1

موضوعٌ ممل جدا.. فلسطين

كنتُ سأكتب الليلة عن أي شيء إلا ما سأكتب عنه في السطور التالية.. لكنني خفت أن أُساءَلَ يوماً ما.. أنتي كتبت عن كل شيء.. عن السماء والأرض والوجوه الجميلة المُوَرَّدة ولم أكتب عنها!

الأشياءُ التي نفعلها.. كل شيء تفعله له أسبابٌ تستطيع أن تشرحها للآخرين.. لكنك إن بحثت بعمق.. إن بحثتَ في قاع نفسك.. في الأماكن التي لا يصلها الضوء والأماكن التي لا يعلم عنها أَحَدٌ شيئاً.. إن بحثت في تلك الأماكن ستجد شيئاً مكنوناً.. سراًّ قد يبدو صغيرا في البداية.. لكن ذلك السر فعلا هو الدافع الحقيقي لما تفعل.. كل ما هنالك أنك لا تستطيع البوحَ به أحياناً وأحياناً أخرى لا تستطيع التعبير عنه.. وهكذا كل شيء في الحياة يجري لسر مكنون.. هل يعلم الشجر لم يُثمِرُ بعضه صيفا كالنخيل ويثمر بعضه الآخر في الربيع؟ هل يدري الشجر لِمَ يُثمِر؟! حين تفكر في تلك الأسئلة قد تبدو لك أسئلةً مملة.. لكنها واقعاً تُجيبُكَ عن حقيقة الأشياء!

والقدس وفلسطين يا صديقي أصبح موضوعا مملا جدا.. مللنا الحديث عنه.. لأننا كلما تحدثنا عنه لا نفعل شيئا..
القدس سر أمتنا وسر أمم الأرض كلهم.. ألا ترى أن أكثر الأشياء سرا وغموضا ورمزية في ديننا كان معراج الرسول منها؟ إن سر الإنسان وحقيقته تتجلى في رسول الله وإن سر الأرض في القدس.. فكانت هي مجمع أسرار الإنسان والأرض! كيف يفرط أيا كان بمفاتيح الأسرار كما فرطنا نحنُ فيها؟!

هل تدري يا صديقي أن نيوتن العالم الشهير بعد اكتشافاته العظيمة ترك علم الفيزياء وكل العلوم ثم أفنى بقية حياته في دراسة القدس من كتب العهد القديم والجديد حتى يكتشف موعد ظهور المسيح وموعد نهاية الأرض؟! وهل تدري أنها من تحرك سياسات العالم الحديث، إذ أن من يسيطر على عالمنا اليوم أمريكا ومن يسيطر عليها هم اليمينيون المسيحيون الذين يؤمنون أن مسيحهم لن يخرج إلا إذا كانت محتلة من اليهود؟! هذا كلام لم أقرأه وإنما عشته وتناقشت فيه معهم حين كنت أعمل في الولايات المتحدة!

وإنها اليوم محل اختبار الإنسانية حيث تتحطم أمامها كل ادعاءات المدنية الغربية الحديثة.. هذه المدنية التي لا تقيم لدمي ولا لدمك وزناً.. ها أنت ترى ذلك كل يوم أمام عينيك على وجبة فطورك الذي تزدحم بالأطعمة كما تزدحم فلسطين اليوم بالدماء.. وها أنت تسمع ذلك بأذنيك من مذياع سيارتك الفارهة التي تزدحم بالرفاهية كما تزدحم فلسطين اليوم بالصراخ!

أدري ان موضوعي الليلة ممل جدا وأدري أن البعض ربما ترك قراءة هذا المقال إذ سمع كلمة فلسطين.. لكنك يجب أن تهتم بها.. فإننا وإن لم نحررها فإن موعد دخولنا مرة أخرى مسألة وقت.. سيخرج من أصلابنا رجالٌ ونساءٌ أكرمَ منا.. سيحررونها.. لكنهم سيلعنونا يوماً إن قرأوا ما كنا نفعل حين كانت تغص بالموت والدم ولعب الأطفال المحطمة والقلوب المحطمة..

القدسُ يا صديقي سر وجودك.. إنها السر الدفين الذي أوجدنا وأوجد هذه الأمة.. فلا تغض الطرف عنها.. إنها محل النفس في نفسك!

3

پومپي

كلكم سمع عن پومپي تلك المدينة الجنوبية الإيطالية الساحرة والتي اختفت من الوجود في بضع ساعات في القرن الأول الميلادي بعد أن دمرها بركان ڤيزوڤيوس وطمرها بأطنان من الرماد، حتى أنه لم يستطع أحد اكتشافها إلا بعد ما يقارب العشرين قرناً ثم استغرقت عملية تنظيفها من الرماد قرناً كاملا ابتدت من القرن الميلادي التاسع عشر..

الغريب والعجيب أن بعض أجساد سكانها ظلت كما هي حيث غلفتها مادة قد تكون من رماد البراكين فأصبحت كطبقة من الحجر عليها، ولذلك تستطيع أن ترى وجوه سكانها أثناء لحظاتهم الأخيرة بل حتى الملابس التي كانوا يلبسونها بتعرجات تلك الملابس والثنايا التي فيها.. الأشد غرابةً أننا لا ندري كيف ماتوا! فلو كانوا قد ماتوا من حمم البراكين.. كيف تبقى ثيابهم ولا تحترق؟! ولو كانوا ماتوا من غازات البراكين السامة.. كيف لا يبدو على وجوههم البحث عن النفس الأخير؟! ذلك الوجه المختنق الذي تذوب وجنتيه وتطبق شفتيه كمدفع يستعد للقصف؟! لا أدري كيف ماتوا!

لكن أحدهم وهو الذي في هذه الصورة يبدو وكأنه ملولٌ يضع يديه الإثنتين على خديه وهو ثانٍ لرُكبَتَيْه.. أو وكأنه يمسح الدموع من على خديه! هو يبدو حزيناً لا شكَّ بذلك.. ولو أنه كان يدري أنه سيبقى هكذا لآلاف السنين حزيناً هل كان سيقوم بمظهر الحزن هذا؟! أعني لو أنه كان يعلم علم اليقين أن آخر صورة له.. تلك الصورةُ التي ستبقى خالدةً له مدى الدهور ستكون صورته حزينا.. هل كان سيحزن أم أنه كان سيختار صورةً أكثر سعادة؟

ما فائدة كل هذا الحزن الذي يبدو علينا.. ربما كان أجمل ما بالحزن أنه علامةٌ يتعاطفُ معها كُلُّ من يراها.. ربما نحن نحتاج لذلك الحزن لأننا نحتاج أن نشعر أن هناك من يهتم لأمرنا.. أننا لسنا وحدنا في هذا الكون الشاسع..

نعم الأرضُ هذه نقطةٌ باهتةٌ لا تكادُ تُرى في هذا الفضاء الفسيح ونحن لا شيءَ فيها.. أنا وأنتَ الآن أعدادٌ فرديةٌ من بين ستة ملياراتٍ من البشر.. من نكون إن جمعتَ معنا كل أهل الأرض السابقينَ واللاحقين؟! لا نكونُ شيئاً! ربما كانت تلك آخر أفكار هذا المسكينِ قبلَ موته.. فشاءَ أن يبدوَ حزيناً حتى لا يبقى وحيداً طيلةَ تلكَ الأزمنة.. حتى نتعاطف معه ونفكر فيما عاناه قبل موته فلا يكونُ وحيدا!

فلا تحزن يا صديقي.. هناك دوماً من يراك.. ليسَ واجباً عليكَ أن تموت حزيناً حتى يشعر بكَ الآخرون.. فهناك ربٌ أقرب إليكَ من حبل الوريد يشعرُ بكَ قبلَ أن تَشعُر!

1

القرآن حقيقة ثابتة والعلم ليس حقيقة بل متغير لا يثبت

العلم الذي في مُتَناوَلِ أيدينا محدودٌ جداًّ ولكن الإعلام يصور لنا وكأن العلم هذا المحدود أساس الحياة فبعد النهضة الأوروبية والنهضة الصناعية التي تزامنت مع الإلتزام بالتجارب لإثبات العلم بدأ الغرب يصور لنا وكأن العلم قد تطور كثيرا وكأن العلم في هذا العصر استبدل الدين فأخذ يصور لنا أن الأولين لجهلهم آمنوا بالمعجزات وبالرسل وبالإله.. لكن الواقع هو أننا جاهلون جدا.. لا نزال جاهلين جدا! فعلى سبيل المثال نجد أن الغالبية العظمى من الحقائق العلمية التي كانت تُدَرَّسُ في منتصف القرن السابق أصبحت وهما واكتشفنا خطأها.. خذ عندك قرحة المعدة التي وجدنا في أواخر الثمانينات من القرن السابق أن سببها غالبا جرثومة وليس زيادة إفراز الأحماض من المعدة وقد نال مكتشف تلك الحقيقة جائزة نوبل على اكتشافه هذا!
وفي أول يوم لي في كلية الطب قال لنا أحد الأساتذة في اسكتلندا حيث كنت أدرس، أن خمسين بالمئة من كل ما نتعلمه الآن في كلية الطب يتغير بعد عشرة سنوات وتحل حقائق أخرى مكان ما تعلمنا! لذلك كان واجباً على الطبيب أن يقرأ ويدرس يوميا حتى لا يفوته تطور الحقائق!

كل ما سبق هو مقدمة للرسالة التي أود إيصالها لك عزيزي القاريء وهي (أنك يجب أن لا تلصق العلم لصقا بالحقائق القرآنية والنبوية)!

لأننا آمنا بالقرآن وبالرسول إيمانا قلبيا لا نحتاج فيه لعلم حتى نؤمن به أكثر! فلو أراد الله جعل القرآن كتابا علميا لكانت هناك ألف طريقة أخرى لذلك.. ولأن العلم يتغير يوميا ولأن القرآن ثابت فمن الخطأ إلصاق الحقائق العلمية لصقاً بالقرآن والسنة ففي ذلك فتح لمجال واسع أمام المشككين ليشككوا أكثر في القرآن والسنة حيث أن العلم الحديث يعتمد على التشكيك دائماً وما هو حقيقة اليوم في العلم قد يصبح غدا أكذوبة!

نحن لا نصوم ونصلي لأن الصلاة تمرين رياضي ولا لأن الصوم له فوائد صحية بل لأننا نؤمن بحكمة الله ونؤمن أن الحياة الحقيقية ليست هذه الحياة بل الحياة التي تتلوها وأن الصحة الحقيقية هي صحة الأرواح!
فكن مؤمناً يا صديقي أن ما لديك هو الحقيقة الثابتة التي لا تحتاج أي حقيقة أخرى لإثباتها ولا تشتر بآيات الله ثمناً قليلا!

4

زيف الحب

وعندما تراه سترى كل شيء.. أول خيطٍ من أشعة الشمس حين تخرج منها متجهةً للأرض.. مَنظَرَ الحقول بعد مواسمِ الحصادْ والأطفالَ بعد غُسلِهُمُ الأول.. حينَ تراه سيجيبك على كل الإجابات التي كُنتَ تحتارُ فيها من دونِ أن تنطِقَ شفتيه! سؤالُكَ ما هو الحب؟ ولماذا خلق الله الحب؟ ذلك السؤال سيكون أول الأسئلة جواباً!

ويَقولُ هيسيود مؤرخ الإغريق أن الرب خلق الأرض ثم خلق الحب بعدها مباشرة حتى تستمر الأرض في البقاء والحياة.. فكانوا الأرض والحب أول مخلوقات الرب!

وأنت لا تحب من تحب فعلا وإنما تحب الصورة التي صوَّرَتْها نفسُكَ لمن تحب.. لذلك كانت بدايات الحب أجمَلَها لأنك حينها تكون في علاقة مع مخلوقٍ من خيالِكَ لا وجودَ له على أرضِ الواقع.. لذلك فإن بدايات الحب في الواقع ليست حبا وإنما شيءٌ زائف.. كالسَّرابِ الذي تسعى إليه فتمضي حتى تكتشف أنه ليس سوى صورةٍ في خيالك فقط! قرأتُ ذاتَ مرة أن أكثر قاتلٍ للإعجاب هو التعرف على الشخص الذي يُعجِبُكْ.. لأننا كلنا فعلا بسيطون عاديون ممتلؤونَ بالعيوب.. والإعجاب مرحلةٌ من الخيال المزيف.. تقتله سريعا شخصياتنا الحقيقية العادية نحن بني البشر!

ولذلك قيل أن الحب أعمى.. لأنه بالفعل أعمى حيث أنك في علاقةٍ مع خيالكَ فقط، لا ترى فيها من تحب فعلا.. لكن الحب الحقيقي الذي خلقه الله.. حب عظيمٌ جدا.. يتجلى بعضه أحيانا بين البشر، رغم أن الغرض الرئيسي منه ليس علاقات البشر.. ولا يتجلى إلا بعد زوال مرحلة الحب المزيف التي تسمى بدايات الحب!

فاعلم يا صديقي أن الذي يحبك فعلا هو ذلك الذي يحبك رغم معرفته أنك عادي جدا، والذي يحبك رغم معرفته بعيوبكَ كلها.. فذلك الحب حقيقيٌّ جدا ونادر الوجود جدا!

أما أنتَ فكل ما كَتَبْتُ لا ينطبق شيءٌ منه عليك.. حبك خاص جدا.. إنه شيءٌ آخرَ من مكانٍ آخَرْ.. حبك ليس حبا لكن اللغة احتارت فلم تجد له إسماً.. حبك هو ذلك الذي خلقه الله بعد خلق الأرض حتى تستمر في الحياة وتستمر الشهب في سفرها والنجوم في بريقها وقلبي في الخَفَقان!

2

الطب طريقة حياة

في حياة كل إنسان وقفات يُراجِعُ فيها ما فاتَ و يَتَطَلَّعُ فيها لِما سَيَأْتي! وغالبا تُصاحب هذه الوقفات مناسبةٌ هائلة ويكون سبب هول المناسبة شدة المشاعر المرتبطة فيها كالحزن الشديد أو الفرح الشديد..

اليوم كانت هناك مناسبة شديدة السعادة حيث كان حفل تخرج ما يقارب التسعين طبيبا وطبية من كلية الطب في جامعة الكويت، فاستذكرت هذه الكلمات ويا ليت أحداً حدثني بها حين تخرجي الذي كان قبل عشر سنوات من اليوم هذا.

الطب الحقيقي ليس مهنةً بل طريقة حياة، فالمهنة هي تلك التي تحدها الساعات.. والطب لا يحده شيء.. ستعود إلى منزلك بعد يوم شاق ومرهق.. لم يخبرك أحد أنه شاق ومرهق.. لا أحد غيرُكَ أنتَ سيعلم مدى صعوبة ذلك اليوم وكم كانَ شاقاًّ ومُتعِباً،فتجلس على مائدة الغداء.. ثم تتطلع في الفراغ من خلال النافذة التي تطل عليها طاولة الطعام.. وتستَذكِرُ كم كُنتَ آمناً في زَمَنٍ مضى.. حينَ لم يكن يقلق صفوَ تفكيركَ شيء.. أما الآن فالهواجس لا تترُكُك أبدا.. التفكير في المريض الذي أتى العيادةَ بإصفرارٍ في وجهه.. هل هو بسبب السرطان أم أنها حصوةٌ مرارية عادية؟ وذلك الذي يؤلمه صدره هل هو بسبب مرض القلب أم الحموضة مع توتر في عضلات المريء؟ وذلك الشاب الذي مات بعد حادث السيارة.. هل كان هناك شيء ما يمكنكَ فعله، لكنك لم تفعله؟! كل هذه الهواجس جزء من الطب..

كما يجب عليك الإطلاع دائماً واستكشاف المزيد من العلم دائماً حيث أن خمسين بالمئة من المعلومات التي درستها تصبح معلومات خاطئة بعد عشر سنين فقط من دراستها.. فالطب في تطور سريع جدا.. إن لم تقرأ في الطب يوميا.. لن تكونَ طبيبا ناجحا!

ولعل أهم ما عليك فعله هو أن تكون متعاطفا مع مرضاك فتبين لهم أقصى اهتمامك.. فإنهم لا يعلمون كم كان يومك شاقا ولا يعلمون أن شابا توفي قبل لحظات أمامكَ قبل أن تتجه إليهم لأنهم يشتكون من الإمساك مثلاً.. وإنهم قد لا يعلمون أنك تفكر بهم غالب يومك.. عليك أن تكون مصغيا لهم بأقصى درجات الإهتمام والتعاطف وتتناسى كل ما حولكَ ومن تكون..

وهكذا يكون الطب طريقة حياة.. سيجعلك تنتقل من حالة إلى أخرى بلمح البصر.. ستصبح لديك قدرة هائلة في فهم الحياة وقدرة هائلة على التحكم بمشاعرك.. تنتقل من الإشتعال كحمم اللهب إلى التجمد كجبال الجليد من دون أن يَرُفَّ لَكَ جفن!

وأخيرا فإن أهم صفتين عليك التحلي بهما لتكون طبيبا ناجحا هما صفتي الشجاعة والتواضع فهما أكثر الصفات الصادقة.. الصفات الأخرى تستطيع تمثيلها وخداع الناس بها لكن الشجاعة والتواضع صفات صادقة جدا كما يقول الفيلسوف والأديب الألماني الأشهر (ويرثر). والطب الحقيقي سيمنحك هاتين الصفتين.. واعلم أن الطبيب الذي لا يتحلى بهما ليس طبيبا حقيقيا على الإطلاق! فلا تتكبر على مرضاك أيا كانوا ومهما كانت حالتهم المادية ولا تجبُنْ حين يُحيطُ بكَ الموت.. أنتَ عدو الموت!

0

لو نسيتَني.. ترجمتي لمقاطع من قصيدة پابلو نيرودا

لو نسيتني

يقول پابلو نيرودا شاعر شيلي الشهير في قصيدته (لو نسيتني):

لو كنت تدري.. حين أنظر للقمر.. حين أنظر في الأغصان الحمراء حين يمر الخريف بطيئا على نافذتي..
حينَ ألمَسُ الرمادَ على جذع الشجرة الذي يحترق في مدفأتي
كل شيء باللمس أو بالنظر يحملني إليك
النور ورائحة الأروما والمعادن النفيسة
كلها
وكأنها
مراكب صغيرة تُبحِرُ بي إلى الجزر التي تنتظرني فيها!

ولو بدأت تحبني أقل فأقل فأقل
سأحبك أقل فأقل فأقل

ولو فجأةً نسيتني.. أرجوكَ لا تفكر بالبحث عني..
فحينها أكون قد نسيتُكَ أكثَرَ فأكثر!

وحين تتركني على الشاطيءِ حَيثُ قلبي يضرب جذرَه
تذكَّر
أنني في لحظةٍ واحدة
في اللحظة التي تفكر أن تتركني فيها
في الساعة التي تتركني فيها
في اليوم الذي تتركني فيه
سأقتلع جذوري من على شاطئك وأرحل بها إلى أرضٍ أجمَلَ وأكثَرَ حبا!

0

أوليسيوس و النسيان أو الشوق لذلك الذي يغيب

ما هو سر الغياب؟
فالنسيان يبدأ به
لكن الشوق يبدأ به كذلك
فلماذا نشتاق لبعض ما يخفيه الغياب وننسى بعضه الآخر؟
يقول الفيلسوف الفرنسي بارتيز أن الشوق هو المسافة بين الغياب وبين معرفتنا أن من غاب لم يعد كما كان! أي أن النسيان يبدأ حين نعرف أن من غاب لم يعد ذلك الذي غاب..
وقد قرأتُ ذات مرة أن أقسى عذابات الدنيا هي انتظار من لا يأتي.. إنتظار ذلك الذي غابَ لكنه تغير بفعل ما فلم يعد كما كان..

الإلياذة والأوديسي من أعظم كتب التاريخ وأقدمها وتحكي حروب الإغريق مع طروادة.. أحد أعظم أبطالها (أوديسيوس) أو (أوليسيس) بالرومانية.. حيث كان محاربا ودبلوماسيا ورجلا متعدد المواهب..
أوديسيوس ملك إثاكا وزوج احد اشهر الجميلات (پينوليپي) اتجه لحرب طروادة مع جيوش الإغريق وكان له الفضل في اكتشاف المحارب آخيل كما أنه هو من انتزع جثة آخيل بعد أن قتله پاريس رغم كثرة الأعداء الذين كانوا يمنعونه.. ثم كان أوديسيوس نفسه صاحب فكرة بناء حصان طروادة الذي جعل الإغريق ينهون الحرب لصالحهم..

أما أجمل وأشهر قصصه هو عودته مع أصحابه بعد انتهاء الحرب الى مدينتهم إثاكا.. حيث استمرت عشرة أعوام كاملة!

فبعد أن ترك طروادة توجه مع جيشه الصغير من أصحابه إلى إزمره فاحتلوها وأخذوا غنائمهم لكنهم في الصباح تفاجؤوا بهجوم كثيف عليهم فنجحوا بالهرب لكنهم فقدوا الكثير من رجالهم.. ثم أبحروا بإثنتي عشرة سفينة ففاجأتهم عاصفة رمت بهم على أرض تنتشر بها نباتات اللوتس ويقتات سكانها على هذه النباتات فقط وبينما هم في تلك الأرض وإذا بالوحش السايكلوب يقبض عليهم ويأكل بعضا من رجالهم، وهذا الوحش هو ابن پوسايدون إله البحار لكنه بعين واحدة فقط في رأسه.. ولما رأى الخمر في متاع أوديسيوس شرب الوحش الخمر كله فنام.. أتى أوديسيوس ففقأ عين الوحش الوحيدة فأصبح أعمى لا يرى.. اشتكى الوحش لأبيه من أوديسيوس.. واستمرت مقارعة أوليسيوس لتلك الوحوش حتى عاد إلى إثاكا بعد أن عانى الأمرين.. فوجد الرجال يحاولون الإيقاع بزوجته الجميلة لكنها كانت ترفضهم ولم يعرفه أحد في تلك المدينة فقد تغير وجهه بفعل السنين والحروب.. وبينما كان يسير في أزقة المدينة عوى كلبٌ عجوز.. نظر إليه أوليسيوس وإذا به كلبه الوفي (آرغو).. ذلك البطل الشجاع المغوار لم يتعرف إليه أحد سوى كلبه آرغو..

وهكذا يكون الغياب.. مناسبة للشوق من البعض وفرصة للنسيان من البعض الآخر..

فيا صديقي لا تنسى ذلك الذي كان يملؤ حياتك بالجمال.. لا تنساه..فربما كان هو يذكرك حتى حين نَسيتَه.. لا تنساه! حتى الكلاب لا تنسى أصحابها!

2

موردريك

سأحكي لكم في هذه السطور عن أغرب حالة طبية في التاريخ ربما، وهنا أود أن أحذركم أنها قصة مخيفة بعض الشيء.. فمن شاء أن ينام الليلة عليه أن لا يكمل قراءة السطور التالية ومن شاء أن يسهر فليغلق الأضواء من حوله ويضع بعض الموسيقى الكنسية المرعبة وليكمل قراءة السطور القليلة هذه:

إدوارد موردريك كان وريثا لعائلة أرستقراطية انجليزية وكان ذكيا جدا وعازفا ماهرا للموسيقى لكنه كان مبتلىً بمرض نادر! كان هناك وجه آخر في قفاه! وكان هذا الوجه لإمرأة وكانت هذه الإمرأة شريرة نوعا ما، فكانت تضحك حين يبكي وتبكي حين يضحك! وكان يستنجد بالأطباء لإنقاذه لكنهم لم يستطيعوا فعل شيء.. حتى حجز نفسه في منزله ومنع الناس من رؤيته ثم انتحر ميتا وهو في الثالثة والعشرين من عمره!

ستكون قصة موردريك معروضة في فلم من إنتاج هوليوود قريبا!

السؤال الذي يطرح نفسه.. أليس في داخل كل منا من يحاول أن يُضحِكَنا حين نبكي ويُبكينا حين نضحك؟! ألسنا نحيا بهذا التضاد الذي في داخلنا ولولا هذا التضاد لما بقينا؟ إذاً كلنا موردريك لكن الوجوه التي بداخلنا لا تظهر للعابرين!

3

لا تبكي هنا

هذه القصيدة لأمريكية تدعى ميري فري.. لم تكتب في حياتها شعرا سوى هذه القصيدة.. قصتها أن جارتها كانت تبكي في أمريكا لأنها لم تستطع حضور آخر أيام أمها في ألمانيا.. وكانت تتمنى أن تزور قبر أمها لتسيل بعض الدمع عليه.. لم يكن لدى ميري فري سوى كيس ورقي فكتبت عليه من فورها هذه القصيدة التي ترجمتها بتصرفي من الإنجليزية:

لا تقف على هذا القبر وتبكي علي

أنا لست هنا.. أنا لا أنام هنا..

أنا آلاف الرياح تهب على وجنتيك

أنا بريق السماء على تلك الثلوج

أنا شعاع الشمس يحنو على تلك السنابل

أنا أمطار الخريف الهادئة

وعندما تصحو من نومك في الصباح.. أنا اليقظة التي ترفعك

أنا أسراب الطيور والنجوم التي تلألأُ ليلا في السماء

لا تقف على قبري وتبكي.. أنا لست هنا.. أنا لا أموت!

ومن أشهر اللحظات التي ألقيت فيها هذه القصيدة هي في جنازة شاب قتيل إثر انفجار قنبلة في ايرلندا الشمالية حيث ألقاها أبوه بعد أن وجدها في ممتلكات ابنه، وهذه هي القصيدة بالإنجليزية حيث إنها من أروع ما قرأت:

Do not stand at my grave and weep

I am not there; I do not sleep

I am a thousand winds that blow,

I am the diamond glints on snow,

I am the sunlight on ripened grain,

I am the gentle autumn rain.

When you awaken in the morning’s hush

I am the swift uplifting rush

Of quite birds in circled flight.

I am the soft stars that shine at night.

Do not stand at my grave and cry,

I am not there; I did not die

26

أقنعة فينيسيا

يقولون قلب الجراح ميت وأقول القلب مخف وكل ما ترون هو الوجه الذي ما هو إلا قناع القلب كأقنعة فينيسيا !

 

في خفارة الجراحة أنت جندي في خط الدفاع الأول! أي هجمة وقصف سيكون عليك! أنت بوجه المدفع بل بفوهته دون خندق يحميك أو درع يقيك. بأول خفارة لي كجراح متقدم التدريب بالسنة٣ كنت المسؤول الأول عن جراحات الحوادث والجهاز الهضمي! كان شعورا غريبا بالفعل كالمترقب لإنفجار بركان. كنت قبل هذه الخفارة متدربا أأتمر بجراح متدرب يخاطب الإستشاري، واليوم ليس إلا أنا والإستشاري الذي هو بمنزله بعيدا بخمسة عشرة دقيقة.

 

اختلطت برأسي كل السيناريوهات المحتملة لهجوم الخفارة الأولى ووضعت خططا عديدة للتعامل معها. السيناريو الأخطر كان وصول مريض مطعون ثم يفقد نبضه فجأة أمامنا!

 

 فالمطلوب بهذه الحالة فتح صدر المريض حالا بغرفة الحوادث وعمل عملية معقدة تسمى (عملية ال اي آر ثوراكوتومي)!

 

 هي أقرب شيء لإعادة شخص إلى الحياة فمن شروطها أن يموت المريض فعلا أمام عينيك.

 

 بين فقدان النبض والموت ثوان أو دقائق لا تتعدى أصابع اليد الواحدة.

 

انتشرت هذه العملية أثناء حرب ڤيتنام وكانت لها القدرة على إنقاذ روح الإنسان بنسبة ١٠٪ فقط! راجعت بمخيلتي ذلك اليوم عشرات المرات كيف أقوم بهذه العملية فالجراح المرابط بالمستشفى هو أنا.

 

بدأت الخفارة… كانت ليلة السبت المصادفة لليلة الهالووين بكندا سيكون هناك الكثير من المشاجرات بالشارع لا شك بذلك … سيكثر شرب الخمر لا شك بذلك أيضاً!

 

الناس ينتظرون حلول المناسبات لِيَحلموا! كل شيء يُسعِدُ الإنسانَ يَرْتَبِطُ بجانبٍ أو بآخر بالأحلام ،  والمناسبات مَدخَلٌ للحلم والنسيان دون سعادة غالبا!

 

فعلاً وكما توقعت بدأ دخول المرضى كالسيل! أولهم كان صاحب بقالة طعنه أحدهم عندما رفض دفع ثمن البيرة، رأيت الأشعة بها هواء خارج الرئة. شرحت للطبيب المتدرب معي أن المريض يحتاج لأنبوب لإخراج الهواء وإلا اختنقت الرئة، يجب ادخال الأنبوب بسرعة! شرحت له كيفية ادخال الأنبوب وقام هو بذلك: فتح الجلد بسكينة فخرج الشحم والدم ثم بضربة أخرى بالمشرط ظهرت عضلات الضلوع!

 

الآن لاتقطع العضلات بل فرقها ثم أدخل الأنبوب وخيطه! استغرق ١٠دقائق! قلت له يجب أن تعملها بدقيقة فأحيانا لا وقت لدينا نضيعه. واستمر مجيء المرضى أحدهم طعن برقبته آخر طعن ببطنه وبعض جرحى حوادث السيارات! كانت ليلة ليلاء!

 

الساعة الآن الثالثة صباحا لم ننم لحظة منذ السادسة صباحا من اليوم الذي قبله، ورنين الپيجر يصم أذني!

 

أتصل فإذا وحدة العناية القلبية..لديهم مريض بوحدة العناية القلبية ٣أيام بعد عملية قلب مفتوح لديه آلام شديدة بالبطن وضغطه بإنخفاض!نزلت للوحدة بالطابق الحادي عشر حيث كنت بالطابق الثامن عشر، فحصت المريض قلت لطبيبة الباطنية يجب أن نفتح بطنه بالعمليات حالا، ضغطه ينخفض من شيء ما في بطنه، ربما بسبب عملية القلب المفتوح التي عملها قبل ثلاثة أيام حيث من مخاطرها انخفاض سيلان الدم للإمعاء والقولون فيموت جزء منهما. يجب إعطاؤه أدوية لرفع ضغطه خلال وريد رئيسي. تعقمت وبدأت بإجراء عملية إدخال الأنبوب بالوريد الرئيسي بالرقبة لإعطائه أدوية تبقيه حيا حتى وقت العمليات!

 

الپيجر يرن أثناء إجرائي عملية أنبوب الوريد هذه المرة من غرفة الحوادث مع صوت آلي يرتفع بأروقة المستشفى كلها:

على فريق الجراحة التوجه لغرفة الحوادث حالا

على فريق الجراحة التوجه لغرفة الحوادث حالا

على فريق الجراحة التوجه لغرفة الحوادث حالا

 

 

 

 

قلت للطبيب المتدرب اذهب وتقصى الخبر فإذا كان إنذارا جديا وكانت الحالة تستدعي قدومي اتصل علي لآتي فلا أحسب مريض الحوادث بحالة أخطر من هذا المريض بوحدة العناية القلبية، هذا يموت أمامي!

 

بعدها بدقيقة اتصل!

 (موهامد) هو يقول اسمي بالإنجليزية!

نعم ماذا لديك؟ قلتها بسرعة

رد قائلا بصوت يتحشرج خوفا: لدينامريض١٩سنة ٢٢طعنة بالظهر! نبضه ١٩٠! لا لحظة! وقف نبضه الآن!

 

صرخت: قادم حالا!

Keep him alive!

ركضت كيوسين بولت في أولمبياد بكين! متخيلا خطوات عملية ال اي آر ثوراكوتومي

هذا الفتى يحتاجها الآن!

 

وصلت وإذا عشرين ممرضا وطبيب حوادث وشرطة! وضعت يدي على رقبته فلم يكن هناك نبض! 

 

طلبت منهم فتح عدة الإي آر ثوراكوتومي

 

فتى أسمر اللون مسحوب العينين غارق بدمائه تسيل من على حافة السرير على رجلي! أزيز الأجهزة الطبية يحوم في الغرفة منذرة أن روحا هنا على وشك الرحيل بكل ما كانت تملك ولم يكن ما ملكته كثيرا..فالصبي لم يأخذ فرصته بالحياة هو بالتاسعة عشرة فقط!

هل عشق؟ هل عانى من إزعاج رئيسه في عمله؟ هل سهر ليلة أو أخرى مكتئبا من مشاغل الحياة؟! لا أظن!

 

فتحت العدة! قبضت على السكين مستعدا لقطع صدره بالعرض!

 

قطعه لنصفين!

 

الهدوء يلف المكان وستون عينا ربما على المشرط!

 

الفتى ينزف حتى الموت وأنا أمامه قابضا على المشرط لفتح قلبه!

 

قبضت على السكين وطبيب الحوادث يشعر بترددي الغير معتاد و يهمس

 

Go

 

 

فرصة هذا الشاب إن بدأت بهذه العملية بالحياة لا تتجاوز ال٣٠٪ واقعا هو ميت الآن!

 

ثلاثة أطباء وأنا لم نحس بالنبض! كنت أراجع نفسي قبل أن أبدأ! قررت أن أعيد الفحص! كل الأفكار تدافعت وطبيب الحوادث بين ال g والo جزء من الثانية!

 

وضعت يدي على رقبته! طبيب الحوادث غاضبا يصرخ: لماذا تعيد فحص النبض إقطعه الآن بالسكين!

 

يدي على رقبته! أحس بشيء يتلوى

 

صرخت و كأنها أحد لحظات اليوريكا: هناك نبض!

 

هنا تغيرت الخطة يجب الذهاب إلى غرفة العمليات بعد وضع أنبوب برئته اليمنى ثم اليسرى بأسرع وقت!

 

نحن نصارع الموت و دقات الساعة والخوف! نحن نصارع إنسانيتنا!

 

إبدأ پروتوكول نقل الدم!

 

اتصل بغرفة العمليات قل لهم نحن قادمون الآن! اتصل على الجراح المسؤول وطبيب التخدير!

 

قمت بإعطاء هذه الأوامر بينما يدي تقطع جرحا صغيرا كاف لإدخال أنبوب الرئة اليمنى! خرج الشحم وشعيرات الدم الصغيرة عند الجلد تنزف!

 

فرقت عضلات الأضلاع و بإصبعي وسعت الفتحة! بدأ الدم بالتدفق كالنافورة! أصاب وجهي!

 

أدخلت أنبوبا بقطر ١٠٠فلس وأنا أسحب إصبعي من داخل الصدر!

 

انتقلت للجانب الأيسر وقمت بذات العملية! هنا لدينا أقل من دقيقة لوضع الأنابيب و …..پڤ! صوت يخرج عندما تدخل إصبعك بالقفص الصدري فيتدفق الدم وبعض الهواء!

 

لدى الإنسان ٥-٦ لترات دم! خرج من صدر الفتى الأيمن ٣ لترات و من الأيسر لتر واحد! خيطنا الأنبوبين واتجهنا لغرفة العمليات!

 

ونحن نخرج من غرفة الحوادث وإذا بالشرطة والمسعفين يدخلون بمريض مطعون ببطنه! وضعت يدي عليه وإذا ببطنه يابسا كالحجر!

 

كان نبض المريض الجديد جيدا لكن تيبس البطن بعد الطعن يعني أن هناك تسمما من اختراق الإمعاء بالسكين! يجب أن يذهب للعمليات بأسرع وقت. رباه! ما العمل الآن لدينا ثلاثة يصارعون الموت الآن الفتى النازف ومريض وحدة القلب والمريض المطعون ببطنه! لا شك أن الفتى النازف هو الأولى ثم سنقرر من التالي!

 

اتجهنا بالفتى النازف لغرفة العمليات تعقمت وأنا أكلم الجراح المسؤول بالهاتف!

كان على الطريق!

 

دخلت غرفة العمليات وإذا من حسن حظي أن أمهر طبيب تخدير كان موجودا..خفة دمه لا يعلى عليها: صاح بلكنته الألمانية السويسرية جمال ليلتك هذه مجنونة، أنت سيء الحظ فعلا.

 

طلبت من الممرضة السكينة فتحت الصدر الأيسر بالعرض بضربة واحدة كنت بالشحم! ضربة أخرى قطعت عضلات الضلع وإذا بالرئة كبالون وردي جميل..

 

كان هناك لترين آخرين من الدم بالقفص الصدري الأيسر وجرح بالفص السفلي الأيسر ينزف دما وهواء فيخرجان معا كرذاذ المطر من الرئة الوردية!

 

المصيبة أن منبع الدم ليس من الرئة بل من شرايين الأضلاع الخلفية..قرأت عنها مرة أنها من أسوء الجراح التي يمكن إصلاحها، فسبب صعوبة جرح شرايين الأضلاع الخلفية أنها متصلة مباشرة بأكبر شريان بالجسد الشريان الأورطي، كما أنها عميقة ومخفية من الرئة!

 

قطعت كل مايربط أسفل الرئة بالقفص ورفعتها هنا وصل الجراح المسؤول!

 

What do you have in here?

 

قالها مذهولا وتبعها باللعنات!

 

رفع الجراح المسؤول الرئة وطلب من طبيب التخدير أن يوقف الهواء إن استطاع بالرئة اليسرى حتى تصغر فنستطيع إيقاف النزيف!

 

كلما كان طبيب التخدير يقلل الهواء بالرئة اليسرى كلما انخفض الأوكسجين بالدم! لم نستطع تصغير الرئة! رؤية موضع النزيف بدقة شبه معدومة!

 

هنا قال الجراح المسؤول سأرفع الرئة سينخفض الأكسجين عليك الإحساس بالنزيف وخياطته! لا أدري إن كان هناك شيء آخر نستطيع فعله!

 

الفتى يموت..

 

طلبت من الممرضة أطول حامل إبرة رفع الجراح الرئة رأيت مكان نزيف هنا وقف الكون أمامي فجأة ولم أكن أرَ إلا موضع النزف!

 

قبل القيام بحركة صعبة دائماً يمر علي شريط جميل من ذكريات الطفولة والصحبة والحب! لاتسألني لماذا لكن دائماً أعيش لحظة حس مرهف كهذا قبلها! ربما تمر هذه اللحظات الجميلة لتطمئنني أن هناك متسع من الوقت..حينها أشعر براحة عجيبة وأنسى الضغط النفسي الرهيب. ربما تجعلنا ننسجم مع الطبيعة حولنا فنصبح واحدا!

 

أول مرة رأيت زوجتي

أول سقوط للثلج

عندما أذنت بأذن علي ابني الأول

فنجان الشاي مع من أحب

الأشياء البسيطة تريحنا حتى في أعقد اللحظات و أصعبها!

 

كانت الإبرة بالكاد تصل لموضع النزيف خيطته بالإحساس فقط..بشكل رقم الثمانية الإنجليزي وأعدت الحركة خمس مرات..خف النزف كثيرا!

أخذنا الدباسة الجراحية التي تدبس ثم تقطع لإستئصال الفص النازف!

وضعنا الكثير من المناشف الجراحية بالقفص الصدري الأيسر وانتقلنا لليمين!

فتحنا القفص الصدري الأيمن مرة أخرى كانت شرايين الأضلاع الخلفية تنزف هناك! أصلحناها بصعوبة. ما بالهم يقولون أن الطب متطور بينما نحن نستخدم ذات الآلات الجراحية منذ القرن السابق: خيط من الپرولين ذات الخيط المستخدم في صيد الأسماك ذات الخيط الذي أصطاد به على اليال بالكويت طفلا..أصطاد به الشرايين والموت الآن..وقف النزيف تقريبا لكن في ذلك الوقت كان الفتى بين الحياة والموت..يجب الآن الخروج من العمليات للإنعاش بأسرع وقت!

لم نخيط صدر الفتى..تركناه مفتوحا مليئا بالمناشف الجراحية، فإن خيطنا صدره سنضيع وقتا ثمينا قد يكلف المريض حياته ثم نقلناه للإنعاش بنبض سريع جداً وحرارة منخفضة: هذه علامات ليست جيدة لكن الأعجوبة أنه مازال حيا!

 

تنفس الجراح المسؤول الصعداء!

 

كان الشرطة ينتظرون بالإنعاش قالوا لنا أن من طعن الفتى ٢٢طعنة ليلة الهالووين كان يرتدي زي سوپرمان!

 

قلت للجراح المسؤول: لدينا ٢آخرين!

 

قال لم أرَ ليلة مثل هذه منذ زمن!

أجبته نعم لوهلة خيل لي أنها الفلوجة وليست مونتريال! ضحك ولازال يروي القصة بعنوان الفلوجة إلى يومنا هذا..

بعد العمليات وصلت المنزل ١٢ظهرا! ٣٠ساعة من دون نوم..رأت زوجتي البالطو الأبيض الغارق بالدماء! علمت أنها كانت ليلة ليست ككل الليالي!

 

انتقلت لمستشفى آخر وبعد شهر مررت على المستشفى الذي يرقد به الفتى رأيته من بعيد خلال زجاج الغرفة! كان من المقرر أن يرحل للمنزل غداً!

الفتى لايعرفني! التقيته مغلق العينين بين الموت والحياة! لم أشأ الدخول عليه كان مع أمه وأبيه! نظرت إليه مكفكفا دمعي الذي أتى خلسة من دون ميعاد!

 

أن تلتقي شخصا يفارق الحياة ثم تراه بعدها ضاحكا مع والديه كأن شيئا لم يكن ذلك شيء رهيب!

 

الوجه لا يعبر عن القلب دائماً