قصة قصيرة عن الغزو

لم يكن هناك متسع من الوقت حتى حفلة زفافه، خصوصا وأنه لا زال على رأس عمله يكدح من السادسة صباحا حتى الثامنة ليلا رغم أنه لا زال شابا لم يتجاوز بالكاد الثانية والعشرين من عمره. في طفولته كان دور الطبيب دوما مسند له في حفلات المدرسة أيام الهالووين حيث أن مدرسته أحد أرقى المدارس الخاصة في الكويت تلك المدارس التي كانت تعد على أصابع اليد الواحدة ولكن حلمه أن يصبح طبيبا اندثر بغزو صدام للكويت ومنعه التحاق الكويتيين بالجامعة. ها هي الآن جامعة الكويت ثكنة عسكرية ومنزل أشباحٍ لا يقربه أحد ولم يكن هناك أحد أشد حزنا على تلك الجامعة من والدته التي كانت أستاذة للأدب العربي فيها، وهي الآن من دون أي عمل. أما هو فإنه يعمل في كراج للسيارات صباحا ثم كسائق أجرة حتى الليل واستطاع بمجهوده أن يجمع ما يعادل مئتين وخمسين ديناراً كويتيا سيكفي مهراً لزوجة المستقبل. ولم يكن يحتاج شيئا لشهر العسل فصدام منع أي كويتي من العودة إلى الكويت إن خرج منها.

استيقظ في الرابعة فجرا بعد نوم متقطع بفعل البرودة الشديدة هذا الشتاء ولما كانت سلطة الإحتلال تقطع الكهرباء ليلا في الشتاء ونهارا في الصيف عقابا للكويتيين بعد سلسلة مظاهراتهم الأخيرة، فلم يكن إلا الفحم وسيلة للدفء، هذا الفحم الذي أصبح سلعة نادرة يصعب وجودها ولما كان يحاول التوفير قدر المستطاع فإنه كان ينام من دون ما يقيه لسعات البرودة هذه.

أفطر مع والدته على شاي وبعض من البقصم والقيمر العراقي ثم قبل رأسها متجها لكراجه الذي يشتغل فيه مع اثنين من أصدقاء طفولته. يستغرق الطريق منه ما يزيد على الساعة والنصف ولما كان الجو ممطرا فإنه وصل وهو مبلل بشكل كامل فدراجته الهوائية هذه لا تحميه من شيء.

ارتفع صوت الصفيح الحديدي الذي يغطي واجهة محله كئيبا بطيئا بينما كان يرفعه بآلة يدوية، يتخلل صوت المعدن هذا صوت قطرات المياه وهي تتساقط من على الصفيح على بركة صغيرة تشكلت أمام المحل.

يا ترى لو لم يكن الوغد صدام هنا، ماذا عساي أكون الآن؟ فأنا كما يقولون من عائلة ثرية كانت تمتلك الكثير قبل الغزو هذا، ولا زالت بيوتنا في أوربا شاهدة على ذلك، لكن والدي كان يأبى الخروج مخالفا في ذلك أغلب أقرانه من الأثرياء. كان يأبى الخروج من هذه الأرض خوفا أن إليها لا يعود فما أقسى أن تفارق شيئا تعلم أنك لن تلتقيه مرة أخرى! حاولت والدتي ثنيه عن الجلوس هنا لكنه في كل مرة كان يأبى و عناده هذا عناد من ذرف على الستين لا ينفع معه شيء إلا الموت الذي كان ينتظره، موتا مشرفا كان يليق به، وأنا كوالدي ابن هذي الأرض، لن أتركها رغم شظف العيش الذي أقاسيه ورغم كل هذا القهر لن أتركها أبدا فإن أرادوا مني الرحيل فعليهم المحاولة بطريقة أفضل، عليهم أن يقطعونني إربا إربا ثم يحرقون ما قطعوه ثم ينثرونه في يوم شديد الرياح حينها فقط قد ينجحون في إبعادي عن هذه الأرض وعن من أحب.

أشعل ناصر بعض الحطب ليعد شايه الأسود الداكن… وما لبث أن انتهى من إشعاله حتى دخل أصدقاؤه علي ويوسف شركاؤه في عمله هذا. علي هذا شديد الطول عريض ما بين المنكبين مفتول العضلات ذو شارب كث، إن رأيته حسبته أحد حراس السلاطين الأتراك الجانساريين وهو مشهور بشجاعته التي تصل حد التهور منذ صغره، ويروى أنه كان في شبابه يجلس دائماً ساعة قبل صلاة المغرب أمام باب منزله، واضعا غترته على كتفه حتى إن احتاج أحد المساعدة في نزاع للأيدي هب هو بنفسه للمشاركة حتى وإن لم يكن يعرف الشخص الذي طلبه للمساعدة فكل ما عليك أن تناديه فيلبي النداء ويُحكى أنه في أسبوع واحد دخل في نزاع فضرب شخصا دفاعا عمن استنجده وبعدها بيومين ضرب شخصا آخر دفاعا عن شخص آخر استنجده واكتشف بعدها أن الذي كان يضرب هو الذي استنجده بالأمس وأن الذي يضرب معه هو من ضربه علي قبل يومين وتعد هذه القصة من فكاهات الحي التي لا تنسى. أماويوسف فهو يشبهه كثيرا فهو ابن خالته لكن أقصر طولا وأكثر هدوءا وروية وكان مطلقا للحيته الناعمة كذلك.

يوسف: شايك الأسود هذا لا يلقى قبولا من أحد هنا، كم مرة طلبنا منك أن تجعله أقل سوادا فقلوبنا بيضاء لا تتحمله!

رد ناصر: لو كان قلبك أبيضا لاستوعبت أن الشاي الأسود هو الحل الأمثل للجميع فأستطيع أنا أن أشربه وتستطيع أنت أن تضيف عليه بعض الماء فتخففه لتشربه أنت وابن خالتك الرقيق هذا

علي: لا فائدة ترجى منك، ردودك دوما جاهزة ومعلبة! ملعقتين ونصف من السكر لو سمحت.

صوت ملاعق الشاي ترتطم بجوانب الكوب الزجاحي ورشفات علي ويوسف وناصر

التقت عينا يوسف وناصر للحظة فلم يستطع يوسف الإستمرار بالنظر… أنزل عينيه إلى الأرض قلقا ثم رشف شرفة أخرى من الشاي ليبتلع ريقه الذي كان سيبتلعه قلقا، فأراد أن يستخدم الشاي عذرا!

هل أنتم جاهزون.. قالها ناصر

نحن جاهزون كما لم يجهز من قبلنا أحد قالها علي.. لكنك أنت معذور يا أخي فعرسك قد اقترب ولم تكن أنت تدري بالخطة هذه! نحن جاهزون لكن وجودك معنا يحطم قلوبنا فهلا اعتنيت بوالدتك التي لم تلبث أن تفقد زوجها؟ هلا اعتنيت بها وأقمت عرسك؟ حينها فقط سنصبح جاهزين يا أخي.

لم يعجب كلام علي ناصرا أبدا

إن كان ولابد سأقوم بتأجيل عرسي لكنني لم أشأ ذلك حتى لا أثير الشبهات حولي كما أن والدتي هي من حددت هذا اليوم فهو عيد زواجها وكانت تريد أن تستزيد من الذكرى حين يتكرر الإحتفال بزفافها وأنا متزين بعباءة والدي الشهيد.

أنا من ولد لهذا اليوم و إنني أحيا لمثل هذا اليوم و إن كنت سأتزوج فإنه لا لشيء إلا ليصبح لي نسل يشرفني في هذا اليوم الذي يتحرر فيه وطني. لا يمكن أن أدع شيئا مهما كان أن يمنعني من بذل نفسي وكل ما أملك في سبيل هذا الوطن.

دعونا الآن من كل هذه المهاترات ولنتحدث بالمهم.

المهم الذي كانوا سيتحدثون عنه هو خطة عظمى لتحرير الكويت كان التنسيق لها قائما منذ مدة يتعاون فيها الأكراد في الشمال والعراقيون في الجنوب للثورة بوقت واحد على صدام في ساعة صفرٍ تم تحديدها قبل أسبوع من المحادثة هذه بين ناصر وعلي ويوسف ينضم في تلك الثورة الكويتيون والجيش السعودي الذي لازال صدام يحتل بعض أرضه. تركز تلك الخطة على عنصر المباغتة لتهبط كصاعقة على رأس صدام والحلقة المقربة منه عن طريق اغتيال القادة وصدام نفسه. كان على المجموعة الكويتية اغتيال قائد الجيش العراقي في الكويت الذي اتخذ من أبراج الكويت والبرج الأعلى منها تحديدا ثكنةً له. اختار مجلس كتائب المقاومة الكويتية ثلاثمئة من خيرة أبطالها ومن أشرس وحداتها وحدة الرميثية ووحدة كيفان للقيام بهذه المهمة الجسيمة مع إسناد من ألف مقاوم آخر. وكان دور كل هذه الجموع تسهيل عملية الثلاثة هؤلاء فهم كما يبدو لمن يدخل كراجهم شباب متهور بارع في إصلاح السيارات القديمة التي تعج بها الكويت مع عشق خاص للموستنج الإل اكس وإذا لم يكن لديهم ما يصلحوه فقد كانوا مدمنين على شرب الشاي و لعب الدومنة والبليارد الهندية مع جارهم أيوب اليمني الطاعن بالسن الذي حارب في الأربعينات لتحرير عدن فأبعده الإنجليز الى الكويت الذي تزوج من بناتها وأحبها حتى غدت جنة عدنه.. حتى أصبحت عدن قلبه الثانية.

سَأَلَ الثلاثةُ أيوباً العجوزَ ذاتَ يوم..كيف تُسْتَبْدَلُ الأوطانُ في القلوب؟

فأجابهم إن الوطن لا يُسْتَبْدَلُ أَبَدا! أنت من تُستَبْدَلْ فحين تترك وطنك فإنك تترك بعضاً منك ولا يمكن أن تكون كما أنتَ كُنْتَ بعد أن ترحل عن وطنك… لكن البعض يتغير فيصبح إنسانا آخر في وطن آخر وما أقسى هذا التحول الذي قد لا يطيقه البعض أبدا!

ولماذا يا عمنا نحس دوما أن علاقتنا بهذه الأرض الكويت تختلف عن علاقة الآخرين بأوطانهم؟ لماذا نشعر وكأن لا أحد يعشق وطنه كما نعشقه نحن؟!

لأنكم قوم عاشقون.. كيف لا يعشق من أجداده كانوا يجازفون بأرواحهم أشهرا في البحار ليغوصوا في أعماقه لجلب حبات اللؤلؤ الجميلة… إنه عمل رومانسي جداً لو تمعنت به لا يقدر عليه إلا رجال من صنف خاص جدا.. ولأنكم بين بلدان كبيرة تحوطكم من كل جانب صرتم في خوف دائم من الفراق فزاد حبكم لأرضكم كأم تنام ساهرة على وليدها المريض الذي قد يموت في أي لحظة.. أنتم فعلا عشاق لأرضكم كما لم يعشق من قبلكم أحد ولعل ذلك سبب بركات أرضكم.. هل تحسب أن الله بعظمته يهدي كنزا هائلا كما هو عندكم لكائن من كان؟! أما سمعتم أن البلاد لا تُعْمَرُ ولا يبارك الله فيها إلا إن أحبها أبناؤها.. الحب بركة في كل شيء!

أجمع مجلس المقاومة على قيادة هؤلاء الثلاثة للعملية هذه ولم يصدر هذا القرار من لا شيء فناصر قيادي بارع بعقل مذهل وخطط محكمة كما أنه كان خبيرا بالكمبيوتر والإتصالات ولديه جهاز لا يوجد منه في الكويت أهدته إياه الإستخبارات السعودية اسمه الآيفون يجعله على اتصال دائم مع العالم الخارجي بفضل شبكة الإنترنت أما علي فكان طيارا مقاتلا في أسطول الجيش الكويتي وطيارا في أسطول استعراضات الجيش كذلك ولم يكن أحد يداني يوسف في دقة تصويبه فقد كان قناصا ماهرا لا يعترف بالمسافات فهو يصوب من كيلومتر كامل وكأنه يصوب من مسافة ذراع واحدة. كان العراقيون يريدونه حيا أو ميتا فقد أردى الكثير منهم قتلى وكانوا يسمونه الجني في المقاومة.

كانت هناك خطتين على طاولة العمل.. الخطة الأولى هي خطة بحرية تقتضي توجه عدد من الزوارق من جهة البحر والإنزال من هناك بعد تفخيخ عدد من الزوارق وتفجيرها وحين ينشغل العراقيون بالمهاجمين من جهة البحر ينقض قسم آخر من المقاومين ويعصفون بالمبنى ثم يفخخونه ويفجرونه كاملا.

الخطة الثانية تعتمد على الإستيلاء على طائرة حربية من معسكر النوماس مع مطاره الحربي الذي أنشأه العراقيون في منطقة النزهة بعد أن هدموا بيوت قطعة اثنين بالكامل ثم قصف البرج بهذه الطائرة

ناصر:خطة الطائرة هذه متهورة جدا.. لماذا لا يقوم الجيش السعودي بالقصف بطائراتهم؟

لأن الطائرة سيتم اكتشافها بالرادار مبكرا ومن ثم ستعلن حالة الطواريء ولن يتواجد اللواء جبر في مكان عمله كان هذا رد يوسف

علي: إذا استوليت على الطائرة فإنني بدقيقة واحدة سأكون أمام مكتب جبر اللعين هذا

ناصر: لكنك ستودي بحياة ألف وثلاثمئة مقاوم حين تهاجم بهم معسكرا مدججا بالعتاد والجنود، هؤلاء المقاومين هم آخر آمل للكويت فلن تقوم للمقاومة من بعدهم قائمة.. كف عن تهورك قليلا

علي: أستطيع أنا وقلة قليلة الإستيلاء على الطائرة من دون هذا الكم الهائل إن رشوت هذا العميد آمر سرب الطائرات بسيارة رياضية حديثة. يقولون أنه يعشق السيارات السريعة!

ناصر: لقد شبع من كل شيء بعد أن استولى على الكثير من سياراتنا بنفسه

علي: ليس إذا أغريته بالبوغاتي ان طلبناها من الإستخبارات السعودية… أظنه سيهديني الطائرة ويقودها بدلا عني في هذه المهمة! قالها مبتسما ابتسامة قريبة للضحك

ناصر: هو آمر سرب فقط، فهناك الكثير حوله ممن هم أعلى رتبة كما أنه ابن عائلة معروفة بالفلوجة.. المدينة التي لم تكن شيئا من دون صدام.. إنهم يعبدونه هناك.. من المستحيل أن يخونه أحد من هذه المنطقة.. كن عقلانيا في تفكيرك

اتفقوا على أن يناقشوا الخطط هذه و ملحقاتها في اجتماع القيادة العليا للمقاومة القادم

لم تكد فاطمة تنتهي من تجفيف شعرها بعد وضع الحناء عليه إلا ودخلت عليها أختها التي تصغرها بعشرة أعوام منيرة وهي ترمقها بنظرة بها بعض الحب وبعض الشقاوة وبعض الترقب… فلم يبق على زفافها سوى أيام قليلة سيشغلها زوجها حينها ولن تكون فاطمة التي كانت! لكنها كانت أم كل من في هذا المنزل بعد وفاة أمها وهي تلد بمنيرة!

كان يوما حارا قائظا من أيام شهر أغسطس في عام ١٩٩٠ اللعين، تتذكر كيف تركها أبوها مع أخوتها الصغار وعمتها لينطلق بأمها التي كانت في لحظات الولادة الأخيرة…

يقال أنها ولدت منيرة في السيارة على أحد حواجز التفتيش وبدأ نزيفها إذ ذاك…

حين وصلت لباب المستشفى كانت بيضاءَ كالثلج من النزيف الشديد الذي سرق لونها ومع نور الشمس الحارقة ومع لهفة والدها وقلقه فإنه حسبها تشع نوراً فأسمى ابنته منيرة لذلك..

بين الحياة والموت حدٌّ فاصِلٌ لا يتجاوز رمشة العين في ذلك الحد عالمٌ يضج بالذكرى ويضج بالحياة… في ذلك الحد مشاعرُ عظيمةٌ لا يمكن أن يشرحها بشر ولا شك أن بعضها استولى عليه فرأى وجه من يحب قمراً منيراً يتلألأ ربما

يقول الطبيب المناوب في ذلك النهار أن كان من الممكن شفاء أمها لو توفرت بعض أكياس الدم، لكن الجيش الغازي استولى على كل ما ببنك الدم! ورغم محاولة الطبيب اسعافها في غرفة العمليات عن طريق إزالة الرحم إلا أنها توفيت من فورها في تلك الغرفة ولم تتركها إلا جثة هامدة

تتذكر فاطمة أمها جيدا وتتذكر كيف كانت دائماً ما تذكرها أنها ولدت وفي فمها ملعقة من ذهب بينما كانت أمها تعيش في كويت الماضي حيث لم يكن هناك كهرباء ولا شيء من كماليات الحياة العديدة التي كانت متوفرة في كويت الثمانينات، وكانت تلك المقارنة دائماً تأتي في الأرنب الجائع مطعم الوجبات السريعة الشهير التي كانت فاطمة شبه مدمنة عليه! كانت أمها تتساءل كيف سيعشق أبناء هذا الجيل حين تجلس مع صديقاتها فهي تظن أن الجيل هذا جريء جدا ومترف جداً ولا شيء أسوأ من الترف وعدم الإلتزام بالتقاليد والعادات!

تتذكر فاطمة ذلك جيدا وتضحك بحسرة.. ليتك كنت هنا لترين بعينيك أماه الترف الذي نعيش به الآن! ابنتك التي كانت لا تلبس إلا أفخر الثياب من هارودز ولافاييت والتي كانت تلبس ملابس أميرات ديزني، هي الآن تلبس ثيابا لم تكن تعدها من الثياب! وتأكل العدس فإن جاء اللحم فذلك مرة بالشهر ربما… وجهاز السنترال الذي كانت أمها تعتبره معجزة العصر لا يعمل إلا نادرا لإنقطاع الكهرباء!

والحب الذي كانت تخاف منه أمها لو كانت هنا لأحبته… إنها ستتزوج ناصر البطل الذي رآها مرة واحدة فقط قبل ثلاث سنوات وهو يوزع الخبز على بيوت الجيران، عرفت حين التقت عيناه بعينيها أن هناك شيئا آخر فيهما… شيئا يخبرها أنها سترى تلك العين مرة أخرى وأخرى تتلوها أخرى…

عُدنا يا أمي في الزمنِ إلى ما قد يكونُ أبعَدَ من زمانِكِ وأكثر منه قِدماً وأشَدَّ حِرماناً، فنحن في سجنٍ سُلِبَتْ فِيهِ حُرِّيَّتُنا. فستان زفافي الذي كنت أتخيله أجملَ من فساتين عارضات الأزياء سيكونُ لباساً عاديا جداً لم أكن لألبسه حتى لزيارة عادية لقريبٍ قريبٍ من القلبِ جدا. ورغم كل ما حولي من حرمان فلا شيءَ يَعْدِلُ فقدانك يا أمي وفقدان هذا الوطن، فَلَوْ قدر أن تكوني هنا معي في كويت حرة لقبلت ذلك حتى لو سكنت في بيت شعر وسط هذه الصحراء القاحلة!

في اجتماع قيادة المقاومة العليا كان النقاش محتدما بين الجميع تقريبا من جهة ضد علي، فالكل كان مؤيدا لخطة الإنزال من البحر ثم الهجوم من بنيد القار على الأبراج، أما علي فكان يرغي ويزبد ويصر على خطة البوغاتي وسرقته للطائرة من المعسكر.

لا نستطيع المجازفة بكل المقاومة في سبيل خطة كهذه قالها سيد هادي رئيس مجموعة المسيلة، هذه مقامرة لا نستطيع تحمل نتائجها

لكنني أملك ثقة آمر القاعدة المطلقة فقد أسديت له العديد من الخدمات على مر الوقت حتى حسبني صديقه المخلص، إنه لن يرد لي طلبا خصوصا إن أهديته السيارة… رد علي على سيد هادي

صاح ناصر: قل لي كيف سيفسر إهداءك له لسيارة كذلك؟! ألن تساوره الشكوك؟

هناك سيارة مشابهة يمتلكها العراقي الذي سرق وكالة الكاديلاك والشفر، سأقول له أنني سرقتها وأريد منه أن يبيعها فنتقاسم سعرها سوية

لن يصدقك!

نظر علي بشزر لمن بالقاعة ثم ضرب بقبضة يديه على الطاولة… حسنا لقد أخبرته والسيارة في طريقها بحرا ولقد صدقني! وإن لم تعجبكم هذه الفكرة فهذا شأنكم وأنا لست معكم في أي شيء. كل ما علينا هو قتل جبر وذلك عمل لا يحتاج لكل هذا التعقيد!

أيها الأحمق قالها أحد قادة المقاومة، إن شك بشيء وأبلغ الإستخبارات ستفشل الخطة كلها… لم أسمع بفعل أحمق من هذا في حياتي كلها!

ترك علي القاعة والشزر يتطاير في عينيه

هذه الرغبة الجامحة في التهور لا حل لها، إنها تفشل أي عمل جماعي، كان علينا أن لا نضم شخصا يعمل بهواه في عمل ضخم كهذا، يجب علينا أن نراقبه فالهجوم سيكون في الليلة التي بعد الغد! قالها ناصر وهو يدري أنها ستكون كذلك ليلة عرسه من فاطمة!

كان الإستعداد على قدم وساق لساعة الصفر… الساعة الثامنة ليل الخميس فالجبهات كلها ستشتعل مرة واحدة! في بغداد ستتم محاولة اغتيال صدام أثناء حضوره لأحد حفلات عيد الميلاد وفي الجنوب ستحدث ثورة شعبية تزلزل الجنوب كله وذلك ما سيحدث في كردستان الشمال كما أن بعض المعارضة العراقية ستهاجم من الحدود السعودية بدعم سعودي وبعضها سيهاجم من الحدود الإيرانية بدعم إيراني وبتنسيق ايراني سعودي مشترك فصدام أثبت أنه خطر على كل المنطقة. في الكويت رغم قلة سكانها فإنها أبت إلا أن تشارك بقوة انتقاما لشهدائها الذين إلى اليوم فاقوا الخمسة آلاف! في الساعة الثامنة… ساعة واحدة بعد موعد حضور المأذون الشرعي لعرس ناصر سيبدأ الهجوم!

كان ناصر في الكراج جالسا بعدما أغلق بابه في الرابعة عصرا، كل الأفكار تجول في مخيلته كعاصفة لا تتخيل أنها ستنتهي أبدا، كان يشتاق إلى حبيبته.. كان يشتاق للكويت.. حين يراها حرة مرة أخرى! ما الذي سيفعله بعد أن ترك المدرسة مرغما بسبب الغزو! ماذا سيكون دوره؟ كيف سيكون حجم الفرح إن طرد صدام؟ سنتحول إلى مدينة فاضلة يعمها الفرح والسرور والوحدة خلف حب الكويت! لن نعود كما كنا أبدا! أبنائي من فاطمة سيعيشون في كويت حرة كما عشت طفولتي التي انقطعت من دون سابق ميعاد. كان ينظف سلاحه ويضع فيه الزيت ثم يتأكد من المنظار ومعيار العدسة وإذا بباب الكراج الجانبي يفتح وعلي يدخل منه!

أبدى ناصر عدم الإكتراث واستمر في تنظيف سلاحه الذي فككه للتو! وإذا بضربة قوية على رأسه!

استجمع ناصر قوته لكن عليا كان أشد منه وأكثر قوة

لوى ذراعي ناصر وربطها بمهارة عالية

ثم ربط قدميه!

نظر إليه ناصر: أيها المجنون… أنت تخون الكويت.. لو قيل لي من آخر رجل بإمكانه أن يخون الكويت لقلت علي.. كيف يصل بك الجنون إلى الخيانة! أم إنهم أعطوك بعض المال ووعدا بالسفر والإقامة خارج الكويت؟! أنت تدمر خطتنا كلها يا علي!

كان علي يضحك بشر مستطير.. نظر الى ناصر في عينيه وقال له ثلاثَ كلماتٍ قبل أن يربط الشريط اللاصق على فمه: (تستاهل) شوي عليك!

وترك المكان

كان قلق ناصر ينصب على إخبار المقاومة بخيانة علي حتى لا يُساق المقاومون إلى حتفهم، فعلي لا شك أنه أخبر العراقيين بخطط المقاومة كلها!

في السادسة والنصف كان القلق يلف الأجواء في منزل فاطمة! يا ترى أين ناصر؟ لا تفصلنا سوى نصف ساعة على موعد عقد القران..

كانت فاطمة تعلم في قرارة نفسها أن من ستتزوجه ليس رجلا عاديا، ولقد قَبلت به رغم معرفتها أنه لن يكون أبدا ملكها فقد ملكته أشياءٌ أخرى واستولت على قلبه أمور أشد أهمية ولربما يرحل من هذه الدنيا في أي لحظة فداءً لمن يحبها أكثر من حبه لها! ورغم كل هذا كانت تُمَنيّ نفسها بالخير!

لولا أمنيات النفس لما استطاع الإنسانُ أن يستمر في هذه الحياة القاسية التي قد تفاجؤك في أي لحظة وفي كل لحظة. لولا أمنيات قلب فاطمة أن الله سيستثني ناصر من البلاء لما وافقت على الزواج منه ولما استطاعت أن تتحمل دقات قلبها المجنونة في هذي اللحظات!

ما قد لا تعرفه فاطمة أن أصدقاء ناصر المدعوين من قادة المقاومة كانوا أكثر قلقاً وهلعاً وقد أرسلوا للتو من يبحث عنه! فإن حصل مكروه لناصر فذلك قد يؤثر بشكل جدي على خطتهم الليلة. ولربما اكتشف أحد أمرهم فبدأ بناصر قبل أن ينتهي بهم.

أما أبو فاطمة فقد كان منشغلا بالمدعوين وبو مشاري عم ناصر والمأذون

كانت السعادة بادية على وجوههم حتى أنك كنت تحس ببعض ذبذباتها يصطدم بجسدك أو قد تشعر بحرارتها وهي تدفؤك في صالة المنزل الباردة رغم الفحم المشتعل في وسطها، يُقالُ أَنَّ لكل شعورٍ طاقة تتولد منه، مصدر هذه الطاقة قد تكون حرارة جسمك التي تتبدل مع كل شعور أو دقات قلبك التي تتغير مع تغير المشاعر، ولا يحس بها إلا مرهف الحس جداً!

كان الفرح شبه محرم على الكويتيين فلم يبدأوا بالزواج إلا أربع سنوات بعد الغزو وبعد نقاش طويل ومرير! لقد فقد كل بيت كويتي تقريبا عزيزا لهم فكانت الأفراح وإن تسمت بذلك مناسبة لندب الراحلين حيث يبدو غيابهم بشدة في المناسبات التي يكثر فيها الحضور!

فالبعض حينَ يغيبُ يحضرُ بشدة فيسلُبُ منكَ كل شيء!

يغيبُ الناس عن الحضور… ويغيب الآخرون من حولنا… لكن غيابَ البَعْضِ حُضور..

وحضورهم هؤلاءِ البعض ليس كأي حضور!

عندما يحضرون يسلبون أعيننا والقلوب وحين يغيبون يسلبون عقولنا ونبضَ أفئدَتِنا وبطريقةٍ ما.. يصبح كل الحضور غيرهم من دون معنى ومن دون قيمة!

عندما يغيبون تشتاق لهم نفوسنا فتنفخ في الذكريات روحاً تجعل الذكرى حيَّةً كَإسطوانة تستمر في الدوران من دون توقف ولا تتوقف الإسطوانة إلا بحضورهم فإن غابوا تعود الإسطوانة للعزف أو العرض أو ما شابه. هم استولوا علينا فلم يُبْقوا لنا في هذي الحياةِ شيئا سواهُم!

وهكذا كانت الكويت.. مملوءةً بالفقد والحزن حتى في أفراحها!

في تلك الأثناء كانت مجموعة من شباب المقاومة تستخدم المنشار الكهربائي لفصل باب كراج ناصر.. الشرر يتطاير من حولهم لكنه يكاد لا يفوق الشرر الذي يتطاير من قلوبهم شوقا لمعرفة مصير ناصر! خطتهم الليلة تم تجميدها حتى معرفة مصيره.. خطتهم التي كانت أول أمل حقيقي لهم في تحرير بلدهم المغتصب!

ما إن انتشروا داخل الكراج حتى دلف أحدهم الى الباب الداخلي الذي يقود الى سرداب ذو ممر سري فوجدوا ناصرا مكبلا كما تركه علي!

الساعة الآن ربع ساعة قبل الثامنة… ناصر يدخل صالة المنزل التي ينتظره فيها مدعوو عقد القران

تشرئب الأعناق لتراه

صيحات فرح تتعالى من الحضور.. صيحات أخرى تسأل أين كان طيلة هذا الوقت.. الإحمرار يبدو حول شفتيه الممتلئتين بفعل اللاصق الذي وضعه علي.. كان ظاهرا عليه بجلاء أنه كان في شيء لا يسر أبدا!

وحين كانوا يلقنونه صيغة العقد.. كان هو في عالم آخر

عالمٌ مجنونٌ من الحسرة والحزن وصور الشهداء الذين تساقطوا على ثرى الكويت في الخمسة عشرة سنة السابقة.. عالم تملؤه شريط محادثاته مع علي عن الكويت وعن حبها وكيف لم يستطع كشف خيانته من خلال لحن قوله.. تذكر أحد المحادثات تلك حين قال علي أن البلد هذا قد لا يقدر تضحيات الشهداء.. غضب ناصر من ذلك ورد عليه أن ما نفعله هو ليس من أجل تقدير أحد أبدا.. ما نفعله للكويت هو بحد ذلك تقدير عظيم.. فالفرصة بالتضحية نعمة وهدية إلهية قد لا تتقدر لأحد ولا تقدر بثمن.. كيف لم ألتفت لخيانته منذ زمن..

أخطأ ناصر في لفظ كلمة من صيغة العقد.. ضحك الحاضرون.. انتبه ناصر واستفاق من غفلته.. أعاد إلقاء صيغة العقد.. اصطف الحاضرون لتهنئته في طابور طويل.. فجأة تعالى صوت دوي هائل صم الأسماع..

تلاقت أعين المقاومين بعيني ناصر.. تبادل الجميع النظر

أدرك أبو فاطمة أن ناصرا سيترك المكان.. اتجه مسرعا لغرفة النساء.. وطبع قبلة على رأس فاطمة التي كانت رغم بساطة ما عليها تبدو كإحدى حوريات الأساطير الإغريقية.. اعتذر لها راجيا الإنصراف

ترك المقاومون وناصر حفلَ ناصر متجهين لغرفة العمليات الطارئة لمتابعة ما يحدث

لقد تم تفجير برج من أبراج الكويت.. البرج الذي تستخدمه القوات العراقية الغازية كمركز للقيادة.. قتل بالإنفجار ما يزيد عن مئتين من كبار القادة العراقيين من الحرس الجمهوري من بينهم قائد القوات!

إستقبل المقاومون ناصر ورفاقه بهذا الخبر!

ناصر اجلس هنا.. أشار السيد هادي العلوي بكرسي بجانبه أمامه سماعة أذن موصلة بجهاز صوتي.. ضع السماعة على أذنيك.. هناك ما يجب عليك سماعه!

كان ناصر في أشد الحيرة من أمره.. لم يكن يدري ما يجري حوله.. كان محتارا لدرجة الغثيان.. لا شيء مما حدث ولا شيء حوله يبدو مفهوما على الإطلاق.. وضع السماعة على رأسه.. شوشرة من الصوت بدأت.. ثم صوت بشري آلي بعض الشيء.. المجد للكويت.. يا رب هذا البيت.. إحفظ لنا الكويت.. المجد للكويت.. ناصر هذي هدية عرسك.. قلت لك تستاهل!

ناصر يعرف صاحب هذا الصوت جيدا.. فهذا من أحكم وثاقه في الكراج.. كان صوت علي..

انخرط ناصر في بكاء طويل.. فعلها علي.. فعلها البطل.. أنقذ حياة المئات من المقاومين بروح واحدة! فعل ما كان ينوي القيام به.. ضرب بطائرته المسروقة قوات صدام الغازية!

ثوار الجنوب والأكراد يستولون على المدن في الشمال والجنوب.. تساقطت الواحدة تتلوها الأخرى.. البصرة والناصرية والحلة وكربلاء والنجف.. السليمانية والموصل سقطت.. سلمت تكريت نفسها بعد حصار.. لم تبق إلا بغداد التي لم تستطع الصمود لأكثر من أسبوعين.. صدام وجد مختبئا في أحد المزارع حول العاصمة.. قوات درع الجزيرة دخلت الكويت ولم تجد مقاومة تذكر.. فقد ثار أفراد الجيش الشعبي العراقي على الحرس الجمهوري العراقي في الكويت وساند بعضهم قوات درع الجزيرة.. الكويت حرة بعد خمسة عشرة سنة من غزو لم يعرف له تاريخ المنطقة مثيلا..

سنتين الآن منذ تحرير الكويت..نحن الآن في عام ٢٠٠٩

على هامش الندوة التي تركها ناصر للتو سأله أحدهم: ماذا لو لم يستمر الغزو لسبعة عشرة سنة.. ماذا لو تحررنا على يد قوات خارجية؟

أجاب ناصر.. لو تم ذلك لفقدنا الثقة بأنفسنا ولعشنا هاجس أن الكويت دولة مؤقتة.. في هذا الهاجس مبعث قلق لا يمكن احتماله.. في هذا الهاجس رسالة مخفية قد تدمر هذا البلد.. ثق واعتقد أن حب هذا الوطن عميق جدا ومتجذر جدا.. لا أحد يستطيع انتزاع هذي الأرض منا.. ولو عادوا عدنا.. الكويت للكويتيين دائماً وأبدا!

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s