غياب

في كل فرح تتمثل أمامي! أذكرك وسط زحام الناس ووجوه المهنئين! تغيب تلك الوجوه فأتمثل وجهك في كل شيء! وبكل حزن تظهر حين أحاول مغالبة دمعي دائما أقول لنفسي لا تحزني ما دام حبه في هذا القلب فقد حق على هذا القلب ألا يذوق الحَزَن!

هي الحياة هكذا لا تمضي إلا بالحب ولا يحكمها إلا الحب! كان أناكسوغوراس وهو أحد الفلاسفة ما قبل سقراط يؤمن أن ما يحكم الكون هو الحب وأن الكائنات والأفلاك تتشكل بالحب فإن كرهت الذرات شيئا لا تتحد معه وإن أحبته اتحدت!

كنت أقرأ في بعض هذه الكتب الفلسفية في المقهى القريب من مكان عملي فمنذ وحدتي هذه وأنا لا أتسلى سوى بمثل هذه الأشياء التي تجعلني أسرح بعيدا عما أرى حولي! يقولونَ الواقِعُ هو ما نرى! لا أعتقد ذلك فالواقع هو ما لا نرى!

الواقِعُ أن بك آلاف آلاف الخلايا وهي أساسك! لكنني لا أرى ذلك! الواقع أنك تفكر الآن في جمالٍ غاب عنك أو شيء تمنيت فعله لكنك تبدو معي بهذا المقهى وكأنك تتتبَّعُ ما أقول!

الإنسانُ يعشق الخيالَ والحُلُمَ في كل لحظاته نائما أو وسط يقظته! لذلك يموتُ الإنسانُ عند قتلِ حُلُمِه!

قطعت سيل أفكاري تلك رنين هاتفي وإذا بالطبيب المناوب من غرفة الحوادث يخبرني عن وصول مريض استأصلت منه سرطانا بالمريء قبل أسبوعين! استلزم ذلك استئصال كل معدته كذلك ثم توصيل ما بقي من المريء بإمعائه! كانت عملية صعبة نتيجة التلصقات في تلك المنطقة من عملية سابقة! هذه الوصلة بين المريء والإمعاء لا تلتئم أحيانا بسهولة!

ضغطه منخفض وكريات الدم البيضاء عنده مرتفعة دقات قلبه متسارعة!

قلت له أن يتصل بغرفة الإنعاش مباشرة ويبدأ بعض المضادات الحيوية بالوريد ويعطيه الكثير من السوائل وحين تتحسن حالته يجري أشعة مقطعية! ظني أن هناك تسريبا من هذه الوصلة أدى لإلتهاب شديد!

أغلقت صفحات كتابي لأتجه للمستشفى منزلي الثاني وربما الأول!

وطن فؤادك ما استطعت من الهوى ما الحب إلا للحبيب الأول
كم منزل في الأرض يألفه الفتى وحنينه أبدا لأول منزل!

على أعتاب باب المستشفى يرن هاتفي مرة أخرى

مريضك هذا بخطر شديد! إننا بالكاد نستطيع قياس ضغطه! إتجهوا به مباشرة لغرفة العمليات! أراكم هناك!

استبدلت ملابسي بسرعة وارتديت ملابس الجراحة! ثم اتجهت لغرفة العمليات

في تلك الغرفة كان المشهد وكأنه أحد مشاهد حرب عالمية

عشرون طبيبا وممرضا ربما! هذا يضع السوائل وآخر يقرأ البيانات على أكياس الدم وتلك تحضر عدة العمليات وهذا يجر سرير الحوادث! لم يلفت نظري سوى رجل المريض التي اصطبغت بدوائر غامقة اللون! إنه ميت!

هذه الدوائر لم أرها إلا على من مات! إنها تعني أن الدم لا يصل لهذه الرجل! وجهه كان شاحبا جداً كما الأموات! تذكرته حين أخبرته بتشخيصه! فرجاني تأخير العملية حتى عرس ابنته بعد ثلاثة أشهر! قلت له ذلك قد يعني موتك!

أجرينا عمليته دون تأخير وذلك يعني أن عرسها بعد شهرين! يجب أن يعيش حتى يقبض على يدها ليسلمها لعريسها!

صرخت بهم أن يحملوه مباشرة على طاولة العمليات!

اللحظات هنا تساوي الحياة!

لم أتعقم فلا وقت هنا لدينا ليضيع!

سكبت محلول التعقيم على بطنه كما يسكب البقال الماء على مدخل محله عند صباح صيفي مشمس!

ثم قبضت على السكين واخترقت بطنه كاملا بضربة واحدة!

فتدفق الدم الغزير من كل جوانب البطن لينزل على رجلي من أسفل الركب!

من أين أتى كل هذا الدم!

رائحة كريهة تنبعث من البطن!

وضعت الفوط الجراحية في زوايا البطن الأربعة

ثم طلبت من طبيب التخدير إعطاءه كل ما لديه من أكياس الدم

حين انتزعت الفوط كان الدم يسيل بغزارة من الجهة العلوية اليسرى

إنه الطحال ربما مصدر كل هذه الدماء!

قبضت بيدي اليسرى على الطحال بعدما انتزعت ما يلصقه بالجسم بيدي

ثم قطعته مع جزء من ذيل البنكرياس الذي يتوحد معه!

ربطت أوعية الطحال ولا زال الدم يجري غزيرا

هنا وجدت فتحة التسريب من وصلة المريء

ثم اكتشفت أن شريان الطحال كله قد تآكلَ من التسريب وأن الدماء تسيل غزيرة من كل نقطة فيه

صوت أزيز أجهزة التخدير لا يبشر بخير! يبدو أن لا ضغط يُقرَأُ لهذا المريض!

مسكت الإبرة وقمت بخياطة الشريانِ كله رغم صعوبة رؤيته من كثرة الدماء!

هنا وقف الدم!

بدأ الضغط يتحسن! تركت البطن مفتوحا ولم أغلقه! فذلك الإغلاق سيستغرق وقتا ثمينا من الأفضل قضاؤه في غرفة الإنعاش مع أكياس الدم والسوائل والمضادات الحيوية!

تركت ثلاثة أنابيب قرب التسريب حتى أتحكم بالإلتهاب ريثما أستطيع إصلاحه بعملية أخرى حين تستقر حالة المريض! ثم وضعت أنبوبا بأنفه يصل الى وصلة المريء ليمتص الإفرازات حتى لا تنتشر بالبطن!

تركت الغرفة بعدما شد على يدي الأطباء رفاقي! وحين أتاني المريض بعد شهرين للعيادة أتى ومعه بطاقة الدعوة لي لعرس ابنته! راجيا مني أن أسحب أنبوب البطن الأخير حتى لا يظهر خلال لباس العرس الذي سيلبس!

حين ترك غرفة العيادة اغرورقت عيناي بالدمع!

كانت حبيبتي تشتكي من فقدان وزنها فكنت أهون عليها ذلك في الوقت الضئيل الذي كنت أراها فيه في المنزل! وحين اشتكت من صعوبة بلع الطعام دق بقلبي ناقوس الخطر! فغضبت من أنها لم تخبرني بذلك قبلًا!

منذ زواجنا وأنت تهون من كل مرض أشتكي منه أو عرض! فلماذا تغضب الآن؟!

كان منظار معدتها وكأنه مسروق من كتاب! نمو كبير بالمريء وانسداد كامل! ثم كانت الصاعقة انتقال المرض الى الكبد! لم تستمر معاناتها طويلا!

شيء جميل أن تكون زارع حديقة الورد لدى جارك الذي تحب! لكن الأجمل أن تعتني بورودكَ أولا قبل كل شيء! الوحدة هذه لا يقتلها سوى دفات هذه الكتب لتأخذني بعيدا! وكأني أفتش عن عالم آخر يبعدني عن العالم الذي أعيشه الآن!

يقول الفيلسوف بارتيز في كتابه عن الحب

(المعلم كان يغطس رأس تلميذه ببِركَةِ المياه حتى تبدأ فقاعات الهواء بالإختفاء تدريجيا حتى تغيب نهائيا! ثم حينها فقط يرفع رأس التلميذ من الماء قائلا له:
عندما تشتاق للحكمة كما تشتاق الآن للهواء
عندها فقط ستوهَبُ الحكمة)

غياب من نعشق هو غطسٌ لرؤوسنا في المياه

الشوق هو غطس لرؤوسنا بالمياه

وحين نختنق من الغياب حينها نوهب الحب ونعرف قيمة من غاب…. من نحب

13 رأيا حول “غياب

  1. كما عودتنا يادكتور استطعت ان تسرق انفاسنا برواياتك.. هنيئا لنا بقلمك

  2. قصصة مشوقة وراائعة جددا ، ملييئة بالكثيير
    من المشاعر والجمال ، هنيئا لقلمك بك ،
    متشوقة لكل ما هو جديد لك ،

  3. Hello doctor .. I just want to say that I really reaaally enjoy reading your stories .. and yesterday you was asking in twitter (did you read all my stories ?) my answer will be yes I did and I’m in love with most of them .. *THANK YOU*

  4. دكتور ما اجمل كتاباتك ..روائع .. مافي شخص راح يشعر في شي يعيشه شخص اخر الا اذا عاشه.. ..الوحدة شي كريه فعلا ومؤلم .. لا اهل ولا أصدقاء لي هنا أيضاً .. موفق دكتورنا الله يعطيك الصحة والعافية ويحفظ من أنجبك ورباك.. ونعم الابن والأب:) لم أشأ المرور بدون ترك تعليق مستمرة في قراءة باقي المدونة ما ان افتحها بصعوبه أستطيع اغلاقها ..

  5. مؤثر جدا 😦
    أنت محظوظ فعلا، وهبك الله مهارة الجراحه لتغيير حياة الكثير. هذه كلها صدقات جاريه لك طول حياتك و ما بعد ذلك.
    تستحق هذه النعمه.

  6. قصه جميله جدا دكتورنا ..
    منها للأعلى يا رب ..
    من جد انت قدوتي الله يوفقك
    مستمره في قراءة باقي المدونه

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s