

 

هنا قال الجراح المسؤول سأرفع الرئة سينخفض الأكسجين عليك الإحساس بالنزيف وخياطته! لا أدري إن كان هناك شيء آخر نستطيع فعله!

 

الفتى يموت..

 

طلبت من الممرضة أطول حامل إبرة رفع الجراح الرئة رأيت مكان نزيف هنا وقف الكون أمامي فجأة ولم أكن أرَ إلا موضع النزف!

 

قبل القيام بحركة صعبة دائماً يمر علي شريط جميل من ذكريات الطفولة والصحبة والحب! لاتسألني لماذا لكن دائماً أعيش لحظة حس مرهف كهذا قبلها! ربما تمر هذه اللحظات الجميلة لتطمئنني أن هناك متسع من الوقت..حينها أشعر براحة عجيبة وأنسى الضغط النفسي الرهيب. ربما تجعلنا ننسجم مع الطبيعة حولنا فنصبح واحدا!

 

أول مرة رأيت زوجتي

أول سقوط للثلج

عندما أذنت بأذن علي ابني الأول

فنجان الشاي مع من أحب

الأشياء البسيطة تريحنا حتى في أعقد اللحظات و أصعبها!

 

كانت الإبرة بالكاد تصل لموضع النزيف خيطته بالإحساس فقط..بشكل رقم الثمانية الإنجليزي وأعدت الحركة خمس مرات..خف النزف كثيرا!

أخذنا الدباسة الجراحية التي تدبس ثم تقطع لإستئصال الفص النازف!

وضعنا الكثير من المناشف الجراحية بالقفص الصدري الأيسر وانتقلنا لليمين!

فتحنا القفص الصدري الأيمن مرة أخرى كانت شرايين الأضلاع الخلفية تنزف هناك! أصلحناها بصعوبة. ما بالهم يقولون أن الطب متطور بينما نحن نستخدم ذات الآلات الجراحية منذ القرن السابق: خيط من الپرولين ذات الخيط المستخدم في صيد الأسماك ذات الخيط الذي أصطاد به على اليال بالكويت طفلا..أصطاد به الشرايين والموت الآن..وقف النزيف تقريبا لكن في ذلك الوقت كان الفتى بين الحياة والموت..يجب الآن الخروج من العمليات للإنعاش بأسرع وقت!

لم نخيط صدر الفتى..تركناه مفتوحا مليئا بالمناشف الجراحية، فإن خيطنا صدره سنضيع وقتا ثمينا قد يكلف المريض حياته ثم نقلناه للإنعاش بنبض سريع جداً وحرارة منخفضة: هذه علامات ليست جيدة لكن الأعجوبة أنه مازال حيا!

 

تنفس الجراح المسؤول الصعداء!

 

كان الشرطة ينتظرون بالإنعاش قالوا لنا أن من طعن الفتى ٢٢طعنة ليلة الهالووين كان يرتدي زي سوپرمان!

 

قلت للجراح المسؤول: لدينا ٢آخرين!

 

قال لم أرَ ليلة مثل هذه منذ زمن!

أجبته نعم لوهلة خيل لي أنها الفلوجة وليست مونتريال! ضحك ولازال يروي القصة بعنوان الفلوجة إلى يومنا هذا..

بعد العمليات وصلت المنزل ١٢ظهرا! ٣٠ساعة من دون نوم..رأت زوجتي البالطو الأبيض الغارق بالدماء! علمت أنها كانت ليلة ليست ككل الليالي!

 

انتقلت لمستشفى آخر وبعد شهر مررت على المستشفى الذي يرقد به الفتى رأيته من بعيد خلال زجاج الغرفة! كان من المقرر أن يرحل للمنزل غداً!

الفتى لايعرفني! التقيته مغلق العينين بين الموت والحياة! لم أشأ الدخول عليه كان مع أمه وأبيه! نظرت إليه مكفكفا دمعي الذي أتى خلسة من دون ميعاد!

 

أن تلتقي شخصا يفارق الحياة ثم تراه بعدها ضاحكا مع والديه كأن شيئا لم يكن ذلك شيء رهيب!

 

الوجه لا يعبر عن القلب دائماً

2

إنما الموت موت الذكر في قلب من تحب

كيف يحب هذا الشجر؟
كيف يعشق وكيف يفقد من يحب ثم يتحمل كل هذه الذكرى فيظل واقفا؟
كيف يا ترى يقف الشجر رغم كل هذا الألم؟

و ما هو الموت؟
هل هو غياب من نحب تحت الثرى؟
أم هو غياب ذكرى من نحب في الذاكرين؟

أعني ما الفرق بين من يكون حاضرا بجسده أمامك لكن عقله بعيد عنك وبين من يكون حاضرا بجسده وعقله من دون أن يلتفت عقلك أنت إليه وبين من يغيب عنك لكن عقلك لا يزال متعلقا به؟

ما هو الحضور و ما هو الغياب؟

أولئك الذين غيبهم التراب لكنهم لا زالوا حديث مجالسنا هل هم ميتون حقا؟
أليس الذكر كافيا كدليل على الحياة؟
إننا لا نذكر إلا من كان يملؤ حياتنا بالحياة… فكيف نُميتُهُم وهم كانوا مصدر فرحنا و حزننا؟
كيف يموتون وهم لهم في كل حرفٍ ذكرى
و كيف نُميتهم و أصداء ضحكاتهم لا زالت تملؤ الأرجاء؟

عملت في كليفلاند كلينيك لسنة كاملة مع الدكتور فيليب شاور الجراح الأشهر ربما في أمريكا قبل عودتي النهائية هذا الشهر للكويت وبعد أربعة عشرة سنة قضيتها متنقلا بين بريطانيا وكندا.
كان يوم الأربعاء هذا الحادي عشر من ديسمبر موعد وصوله للكويت لإلقاء محاضرات في مؤتمر السمنة الخليجي الأول، فاستقبلته في المطار احتراما له كمعلم وأستاذ ورغم تعب رحلة سفره إلا أنني عرضت عليه العشاء ومن شدة نشاطه الذي لا يمكن هزيمته بالتعب وافق على هذه الدعوة!
وبينما كنا نتجاذب أطراف الحديث في السيارة سألني إن كان هو حدثني عن طالب كويتي عاش في منزلهم في الستينات من القرن السابق… فأجبته بأنني لا أذكر ذلك!
رد فيليب شاور قائلا: مستحيل… كيف لم أحدثك عنه؟!!!
كنت أنا في التاسعة من عمري واستضفنا كويتيا في ريعان شبابه قدم لدراسة اللغة قبل التحاقه بجامعة كولورادو لدراسة الهندسة! كان إنسانا عجيبا! كانت أمنا تحبه كواحد منا وكنا نحبه كأخ لنا!
لا أستطيع وصف التميز في هذا الرجل المذهل ورغم أنني أنا فيليب كنت في التاسعة من عمري لكنني كنت معجباً به جداً وكذلك كل عائلتي!
هذه المرة الخامسة التي أزور فيها الكويت ربما وفي كل مرة أسأل عنه فلا يجيبني أحد! اسمه جعفر أسيري!

قلت له… إن كان مميزا بهذا الشكل وكان من أوائل الكويتيين الدارسين للهندسة بأمريكا فلا بد أن يكون مشهورا جداً الآن… أحتمل أنه ليس على قيد الحياة وإلا كنت عرفته!
وضعت صورة الدكتور شاور والدكتور موسى خورشيد الذي التحق معنا للعشاء في انستاغرام وذكرت أن الدكتور شاور يرغب بلقاء جعفر أسيري… بطل طفولته!

و إذا بالصدمة تأتي!

جعفر أسيري حاز على شهادة الماجستير والدكتوراه بأمريكا ثم عمل كأستاذ في كلية الهندسة قبل أن يصبح عميدا لكلية الهندسة في جامعة الكويت وهو بالثلاثينات من عمره! كما أنه كان مميزا ومحبوبا جداً!

ثم إنه تزوج من الأستاذة سوسن المراغي عام ١٩٨٤ وأنجب منها طفلتين… فرح وفجر… ثم التحق بجامعة العين كأستاذ زائر لكنه وفي أثناء عودته بالسيارة إلى الإمارات شهرين فقط بعد تحرير الكويت، توفاه الله بحادث أليم وبالشهر ذاته الذي شهد ولادة طفلتيه… شهر نيسان!

أصيب الدكتور شاور بالحزن حين علم بذلك وأصر على اللقاء بعائلته الصغيرة الرائعة رغم أنه مسافر اليوم عصرا!
كان اللقاء جميلا ومليئا بالحديث عن الذكريات التي لم يكن أحبابه على علم بتفاصيلها!

هل لك أن تتخيل أن يأتي أحدهم نيفا وعشرين سنةً بعد وفاة من تحب… يأتي عبر البحار من عالم آخر… وآخر عهده بحبيبك خمسين سنة ليخبرك كم كان ذلك الذي تحب رائعا؟!
أنا لا أستطيع تخيل ذلك!

والأعجب أن ذلك الكويتي الذي كان بالثامنة عشرة من عمره أصبح شخصا ناجحا جدا وعميدا لأهم الكليات في الثلاثينيات من عمره وذلك الأمريكي الذي لم يتجاوز التاسعة أصبح أشهر جراح أمريكي والرجل الثاني في أشهر مستشفيات أمريكا… كليڤلاند كلينيك!

لا شك أن ذكر الأحباب حياةٌ لهم
ولا شك أن الموت ليس موت الجسد
إنما الموت موت الذكر في قلب من نحب، لذا كان الحب حياةً لا تستطيع قتلها السنين مهما طالت!
فلا تنسى من تحب… يا صديقي
لا تنسى ذلك الذي كان يملؤ حياتكَ بالحياة!

20131213-155542.jpg

1

الحسين للجميع

إن الأبعاد كلها نسبية ووهمية ولعل أكثرها وهما هو الزمن!

إن نمت ألف عام ثم صحوت من نومك ما الذي سيعنيه لك الألف عام؟!

لا شيء!

فلا تلومَنَّ من سجنته الذكرى! ذلك أن الذكرى أهم من الزمن والفَقيدُ ليسَ كَكُلِّ فقيد!

فيا صديقي لا تجعل رفضك لمظاهر الحزن على الحسين مانعاً من معرفة الحسين!

ذلك أن الحسين لخص الإنسانية كلها في ما فعل، لخص الجمال والحب والشجاعة والعز والعشق! ثم أهدى البشرية جمعاء ملحمةً للهدى لم يستطع أحد بعده أن يكتب مثلها! حين كان ينزف دما بعد أن رمي بالسهم في فمه تراه يخرج السهم وتفور الدماء فيلقيها إلى السماء قائلا:
هون علي ما نزل بي أنه بعين الله!

تركت الخلق طُراًّ في هواكَ
وأيتمت العيالَ لكي أَراكَ
فلو قُطِّعتُ في الحب إرباً
لما حنَّ الفُؤادُ إلى سِواكَ

ولا أدعوك هنا أن تقرأه قراءة سياسية ولا أدعوك أن تؤطره بمذهبٍ أو صفة! أدعوك فقط أن تقرأ ملحمة كربلاء، اليوم الذي وقعت فيه المعركة فإنك فيها ستعيش ملحمة إنسانية قل نظيرها. ما بالنا نقرأ ملاحم الإغريق وغيرها لكننا حين نأتي للحسين أحد حفيدين فقط لرسول الله محمد نقف ونُشيحُ وُجوهَنا؟

وإن من أعظم قصص الحسين الإمام العظيم قصص رفاقه وأبنائه!

ذلك الذي كان يجود بنفسه متألما من طعن الرماح وجراح السيوف (مسلم بن عوسجة) فلما أتاه رفيق دربه حبيب بن مظاهر ذلك الصحابي البدري أتاه مع الحسين فحملوا رأسه من على التراب وطلب منه حبيب أن يوصيه بما يحب!

طلب حبيبٌ من مسلم بن عوسجة أن يوصيه بما يشاء ويحب فأشار إلى الحسين وقال: أوصيك بهذا الغريب… أن تموتَ دونه!

أينَ أهلُكَ يا مسلم؟ أين زوجك؟ أين أبناؤك؟ لِمَ لَمْ توصِ بهم؟! ولم توصِ إلا بسبط رسول الله الأكرم الوحيد؟!

وحين كانت زوجة أم وهب المسيحي ترفض قتال زوجها مع الحسين بداية المعركة لكنها أتت بعمود لتقاتل فتعجب وهب! سألها ما الذي غير رأيَكِ؟ قالت فداك أبي و أمي… قاتِل دون الطيبين ذرية محمد! فسألها ما الذي غير رأيكِ؟ قالت: إن واعية الحسين قطعت قلبي! ألا من ناصرٍ ينصُرُنا؟!

وهناك قصة لكل واحد من الإثنين والسبعين شهيدا من أصحاب الحسين وفي كل قصة عبرة وملحمة تحلق بروحك بعيدا. هذه العبر الروحية أساطيرٌ حقيقية لا تفوق حدود المذهب فقط بل حدود الإنسان والبدن والدين… هي عِبَرٌ تفوقُ كل حد!

فلا تجعل خلافك لمذهب أن يمنع روحك من الإستزادة من كنوز كربلاء فإنها للجميع، ليست للشيعة فقط وليست للمسلمين فقط وليست حتى للإنسان فقط … هي للكون أجمع!

كان في معسكر الحسين من قد يكون سنيا اليوم وكان في معسكر يزيد من قد يكون شيعيا اليوم!

9

عن القلق والأرق

إن الحزن شعور جميل لا يعني التعاسة دوما! إنه يكنس القلب من شوائبه كما تكنس الرياح أوراق الخريف المتكسرة من على قارعة الطريق! إنه الكبريت الأحمر الذي ينقي كل المشاعر من أوهامها التي لا تنتهي!

لكن القلق أسوأ المشاعر إطلاقا! ذلك أن القلق خوف من المستقبل والمستقبل خيال لا حقيقة فيه ولا شيء أسوأ من الخيال الممزوج بالخوف… فالخوف نار وقودها الخيال… إنه لا ينطفيء أبدا إلا إن سيطرت على خيالك الذي لا حد له!

كل شيء إن استغرقت في عمله فإنه سيرهقك!
لكن الإرهاق البدني حين يُجهِدُكْ فإنك تتعب ثم تنام مرتاحا قرير العين، أما التفكير فإن إرهاقه قاتل جداً حيث أنه لن يدعك ترتاح أبدا! وفي هذا الزمن يقلقنا كل شيء لأننا نجعل لكل شيء تافه قيمة عظيمة لا يستحقها! و نعطي حتى لأنفسنا قيمة مهمة مصدرها الغرور والإعجاب بالنفس! ما الذي سيجري إن لم تظهر بمظهر جميل في مهمتك غداً؟ تلك المهمة التي استغرقت أشهرا بالتفكير بها سلبت منك النوم ليال طوال؟ وجعلت منك وحشا كاسرا مع من تحب؟! ذلك عدا أعراض ألم البطن الذي شخصها طبيبك الطاعن بالسن على أنها قولون عصبي و الحموضة التي شخصها طبيب آخر على أنها ارتجاع بالمريء؟!

ما الذي سيتغير من نتيجة ذلك العمل؟
ستستمر الأرض بالدوران
ستشرق الشمس
و ينير القمر
وتجري الرياح تداعب الأمواج وترغم الغيوم على المطر
ثم تأتي الفصول حارة بالصيف باردة في الشتاء بعدما عرت أشجار الخريف
ثم يأتي الربيع بأزهار النوير الصفراء في صحراء بلادك الرائعة
و يأتي عام يتلوه عام ثم ترحل من هنا تاركا ذكراك دون القلق الذي سلب منك سعادتك!

لو جمعت قلق البشر كلهم… أولئك الذين عاشوا على هذه الأرض لآلاف السنين فإنه لا يساوي شيئا الآن! كل قلقهم وآلامهم انتهت ذات النهاية! رحلوا و بقيت الأرض تدور كما كانت تدور!

كل مرة يقلقك شيء تخيل أسوأ السيناريوهات و قل لنفسك انك مستعد للأسوأ دوما! كن شجاعا فلا شجاعة تعادل تخيل الأسوأ والقبول به! فاز باللذات من كان جسورا!
و لا شيء أسوأ من الموت بموازين الدنيا هذه لكننا إذ نرحل من ها هنا فإننا نفد على من خلق ضحكات الأطفال وقبل العذارى و قلب أمك حين كان يسقط على الأرض خوفا حين تتعثر؟! كيف يقلق أو يخاف الوافد على من خلق كل هذا؟!

ذات يوم دخل علي العيادة أبٌ وابنه، كان يريدنا أن نجري عملية لإبنه العشريني! فسألته عن تاريخ ابنه الجراحي فأخذ يسرد لي التفاصيل عن عملية القلب المعقدة التي أجراها ابنه في عامه الأول! وأخذ يسترسل بالشرح ثم وقف فجأة وقال (ولقد حرقوا جزءا من فخذه أثناء إحدى الفحوصات ولم يكد يبلغ أسبوعه الثالث) وقد كان متأثرا والدمع في عينيه وكأن الحرق يجري أمام عينيه الآن! فقاطعت الأبَ والتفت للإبن، قلت له هل تتذكر؟ فضحك قائلا طبعا لا أتذكر شيئا! فقلت له أنظر إلى أبيك كيف يتحدث عن ذلك بقلب يعتصره الألم وكأنه حدث للتو؟!
كيف يقلق من يفد على خالق قلب هذا الأب؟!

يقول نيتشه على لسان زرادشت:
ليس عملا سهلا هو النوم، على المرء أن يهيأ نفسه له بالصحو طوال النهار
عشر مرات في اليوم عليك أن تتجاوز نفسك فذلك يمنح تعبا جيدا! هو زهرة الخشخاش المهدئة للروح!
عشر مرات عليك أن تتصالح مع نفسك، ذلك أن مغالبة النفس مرارة!
والذي لا يتصالح مع نفسه نوما قلقا ينام!
عشر حقائق عليك أن تجد في نهارك و إلا فإنك ستبحث عن الحقيقة في ليلك أيضاً!
عشر مرات عليك أن تضحك في يومك و إلا ستكون حزينا لا تنام في ليلك!

أما أنا فحين تباغتني صنوف الدهر فإني أذكر اسمك ولا شيء أجمل منك! أنت لم تتركني وحيدا يوما! كيف يحزن من كنت معه؟

هيا قم و انفض عنك وهم الخوف لقد مرت على الإنسان أسوأ لياليه حين كان آدم وحيدا في ليلته الأولى خائفا من هذه الأرض الموحشة التي لم يخلق لها ولم تخلق له!
انفض غبار الوهم و تطلع لجنة أبيك آدم فلقد خلقت الله فيها ولها!

8

قبل أن أموت أريد أن

مررت اليوم بسوق في مدينة كليڤلاند و إذا بلوحة سوداء كبيرة تعلوها جملة: قبل أن أموت أُريدُ أَن….
والدعوة واضحة أن تكتب أنت تكملة الجملة! و قد كنت على دراجتي مسرعا لكنني ما إن رأيتها إلا و تنحيت من الشارع الرئيسي مسرعا باتجاه اللوحة كمن وجد كنزا كان يبحث عنه منذ زمن! التقطت الطباشيرة وأنا ما زلتُ راكبا دراجتي فَكَتَبْتْ:

قَبْلَ مَوْتي أُريدُ أن أموت عاشقا لك!

وكم منا سيموت وهو لم يحقق شيئا مما كان يحلم به؟! كلنا ربما؟! فإذا كان كذلك فَلماذا كل هذا المجهود الذي نبذله في سبيل تحقيق أحلامنا؟ هذا سوى الشر الذي يبذله البعض في سبيل تحقيق رغباتهم التي لا ولن تتحقق؟!

ولماذا لا تتحقق رغبات الإنسان قبل موته؟

لأن هذه الرغبات لا حد لها و ما لا حد له ليس مكانه الدنيا المحدودة الفانية! فَقد جعل الله الرغباتِ هذه دونَ أي حَدٍّ حتى تتيقَّنَ أن هناكَ عالَماً لا حد له و خلوداً لا حد له و حُباًّ لا حَدَّ له!
ولكننا بدلاً عن استيعابِ ذَلِكَ أخذنا نستخدم الوسائل السيئة من دون حد لنصل الى تحقيق هذه الرغبات!

وَ رَغبَتي بحبك خالدة فإن كُنتُ على يَقينٍ أنني لن أحقق كل ما أريدُ قبلَ موتي فَلَقَدِ اختَرتُ أن أموتَ في سبيلِ تَحقيقِ أعظَمِ رَغَباتي!

وَ بَعدَ أن كَتَبتُ ذلكَ على تِلْكَ اللوحةِ اندهشت من سرعة إجابتي على ذلك السؤال و كأنني كنت أفكر بما أريد فعله قبل موتي دائماً! لكن هذه البديهية فيما كتبت إن دلت على شيء فإنما تدل على شدة تعلقي بك!

سأظل أذكرك بهذا و أظل متفاخرا بهذا الموقف إن لُمْتَني على عدم السعي لك!

أن أموت عاشقا لك ذلك ما أريد قبل موتي فَاذكُر ذلك لي عند موتي!

20131013-003905.jpg