عُدْ مِن حَيثُ أَتَيت

أُقسِمُ عَلَيْكَ بذاكَ الغُبارِ يَتَطايَرُ حول مقدمك الجميل… أن لا تتركني حينَ أرحَلُ من ها هُنا!
حينَ أُصبِحُ ذراّتِ غبار هذي الأرض تتراقَصُ حول شعاعِ الشمسِ الذهبي عِنْدَ وطيء قَدَمَيْكَ مَرَّةً أُخرى!
يَتَناثَرُ الغُبارُ حولَكَ كما تتناثَرُ قِطَعُ قَلبي حينَ أَراكْ!

كُنْتُ صبيا في السابعةَ عَشَرَةَ من عمري إذ تركت هذا الوطن مسافرا إلى لندن للدراسة ولم أكن أحلم سوى بضبابها والإستيقاظِ فجرا وَقْتَ حرب الضباب مع خيوط الشمس، ثم زيارة قلاع اسكتلندا وكنت أحيانا كثيرة أسهر ثم أتجه لمحطة القطار هكذا من دون سابق تخطيط لزيارة هذه القلعة أو تلك، ولا شيء من أحلامي كانت تدور حول الطب، لكن الله أهداني ألف حلمٍ لم أكن حالما من ذي قبلٍ بأي منهم.
هكذا هي الحياة… أرزاقٌ تأتيكَ من حيث لا تدري… و مصائب تأتيك من حيث تدري ومن حيث لا تدري!
فما يأتيك من حيث لا تدري أجمل مما يأتيك من حيث تدري فاترك ما تدري الى ما لا تدري وتَعْلَمْ!

وهذا العالم اليوم ليس العالم عام ثمانية وتسعين، كنت أدفع خمسة وسبعين دينارا حتى تصلني جريدة الوطن من الكويت الى بريطانيا وكانت الجريدة الوحيدة التي توفر مثل هذه الخدمة إذ ذاك. كنت أتلهف لقراءتها حين تصلني ثلاثة أعداد دفعة واحدة كل ثلاثة أيام. أما اليوم فكل شيء يصلك في كل لحظة إن شئت وإن لم تشأ.
لا شك أن هذا العصرَ، عَصرُ قتل اللهفة، لكننا رغماً عنه لا زلنا نعشق ونتلهف لِلُقيا من نحب!

وماذا يعني أنني أعود؟ وماذا كانَ يعني الرَّحيل؟
هل أنا مَن أنا حينَ كُنْتُ بالسابعة عشرة وأنا الآنَ أعودُ لِما كُنتْ؟ أَمْ أنني شخص آخر؟
إن كُنْتُ شخصا آخَرَ فَأَينَ ارتَحَلَ ذلك الصبي اليافع؟

في الواقع أنا هو ذلك الصبي اليافع وأنا أيضاً ذلك الطبيب الذي تجاوَزَ الثلاثين!
أنا هو الغريبُ الذي جابَ أصقاعَ الأرض
وأنا الصبي الذي لا تَسَعَهُ الأرضُ فَرَحاً حين أقدم على موطني!

أنا شيءٌ واحد فَروحي لَمْ تتبدل فَقَد وُجِدَت قبل أن أولد وستَبقى بَعدَ أن أَمضي!
لكن بدني اليوم ليس بدن الأمس فخلايا جسدي انقسمت وتغيرت آلاف آلاف المرات يشهد على ذلك البياض الذي تسلل خلسة إلى شعر رأسي!
وحدَها خلايا الدماغ لم تتبدل وتنقسم، هِيَ كما كانت… كل ما في الأمر أنها زادت الذكريات على الذكريات التي كانت تحمل!
فالذكرياتُ إذاً هي ما تَصنَعُنا!
الإنسانُ هو ذكرياته… هو روحٌ لا تتبدل لكنها تحمل الذكرى التي تزيدُ ولا تَنْقُص!
أنتَ مجموعةٌ من الذكرى
أنتَ إذا من تُحِب… ذلك أن من تحب جزءٌ من الذكرى
أنت شروق الشمس
أنت الشمس
وأنت الصحراء التي كنت تلهو فيها طفلا حين الشتاء
وأنت أول قبلة قبلت فيها ثَغْرَ من تَعْشَق
أنت النجوم والهواء وموج البحر الهادر
أنت كل شيء
فيكَ شيء من كل شيء
أنت روح واحدة تعيشُ ألف ذكرى… وفي كل ذكرى حياة… أنت روحٌ تعيشُ ألفَ حياة!

عُد مِن حَيثُ أَتَيتْ

نحن لا نحتاج للسفر بعيداً، فإن أكثر مكان نحتاجُ السَّفَرَ إليه هو قلبُنا! حينَ نكتَشِفُ أنفسنا ونكنس زوايا القلب من الغبار الذي غطى أجمل ما فيه!

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s