0

قصة قصيرة عن الغزو

لم يكن هناك متسع من الوقت حتى حفلة زفافه، خصوصا وأنه لا زال على رأس عمله يكدح من السادسة صباحا حتى الثامنة ليلا رغم أنه لا زال شابا لم يتجاوز بالكاد الثانية والعشرين من عمره. في طفولته كان دور الطبيب دوما مسند له في حفلات المدرسة أيام الهالووين حيث أن مدرسته أحد أرقى المدارس الخاصة في الكويت تلك المدارس التي كانت تعد على أصابع اليد الواحدة ولكن حلمه أن يصبح طبيبا اندثر بغزو صدام للكويت ومنعه التحاق الكويتيين بالجامعة. ها هي الآن جامعة الكويت ثكنة عسكرية ومنزل أشباحٍ لا يقربه أحد ولم يكن هناك أحد أشد حزنا على تلك الجامعة من والدته التي كانت أستاذة للأدب العربي فيها، وهي الآن من دون أي عمل. أما هو فإنه يعمل في كراج للسيارات صباحا ثم كسائق أجرة حتى الليل واستطاع بمجهوده أن يجمع ما يعادل مئتين وخمسين ديناراً كويتيا سيكفي مهراً لزوجة المستقبل. ولم يكن يحتاج شيئا لشهر العسل فصدام منع أي كويتي من العودة إلى الكويت إن خرج منها.

استيقظ في الرابعة فجرا بعد نوم متقطع بفعل البرودة الشديدة هذا الشتاء ولما كانت سلطة الإحتلال تقطع الكهرباء ليلا في الشتاء ونهارا في الصيف عقابا للكويتيين بعد سلسلة مظاهراتهم الأخيرة، فلم يكن إلا الفحم وسيلة للدفء، هذا الفحم الذي أصبح سلعة نادرة يصعب وجودها ولما كان يحاول التوفير قدر المستطاع فإنه كان ينام من دون ما يقيه لسعات البرودة هذه.

أفطر مع والدته على شاي وبعض من البقصم والقيمر العراقي ثم قبل رأسها متجها لكراجه الذي يشتغل فيه مع اثنين من أصدقاء طفولته. يستغرق الطريق منه ما يزيد على الساعة والنصف ولما كان الجو ممطرا فإنه وصل وهو مبلل بشكل كامل فدراجته الهوائية هذه لا تحميه من شيء.

ارتفع صوت الصفيح الحديدي الذي يغطي واجهة محله كئيبا بطيئا بينما كان يرفعه بآلة يدوية، يتخلل صوت المعدن هذا صوت قطرات المياه وهي تتساقط من على الصفيح على بركة صغيرة تشكلت أمام المحل.

يا ترى لو لم يكن الوغد صدام هنا، ماذا عساي أكون الآن؟ فأنا كما يقولون من عائلة ثرية كانت تمتلك الكثير قبل الغزو هذا، ولا زالت بيوتنا في أوربا شاهدة على ذلك، لكن والدي كان يأبى الخروج مخالفا في ذلك أغلب أقرانه من الأثرياء. كان يأبى الخروج من هذه الأرض خوفا أن إليها لا يعود فما أقسى أن تفارق شيئا تعلم أنك لن تلتقيه مرة أخرى! حاولت والدتي ثنيه عن الجلوس هنا لكنه في كل مرة كان يأبى و عناده هذا عناد من ذرف على الستين لا ينفع معه شيء إلا الموت الذي كان ينتظره، موتا مشرفا كان يليق به، وأنا كوالدي ابن هذي الأرض، لن أتركها رغم شظف العيش الذي أقاسيه ورغم كل هذا القهر لن أتركها أبدا فإن أرادوا مني الرحيل فعليهم المحاولة بطريقة أفضل، عليهم أن يقطعونني إربا إربا ثم يحرقون ما قطعوه ثم ينثرونه في يوم شديد الرياح حينها فقط قد ينجحون في إبعادي عن هذه الأرض وعن من أحب.

أشعل ناصر بعض الحطب ليعد شايه الأسود الداكن… وما لبث أن انتهى من إشعاله حتى دخل أصدقاؤه علي ويوسف شركاؤه في عمله هذا. علي هذا شديد الطول عريض ما بين المنكبين مفتول العضلات ذو شارب كث، إن رأيته حسبته أحد حراس السلاطين الأتراك الجانساريين وهو مشهور بشجاعته التي تصل حد التهور منذ صغره، ويروى أنه كان في شبابه يجلس دائماً ساعة قبل صلاة المغرب أمام باب منزله، واضعا غترته على كتفه حتى إن احتاج أحد المساعدة في نزاع للأيدي هب هو بنفسه للمشاركة حتى وإن لم يكن يعرف الشخص الذي طلبه للمساعدة فكل ما عليك أن تناديه فيلبي النداء ويُحكى أنه في أسبوع واحد دخل في نزاع فضرب شخصا دفاعا عمن استنجده وبعدها بيومين ضرب شخصا آخر دفاعا عن شخص آخر استنجده واكتشف بعدها أن الذي كان يضرب هو الذي استنجده بالأمس وأن الذي يضرب معه هو من ضربه علي قبل يومين وتعد هذه القصة من فكاهات الحي التي لا تنسى. أماويوسف فهو يشبهه كثيرا فهو ابن خالته لكن أقصر طولا وأكثر هدوءا وروية وكان مطلقا للحيته الناعمة كذلك.

يوسف: شايك الأسود هذا لا يلقى قبولا من أحد هنا، كم مرة طلبنا منك أن تجعله أقل سوادا فقلوبنا بيضاء لا تتحمله!

رد ناصر: لو كان قلبك أبيضا لاستوعبت أن الشاي الأسود هو الحل الأمثل للجميع فأستطيع أنا أن أشربه وتستطيع أنت أن تضيف عليه بعض الماء فتخففه لتشربه أنت وابن خالتك الرقيق هذا

علي: لا فائدة ترجى منك، ردودك دوما جاهزة ومعلبة! ملعقتين ونصف من السكر لو سمحت.

صوت ملاعق الشاي ترتطم بجوانب الكوب الزجاحي ورشفات علي ويوسف وناصر

التقت عينا يوسف وناصر للحظة فلم يستطع يوسف الإستمرار بالنظر… أنزل عينيه إلى الأرض قلقا ثم رشف شرفة أخرى من الشاي ليبتلع ريقه الذي كان سيبتلعه قلقا، فأراد أن يستخدم الشاي عذرا!

هل أنتم جاهزون.. قالها ناصر

نحن جاهزون كما لم يجهز من قبلنا أحد قالها علي.. لكنك أنت معذور يا أخي فعرسك قد اقترب ولم تكن أنت تدري بالخطة هذه! نحن جاهزون لكن وجودك معنا يحطم قلوبنا فهلا اعتنيت بوالدتك التي لم تلبث أن تفقد زوجها؟ هلا اعتنيت بها وأقمت عرسك؟ حينها فقط سنصبح جاهزين يا أخي.

لم يعجب كلام علي ناصرا أبدا

إن كان ولابد سأقوم بتأجيل عرسي لكنني لم أشأ ذلك حتى لا أثير الشبهات حولي كما أن والدتي هي من حددت هذا اليوم فهو عيد زواجها وكانت تريد أن تستزيد من الذكرى حين يتكرر الإحتفال بزفافها وأنا متزين بعباءة والدي الشهيد.

أنا من ولد لهذا اليوم و إنني أحيا لمثل هذا اليوم و إن كنت سأتزوج فإنه لا لشيء إلا ليصبح لي نسل يشرفني في هذا اليوم الذي يتحرر فيه وطني. لا يمكن أن أدع شيئا مهما كان أن يمنعني من بذل نفسي وكل ما أملك في سبيل هذا الوطن.

دعونا الآن من كل هذه المهاترات ولنتحدث بالمهم.

المهم الذي كانوا سيتحدثون عنه هو خطة عظمى لتحرير الكويت كان التنسيق لها قائما منذ مدة يتعاون فيها الأكراد في الشمال والعراقيون في الجنوب للثورة بوقت واحد على صدام في ساعة صفرٍ تم تحديدها قبل أسبوع من المحادثة هذه بين ناصر وعلي ويوسف ينضم في تلك الثورة الكويتيون والجيش السعودي الذي لازال صدام يحتل بعض أرضه. تركز تلك الخطة على عنصر المباغتة لتهبط كصاعقة على رأس صدام والحلقة المقربة منه عن طريق اغتيال القادة وصدام نفسه. كان على المجموعة الكويتية اغتيال قائد الجيش العراقي في الكويت الذي اتخذ من أبراج الكويت والبرج الأعلى منها تحديدا ثكنةً له. اختار مجلس كتائب المقاومة الكويتية ثلاثمئة من خيرة أبطالها ومن أشرس وحداتها وحدة الرميثية ووحدة كيفان للقيام بهذه المهمة الجسيمة مع إسناد من ألف مقاوم آخر. وكان دور كل هذه الجموع تسهيل عملية الثلاثة هؤلاء فهم كما يبدو لمن يدخل كراجهم شباب متهور بارع في إصلاح السيارات القديمة التي تعج بها الكويت مع عشق خاص للموستنج الإل اكس وإذا لم يكن لديهم ما يصلحوه فقد كانوا مدمنين على شرب الشاي و لعب الدومنة والبليارد الهندية مع جارهم أيوب اليمني الطاعن بالسن الذي حارب في الأربعينات لتحرير عدن فأبعده الإنجليز الى الكويت الذي تزوج من بناتها وأحبها حتى غدت جنة عدنه.. حتى أصبحت عدن قلبه الثانية.

سَأَلَ الثلاثةُ أيوباً العجوزَ ذاتَ يوم..كيف تُسْتَبْدَلُ الأوطانُ في القلوب؟

فأجابهم إن الوطن لا يُسْتَبْدَلُ أَبَدا! أنت من تُستَبْدَلْ فحين تترك وطنك فإنك تترك بعضاً منك ولا يمكن أن تكون كما أنتَ كُنْتَ بعد أن ترحل عن وطنك… لكن البعض يتغير فيصبح إنسانا آخر في وطن آخر وما أقسى هذا التحول الذي قد لا يطيقه البعض أبدا!

ولماذا يا عمنا نحس دوما أن علاقتنا بهذه الأرض الكويت تختلف عن علاقة الآخرين بأوطانهم؟ لماذا نشعر وكأن لا أحد يعشق وطنه كما نعشقه نحن؟!

لأنكم قوم عاشقون.. كيف لا يعشق من أجداده كانوا يجازفون بأرواحهم أشهرا في البحار ليغوصوا في أعماقه لجلب حبات اللؤلؤ الجميلة… إنه عمل رومانسي جداً لو تمعنت به لا يقدر عليه إلا رجال من صنف خاص جدا.. ولأنكم بين بلدان كبيرة تحوطكم من كل جانب صرتم في خوف دائم من الفراق فزاد حبكم لأرضكم كأم تنام ساهرة على وليدها المريض الذي قد يموت في أي لحظة.. أنتم فعلا عشاق لأرضكم كما لم يعشق من قبلكم أحد ولعل ذلك سبب بركات أرضكم.. هل تحسب أن الله بعظمته يهدي كنزا هائلا كما هو عندكم لكائن من كان؟! أما سمعتم أن البلاد لا تُعْمَرُ ولا يبارك الله فيها إلا إن أحبها أبناؤها.. الحب بركة في كل شيء!

أجمع مجلس المقاومة على قيادة هؤلاء الثلاثة للعملية هذه ولم يصدر هذا القرار من لا شيء فناصر قيادي بارع بعقل مذهل وخطط محكمة كما أنه كان خبيرا بالكمبيوتر والإتصالات ولديه جهاز لا يوجد منه في الكويت أهدته إياه الإستخبارات السعودية اسمه الآيفون يجعله على اتصال دائم مع العالم الخارجي بفضل شبكة الإنترنت أما علي فكان طيارا مقاتلا في أسطول الجيش الكويتي وطيارا في أسطول استعراضات الجيش كذلك ولم يكن أحد يداني يوسف في دقة تصويبه فقد كان قناصا ماهرا لا يعترف بالمسافات فهو يصوب من كيلومتر كامل وكأنه يصوب من مسافة ذراع واحدة. كان العراقيون يريدونه حيا أو ميتا فقد أردى الكثير منهم قتلى وكانوا يسمونه الجني في المقاومة.

كانت هناك خطتين على طاولة العمل.. الخطة الأولى هي خطة بحرية تقتضي توجه عدد من الزوارق من جهة البحر والإنزال من هناك بعد تفخيخ عدد من الزوارق وتفجيرها وحين ينشغل العراقيون بالمهاجمين من جهة البحر ينقض قسم آخر من المقاومين ويعصفون بالمبنى ثم يفخخونه ويفجرونه كاملا.

الخطة الثانية تعتمد على الإستيلاء على طائرة حربية من معسكر النوماس مع مطاره الحربي الذي أنشأه العراقيون في منطقة النزهة بعد أن هدموا بيوت قطعة اثنين بالكامل ثم قصف البرج بهذه الطائرة

ناصر:خطة الطائرة هذه متهورة جدا.. لماذا لا يقوم الجيش السعودي بالقصف بطائراتهم؟

لأن الطائرة سيتم اكتشافها بالرادار مبكرا ومن ثم ستعلن حالة الطواريء ولن يتواجد اللواء جبر في مكان عمله كان هذا رد يوسف

علي: إذا استوليت على الطائرة فإنني بدقيقة واحدة سأكون أمام مكتب جبر اللعين هذا

ناصر: لكنك ستودي بحياة ألف وثلاثمئة مقاوم حين تهاجم بهم معسكرا مدججا بالعتاد والجنود، هؤلاء المقاومين هم آخر آمل للكويت فلن تقوم للمقاومة من بعدهم قائمة.. كف عن تهورك قليلا

علي: أستطيع أنا وقلة قليلة الإستيلاء على الطائرة من دون هذا الكم الهائل إن رشوت هذا العميد آمر سرب الطائرات بسيارة رياضية حديثة. يقولون أنه يعشق السيارات السريعة!

ناصر: لقد شبع من كل شيء بعد أن استولى على الكثير من سياراتنا بنفسه

علي: ليس إذا أغريته بالبوغاتي ان طلبناها من الإستخبارات السعودية… أظنه سيهديني الطائرة ويقودها بدلا عني في هذه المهمة! قالها مبتسما ابتسامة قريبة للضحك

ناصر: هو آمر سرب فقط، فهناك الكثير حوله ممن هم أعلى رتبة كما أنه ابن عائلة معروفة بالفلوجة.. المدينة التي لم تكن شيئا من دون صدام.. إنهم يعبدونه هناك.. من المستحيل أن يخونه أحد من هذه المنطقة.. كن عقلانيا في تفكيرك

اتفقوا على أن يناقشوا الخطط هذه و ملحقاتها في اجتماع القيادة العليا للمقاومة القادم

لم تكد فاطمة تنتهي من تجفيف شعرها بعد وضع الحناء عليه إلا ودخلت عليها أختها التي تصغرها بعشرة أعوام منيرة وهي ترمقها بنظرة بها بعض الحب وبعض الشقاوة وبعض الترقب… فلم يبق على زفافها سوى أيام قليلة سيشغلها زوجها حينها ولن تكون فاطمة التي كانت! لكنها كانت أم كل من في هذا المنزل بعد وفاة أمها وهي تلد بمنيرة!

كان يوما حارا قائظا من أيام شهر أغسطس في عام ١٩٩٠ اللعين، تتذكر كيف تركها أبوها مع أخوتها الصغار وعمتها لينطلق بأمها التي كانت في لحظات الولادة الأخيرة…

يقال أنها ولدت منيرة في السيارة على أحد حواجز التفتيش وبدأ نزيفها إذ ذاك…

حين وصلت لباب المستشفى كانت بيضاءَ كالثلج من النزيف الشديد الذي سرق لونها ومع نور الشمس الحارقة ومع لهفة والدها وقلقه فإنه حسبها تشع نوراً فأسمى ابنته منيرة لذلك..

بين الحياة والموت حدٌّ فاصِلٌ لا يتجاوز رمشة العين في ذلك الحد عالمٌ يضج بالذكرى ويضج بالحياة… في ذلك الحد مشاعرُ عظيمةٌ لا يمكن أن يشرحها بشر ولا شك أن بعضها استولى عليه فرأى وجه من يحب قمراً منيراً يتلألأ ربما

يقول الطبيب المناوب في ذلك النهار أن كان من الممكن شفاء أمها لو توفرت بعض أكياس الدم، لكن الجيش الغازي استولى على كل ما ببنك الدم! ورغم محاولة الطبيب اسعافها في غرفة العمليات عن طريق إزالة الرحم إلا أنها توفيت من فورها في تلك الغرفة ولم تتركها إلا جثة هامدة

تتذكر فاطمة أمها جيدا وتتذكر كيف كانت دائماً ما تذكرها أنها ولدت وفي فمها ملعقة من ذهب بينما كانت أمها تعيش في كويت الماضي حيث لم يكن هناك كهرباء ولا شيء من كماليات الحياة العديدة التي كانت متوفرة في كويت الثمانينات، وكانت تلك المقارنة دائماً تأتي في الأرنب الجائع مطعم الوجبات السريعة الشهير التي كانت فاطمة شبه مدمنة عليه! كانت أمها تتساءل كيف سيعشق أبناء هذا الجيل حين تجلس مع صديقاتها فهي تظن أن الجيل هذا جريء جدا ومترف جداً ولا شيء أسوأ من الترف وعدم الإلتزام بالتقاليد والعادات!

تتذكر فاطمة ذلك جيدا وتضحك بحسرة.. ليتك كنت هنا لترين بعينيك أماه الترف الذي نعيش به الآن! ابنتك التي كانت لا تلبس إلا أفخر الثياب من هارودز ولافاييت والتي كانت تلبس ملابس أميرات ديزني، هي الآن تلبس ثيابا لم تكن تعدها من الثياب! وتأكل العدس فإن جاء اللحم فذلك مرة بالشهر ربما… وجهاز السنترال الذي كانت أمها تعتبره معجزة العصر لا يعمل إلا نادرا لإنقطاع الكهرباء!

والحب الذي كانت تخاف منه أمها لو كانت هنا لأحبته… إنها ستتزوج ناصر البطل الذي رآها مرة واحدة فقط قبل ثلاث سنوات وهو يوزع الخبز على بيوت الجيران، عرفت حين التقت عيناه بعينيها أن هناك شيئا آخر فيهما… شيئا يخبرها أنها سترى تلك العين مرة أخرى وأخرى تتلوها أخرى…

عُدنا يا أمي في الزمنِ إلى ما قد يكونُ أبعَدَ من زمانِكِ وأكثر منه قِدماً وأشَدَّ حِرماناً، فنحن في سجنٍ سُلِبَتْ فِيهِ حُرِّيَّتُنا. فستان زفافي الذي كنت أتخيله أجملَ من فساتين عارضات الأزياء سيكونُ لباساً عاديا جداً لم أكن لألبسه حتى لزيارة عادية لقريبٍ قريبٍ من القلبِ جدا. ورغم كل ما حولي من حرمان فلا شيءَ يَعْدِلُ فقدانك يا أمي وفقدان هذا الوطن، فَلَوْ قدر أن تكوني هنا معي في كويت حرة لقبلت ذلك حتى لو سكنت في بيت شعر وسط هذه الصحراء القاحلة!

في اجتماع قيادة المقاومة العليا كان النقاش محتدما بين الجميع تقريبا من جهة ضد علي، فالكل كان مؤيدا لخطة الإنزال من البحر ثم الهجوم من بنيد القار على الأبراج، أما علي فكان يرغي ويزبد ويصر على خطة البوغاتي وسرقته للطائرة من المعسكر.

لا نستطيع المجازفة بكل المقاومة في سبيل خطة كهذه قالها سيد هادي رئيس مجموعة المسيلة، هذه مقامرة لا نستطيع تحمل نتائجها

لكنني أملك ثقة آمر القاعدة المطلقة فقد أسديت له العديد من الخدمات على مر الوقت حتى حسبني صديقه المخلص، إنه لن يرد لي طلبا خصوصا إن أهديته السيارة… رد علي على سيد هادي

صاح ناصر: قل لي كيف سيفسر إهداءك له لسيارة كذلك؟! ألن تساوره الشكوك؟

هناك سيارة مشابهة يمتلكها العراقي الذي سرق وكالة الكاديلاك والشفر، سأقول له أنني سرقتها وأريد منه أن يبيعها فنتقاسم سعرها سوية

لن يصدقك!

نظر علي بشزر لمن بالقاعة ثم ضرب بقبضة يديه على الطاولة… حسنا لقد أخبرته والسيارة في طريقها بحرا ولقد صدقني! وإن لم تعجبكم هذه الفكرة فهذا شأنكم وأنا لست معكم في أي شيء. كل ما علينا هو قتل جبر وذلك عمل لا يحتاج لكل هذا التعقيد!

أيها الأحمق قالها أحد قادة المقاومة، إن شك بشيء وأبلغ الإستخبارات ستفشل الخطة كلها… لم أسمع بفعل أحمق من هذا في حياتي كلها!

ترك علي القاعة والشزر يتطاير في عينيه

هذه الرغبة الجامحة في التهور لا حل لها، إنها تفشل أي عمل جماعي، كان علينا أن لا نضم شخصا يعمل بهواه في عمل ضخم كهذا، يجب علينا أن نراقبه فالهجوم سيكون في الليلة التي بعد الغد! قالها ناصر وهو يدري أنها ستكون كذلك ليلة عرسه من فاطمة!

كان الإستعداد على قدم وساق لساعة الصفر… الساعة الثامنة ليل الخميس فالجبهات كلها ستشتعل مرة واحدة! في بغداد ستتم محاولة اغتيال صدام أثناء حضوره لأحد حفلات عيد الميلاد وفي الجنوب ستحدث ثورة شعبية تزلزل الجنوب كله وذلك ما سيحدث في كردستان الشمال كما أن بعض المعارضة العراقية ستهاجم من الحدود السعودية بدعم سعودي وبعضها سيهاجم من الحدود الإيرانية بدعم إيراني وبتنسيق ايراني سعودي مشترك فصدام أثبت أنه خطر على كل المنطقة. في الكويت رغم قلة سكانها فإنها أبت إلا أن تشارك بقوة انتقاما لشهدائها الذين إلى اليوم فاقوا الخمسة آلاف! في الساعة الثامنة… ساعة واحدة بعد موعد حضور المأذون الشرعي لعرس ناصر سيبدأ الهجوم!

كان ناصر في الكراج جالسا بعدما أغلق بابه في الرابعة عصرا، كل الأفكار تجول في مخيلته كعاصفة لا تتخيل أنها ستنتهي أبدا، كان يشتاق إلى حبيبته.. كان يشتاق للكويت.. حين يراها حرة مرة أخرى! ما الذي سيفعله بعد أن ترك المدرسة مرغما بسبب الغزو! ماذا سيكون دوره؟ كيف سيكون حجم الفرح إن طرد صدام؟ سنتحول إلى مدينة فاضلة يعمها الفرح والسرور والوحدة خلف حب الكويت! لن نعود كما كنا أبدا! أبنائي من فاطمة سيعيشون في كويت حرة كما عشت طفولتي التي انقطعت من دون سابق ميعاد. كان ينظف سلاحه ويضع فيه الزيت ثم يتأكد من المنظار ومعيار العدسة وإذا بباب الكراج الجانبي يفتح وعلي يدخل منه!

أبدى ناصر عدم الإكتراث واستمر في تنظيف سلاحه الذي فككه للتو! وإذا بضربة قوية على رأسه!

استجمع ناصر قوته لكن عليا كان أشد منه وأكثر قوة

لوى ذراعي ناصر وربطها بمهارة عالية

ثم ربط قدميه!

نظر إليه ناصر: أيها المجنون… أنت تخون الكويت.. لو قيل لي من آخر رجل بإمكانه أن يخون الكويت لقلت علي.. كيف يصل بك الجنون إلى الخيانة! أم إنهم أعطوك بعض المال ووعدا بالسفر والإقامة خارج الكويت؟! أنت تدمر خطتنا كلها يا علي!

كان علي يضحك بشر مستطير.. نظر الى ناصر في عينيه وقال له ثلاثَ كلماتٍ قبل أن يربط الشريط اللاصق على فمه: (تستاهل) شوي عليك!

وترك المكان

كان قلق ناصر ينصب على إخبار المقاومة بخيانة علي حتى لا يُساق المقاومون إلى حتفهم، فعلي لا شك أنه أخبر العراقيين بخطط المقاومة كلها!

في السادسة والنصف كان القلق يلف الأجواء في منزل فاطمة! يا ترى أين ناصر؟ لا تفصلنا سوى نصف ساعة على موعد عقد القران..

كانت فاطمة تعلم في قرارة نفسها أن من ستتزوجه ليس رجلا عاديا، ولقد قَبلت به رغم معرفتها أنه لن يكون أبدا ملكها فقد ملكته أشياءٌ أخرى واستولت على قلبه أمور أشد أهمية ولربما يرحل من هذه الدنيا في أي لحظة فداءً لمن يحبها أكثر من حبه لها! ورغم كل هذا كانت تُمَنيّ نفسها بالخير!

لولا أمنيات النفس لما استطاع الإنسانُ أن يستمر في هذه الحياة القاسية التي قد تفاجؤك في أي لحظة وفي كل لحظة. لولا أمنيات قلب فاطمة أن الله سيستثني ناصر من البلاء لما وافقت على الزواج منه ولما استطاعت أن تتحمل دقات قلبها المجنونة في هذي اللحظات!

ما قد لا تعرفه فاطمة أن أصدقاء ناصر المدعوين من قادة المقاومة كانوا أكثر قلقاً وهلعاً وقد أرسلوا للتو من يبحث عنه! فإن حصل مكروه لناصر فذلك قد يؤثر بشكل جدي على خطتهم الليلة. ولربما اكتشف أحد أمرهم فبدأ بناصر قبل أن ينتهي بهم.

أما أبو فاطمة فقد كان منشغلا بالمدعوين وبو مشاري عم ناصر والمأذون

كانت السعادة بادية على وجوههم حتى أنك كنت تحس ببعض ذبذباتها يصطدم بجسدك أو قد تشعر بحرارتها وهي تدفؤك في صالة المنزل الباردة رغم الفحم المشتعل في وسطها، يُقالُ أَنَّ لكل شعورٍ طاقة تتولد منه، مصدر هذه الطاقة قد تكون حرارة جسمك التي تتبدل مع كل شعور أو دقات قلبك التي تتغير مع تغير المشاعر، ولا يحس بها إلا مرهف الحس جداً!

كان الفرح شبه محرم على الكويتيين فلم يبدأوا بالزواج إلا أربع سنوات بعد الغزو وبعد نقاش طويل ومرير! لقد فقد كل بيت كويتي تقريبا عزيزا لهم فكانت الأفراح وإن تسمت بذلك مناسبة لندب الراحلين حيث يبدو غيابهم بشدة في المناسبات التي يكثر فيها الحضور!

فالبعض حينَ يغيبُ يحضرُ بشدة فيسلُبُ منكَ كل شيء!

يغيبُ الناس عن الحضور… ويغيب الآخرون من حولنا… لكن غيابَ البَعْضِ حُضور..

وحضورهم هؤلاءِ البعض ليس كأي حضور!

عندما يحضرون يسلبون أعيننا والقلوب وحين يغيبون يسلبون عقولنا ونبضَ أفئدَتِنا وبطريقةٍ ما.. يصبح كل الحضور غيرهم من دون معنى ومن دون قيمة!

عندما يغيبون تشتاق لهم نفوسنا فتنفخ في الذكريات روحاً تجعل الذكرى حيَّةً كَإسطوانة تستمر في الدوران من دون توقف ولا تتوقف الإسطوانة إلا بحضورهم فإن غابوا تعود الإسطوانة للعزف أو العرض أو ما شابه. هم استولوا علينا فلم يُبْقوا لنا في هذي الحياةِ شيئا سواهُم!

وهكذا كانت الكويت.. مملوءةً بالفقد والحزن حتى في أفراحها!

في تلك الأثناء كانت مجموعة من شباب المقاومة تستخدم المنشار الكهربائي لفصل باب كراج ناصر.. الشرر يتطاير من حولهم لكنه يكاد لا يفوق الشرر الذي يتطاير من قلوبهم شوقا لمعرفة مصير ناصر! خطتهم الليلة تم تجميدها حتى معرفة مصيره.. خطتهم التي كانت أول أمل حقيقي لهم في تحرير بلدهم المغتصب!

ما إن انتشروا داخل الكراج حتى دلف أحدهم الى الباب الداخلي الذي يقود الى سرداب ذو ممر سري فوجدوا ناصرا مكبلا كما تركه علي!

الساعة الآن ربع ساعة قبل الثامنة… ناصر يدخل صالة المنزل التي ينتظره فيها مدعوو عقد القران

تشرئب الأعناق لتراه

صيحات فرح تتعالى من الحضور.. صيحات أخرى تسأل أين كان طيلة هذا الوقت.. الإحمرار يبدو حول شفتيه الممتلئتين بفعل اللاصق الذي وضعه علي.. كان ظاهرا عليه بجلاء أنه كان في شيء لا يسر أبدا!

وحين كانوا يلقنونه صيغة العقد.. كان هو في عالم آخر

عالمٌ مجنونٌ من الحسرة والحزن وصور الشهداء الذين تساقطوا على ثرى الكويت في الخمسة عشرة سنة السابقة.. عالم تملؤه شريط محادثاته مع علي عن الكويت وعن حبها وكيف لم يستطع كشف خيانته من خلال لحن قوله.. تذكر أحد المحادثات تلك حين قال علي أن البلد هذا قد لا يقدر تضحيات الشهداء.. غضب ناصر من ذلك ورد عليه أن ما نفعله هو ليس من أجل تقدير أحد أبدا.. ما نفعله للكويت هو بحد ذلك تقدير عظيم.. فالفرصة بالتضحية نعمة وهدية إلهية قد لا تتقدر لأحد ولا تقدر بثمن.. كيف لم ألتفت لخيانته منذ زمن..

أخطأ ناصر في لفظ كلمة من صيغة العقد.. ضحك الحاضرون.. انتبه ناصر واستفاق من غفلته.. أعاد إلقاء صيغة العقد.. اصطف الحاضرون لتهنئته في طابور طويل.. فجأة تعالى صوت دوي هائل صم الأسماع..

تلاقت أعين المقاومين بعيني ناصر.. تبادل الجميع النظر

أدرك أبو فاطمة أن ناصرا سيترك المكان.. اتجه مسرعا لغرفة النساء.. وطبع قبلة على رأس فاطمة التي كانت رغم بساطة ما عليها تبدو كإحدى حوريات الأساطير الإغريقية.. اعتذر لها راجيا الإنصراف

ترك المقاومون وناصر حفلَ ناصر متجهين لغرفة العمليات الطارئة لمتابعة ما يحدث

لقد تم تفجير برج من أبراج الكويت.. البرج الذي تستخدمه القوات العراقية الغازية كمركز للقيادة.. قتل بالإنفجار ما يزيد عن مئتين من كبار القادة العراقيين من الحرس الجمهوري من بينهم قائد القوات!

إستقبل المقاومون ناصر ورفاقه بهذا الخبر!

ناصر اجلس هنا.. أشار السيد هادي العلوي بكرسي بجانبه أمامه سماعة أذن موصلة بجهاز صوتي.. ضع السماعة على أذنيك.. هناك ما يجب عليك سماعه!

كان ناصر في أشد الحيرة من أمره.. لم يكن يدري ما يجري حوله.. كان محتارا لدرجة الغثيان.. لا شيء مما حدث ولا شيء حوله يبدو مفهوما على الإطلاق.. وضع السماعة على رأسه.. شوشرة من الصوت بدأت.. ثم صوت بشري آلي بعض الشيء.. المجد للكويت.. يا رب هذا البيت.. إحفظ لنا الكويت.. المجد للكويت.. ناصر هذي هدية عرسك.. قلت لك تستاهل!

ناصر يعرف صاحب هذا الصوت جيدا.. فهذا من أحكم وثاقه في الكراج.. كان صوت علي..

انخرط ناصر في بكاء طويل.. فعلها علي.. فعلها البطل.. أنقذ حياة المئات من المقاومين بروح واحدة! فعل ما كان ينوي القيام به.. ضرب بطائرته المسروقة قوات صدام الغازية!

ثوار الجنوب والأكراد يستولون على المدن في الشمال والجنوب.. تساقطت الواحدة تتلوها الأخرى.. البصرة والناصرية والحلة وكربلاء والنجف.. السليمانية والموصل سقطت.. سلمت تكريت نفسها بعد حصار.. لم تبق إلا بغداد التي لم تستطع الصمود لأكثر من أسبوعين.. صدام وجد مختبئا في أحد المزارع حول العاصمة.. قوات درع الجزيرة دخلت الكويت ولم تجد مقاومة تذكر.. فقد ثار أفراد الجيش الشعبي العراقي على الحرس الجمهوري العراقي في الكويت وساند بعضهم قوات درع الجزيرة.. الكويت حرة بعد خمسة عشرة سنة من غزو لم يعرف له تاريخ المنطقة مثيلا..

سنتين الآن منذ تحرير الكويت..نحن الآن في عام ٢٠٠٩

على هامش الندوة التي تركها ناصر للتو سأله أحدهم: ماذا لو لم يستمر الغزو لسبعة عشرة سنة.. ماذا لو تحررنا على يد قوات خارجية؟

أجاب ناصر.. لو تم ذلك لفقدنا الثقة بأنفسنا ولعشنا هاجس أن الكويت دولة مؤقتة.. في هذا الهاجس مبعث قلق لا يمكن احتماله.. في هذا الهاجس رسالة مخفية قد تدمر هذا البلد.. ثق واعتقد أن حب هذا الوطن عميق جدا ومتجذر جدا.. لا أحد يستطيع انتزاع هذي الأرض منا.. ولو عادوا عدنا.. الكويت للكويتيين دائماً وأبدا!

0

قصة قصيرة من كتابي ماء و دم

وكيفَ يغيبُ من لا يغيب؟
أعني كيف تنسى ذلك الذي حل بك محل الروح من الجسد فغَدى بَعضُهُ كُلَّكْ وكُلَّهُ كلك وكل ما تملك وما تحب؟
حكاني أحدهم عن كتاب غابر يحتوي قصص البشر الذين لم يحكي قصصهم أحد.. عن البشر حين كانوا في بداياتهم في هذا العالم فكانوا يتعرفون على مشاعرهم كما يتعرف الطفل الوليدُ على العالم من حوله..
من أجمل القصص التي حكاني عنها قصةٌ تمتليء بالشوق، بدأت مئتي عام بعد وفاة شيث ولد آدم.. كان هناك رجل يحبه كل من في القرية شيبا وشبابا.. أطفالا ونساء وكان شديد الحكمة حتى أنه كان يذكرهم بجدهم شيث .. كان يجلس كل ليلة يحدثهم بأسرار هذا الكون، وحيث كانت القرية في واد بين الجبال فإنهم كانوا يظنون ان الكون كله في ذلك الوادي وأن لا شيء هناك سوى الفراغ خلف تلك الجبال! إلا أن حكيمهم كان يخالفهم في ذلك.. حتى أنه ارتحل يوما في سفر إلى ما وراء الجبال وعاد لهم بأشياء لم يألفوها من ذي قبلُ أبدا.. وكان يعيد ذلك السفر كثيرا لا يرافقه أحد.. ولما طالت غيبته في أحد تلك الأسفار.. افتقده أحباؤه.. وكانوا قبله لا يعرفون معنى الفقد.. ذلك أنهم لم يفقدوا سوى من مات.. فهم كانوا يرون الميت ميتا بأم أعينهم..  

فاحتاروا في شعورهم الجديد هذا ولم يدروا ما يصنعون به! فهو لم يمت حسب علمهم والذي لا يموت لا شك يعود.. ذلك ما يقول أحد حوارييه وكان يُدعى (أُوَيْس).. أقسم أويس أن حبيبهم سيعود فالغائب دوما يعود.. لكن السؤال متى؟! وتطاولت السنون ولم يعد حكيمهم هذا فنساه الجميع إلا أويسا هذا.. بل اشتد فيه شعوره هذا حتى أصبح يدعى بالمجنون.. ذلك أنه كان يدعو ربه طوال يومه ليعود حبيبه، حتى أنه ترك أهله وماله وكل ما يملك لا لشيء إلا لعودته.. 
وكان يصيح دائماً.. إلهي خذ كل ما عندي وكل ما أحب إن كان ذلك سيعجل لقياي به مقدار رمشة عين واحدة!
سألوه ذات مرة
ما الذي تحس به يا أويس؟ ماذا يجري بك؟))
قال: إنني أراه دائماً حين نومي.. فَصِرْتُ كثير النوم.. فَلَمْ يصدقه قومه إذ لم يخبروا الأحلام من ذي قبل!
وإنني أراه ما إن أغلق عيني حتى في يقظتي، ذلك أنني أتمثله حولي ما كأنه رحل.. ويا ليتني مغلقا عيني عن رؤياكُمُ طيلةَ يومي..
وإنني وقت الربيع أشتم رائحته في هبوب الرياح وحين هطول المطر فأذكره بشدة وكأنه حولي بل وأستذكر محادثاتنا وكأنني أتحدث معه.. ربما أصبح جزءا من هذي الرياح.. لذلك كنتم ترونني أقبض على رياح الربيع ورياح المطر بيدي علي أقبض عليه! وكنتم تحسبونني مجنونا إذ كنت أفعل ذلك!
وإن صدى صوته في سمعي و لمسة يديه الحانية على كتفي حين كنا نودع بعضنا كل مساء!
فإذا كان صوته هنا ووجهه هنا في عيني حين أغلقها ورائحته هنا.. كيف يمكن أن لا يعود؟ أخبروني بالله عليكم؟
أنتم المجانين إن كنتم تعتقدون أن كل ذلك لا يعني شيئا!
ومنذ ذلك الحين وقومه يسمون من يعيش هذه المشاعر بالمشتق.. ويعني أنه انشق مما كان فغدا شخصا آخر.. أنه انشق من عقله فصار مجنونا.. ومع مر السنين سهلها اللسان إلى كلمة الشوق.. فالشوق ضرب من الجنون.. فلا يشتاقُ من يشتاقُ بعقله بل بقلبه.. والقلب مصدر جنون الإنسان.. ولا أجمل من جنون العشق يا صديقي..

0

بسمِ رَبِّ العِشْقْ

بِسْم رب العشق إنني أعشَقُكْ وبسم رب العيدِ أنتَ عيدي.. كُنتَ في هذا العيد عيدا لا يُنسى رغم آلامه جعلتَ العيدَ هذا يُعيدُ تعريفَ كل عيدٍ قبله فلا أدري كيف يجيءُ مرة أخرى من دونك.

ما هو العيد من دون ما نحب؟ كيف يكون في غيابهم؟ العيدُ هُم و هُمُ العيدُ فعلاً.. ما قيمة الزمن.. كُلُّ زَمَنٍ كالذي قبله ولا شيء يملؤه قيمةً سوى القرب منهم.. و هكذا كان أحبابنا عيدا يمشي على هذه الأرض وهكذا كانت كل أوقاتنا معهم شيئا من خارج هذا العالم.. إنهم من خارج هذا العالم.. العالم حولنا يمتليء شرا و كرها وبغضا في العيد أو ما في سواه.. حتى إذا أتى المحبوب أخرجكَ من العالم حولك لِعالَمٍ ليس كهذا العالم.
وبعضهم و إن رحل فإنه لا زال يمشي على أرضٍ ليس كهذه الأرض.. إن له موطيء قدمٍ في الذكرى التي هي أرضُ من لا أرض له.. و فرحُ من لا فرح له.. في تذكر حالكَ معهم يا صديقي يكونون هم أرضكَ في أي أرضٍ تكون.. و زمانكَ في أيما زمانٍ تعيش فيه.
بِسْم رب العشق.. بِسْم رب الذكرى.. بِسْم رب العيد.. بِسْم رب من رحل وبسم رب من يعود.. أنت أرضي والسماء والزمان.. في أي أرضٍ وتحتَ كل سماءٍ و في كل زمن فصبري جميلٌ حتى يأتيني الله بهم جميعا.

0

حين تتألم مرتين

ليست نهاية الموت الفناء.. نهاية الموت الحياة.. في الموت حياة.. وكل شَيْءٍ لا بد يموتُ كي يحيا!
هذه الوحدة الكويتية التي تجلت بعد #تفجير_مسجد_الإمام_الصادق ليست وحدة!
الوحدة تحدث عندما يتساوى اثنان في الفعل، وردود فعل بعض السنة في الكويت قد يفوق ما ردود فعل بعض الشيعة في النقاء والصدق والحسرة. 
سنة الكويت (أستميح العذر هنا من القرّاء حين أستخدم مصطلح السنة والشيعة).. سنة الكويت ليسوا بحاجة للبراءة من ذلك التفجير أبدا.. بل إن براءتهم منه قد تفوق براءتنا نحن منه.. ذلك أننا الضحية والضحية لا ضغط عليها في مثل تلك الأحداث.. الضغط يحدث حين يرتكب أحدهم جرما بإسمك وأنت منه بريء.. حين تكون أنت الضحية و ضحية انتحال الشخصية وتحسب أنك تحتاج أن تبين لضحية القتل أنك لا علاقة لك بمن قتل.
سنة الكويت هم شيعة الكويت.. هم يتألمون كما نتألم حين يقتل منا أحد.. بل أحسب أن ألَمهُم مضاعف.. لا شيء كالكويت.. لا وطن كالكويت.. لأنها وطنٌ عائلي.. عشت في أوطان عديدة ولم أجد وطنا مثله.. كلنا عائلةٌ واحدة ليس لصغر حجمها فقط، وليس لقلة سكانها مقارنة بجيرانها بل لشيء آخر لا أستطيع وصفه تحديدا لكنني أستطيع ضرب مثال عليه:

.

حين تشاهد أمير البلاد ينزل للحدث بنفسه بعد دقائق منه ورغم عدم زوال الخطر.. حين يفتح باب سيارته لينزل بنفسه من فرط همه.. حين يُبكيهِ خوف الضابط عليه فيقول له مستنكرا (ما معناه):

.

تخاف علي.. ما حدث لعيالي حدث يستحق الموت حزنا من أجله.. فكيف لا أخاطر بالنزول هنا؟!

هذه هي الكويت.. هذا هو الشيء الخاص فيها.
المهم الآن أن ندع العاطفة جانبا و أن نعالج جراح الوطن.. الجرح يحتاج للدواء والغيار والمراقبة والصبر.. الجرح يحتاج لإزالة كل ما قد يعيده.. من أجل الكويت يجب أن نحارب الإرهاب وفكره في قلوبنا أولا.
سنستمر نحن في الذهاب للمساجد وقد نموت فيها وقد نحيا.. قد يتكرر التفجير فينا.. وهذا التفجير لا يقتلنا فقط بل يقتلكم أنتم حزنا كذلك، وقتل الحزن أحيانا أفظع من قتل السيف والرصاص.. استمروا في تلقين الإرهابيين درسا عن الكويت ووحدتها.. ولتعلموا أننا نعلم تمام المعرفة أن الكويتيين كلهم كالجسد الواحد.. أنكم تتألمون كما نتألم بل إنكم تتألمون مرتين.. مرة لألمنا ومرة لألم أنكم لم تكونوا الضحية المباشرة.
أنتم لستم إخواننا.. أنتم أنفُسُنا.. أنتم نحن.. وَنَحْنُ أنتم.

3

نحن لا نموت: شهداء مسجد الإمام الصادق

أتيت هنا من دون خطط مسبقة وأفكارٍ مسبقة.. أتيت لألقي على الورق حزني وحزننا كلنا.. لأرى كيف يكتب نفسه؟ والحزن مخلوقٌ لا يجيد التعبير عن نفسه بالكتابة أو بالكلام.. هو يجيد الرسم باللون الأبيض على رؤوسنا وضفائر الفتيات حتى يصبحن جداتٍ طاعناتٍ بالسن.. هو يجيد عصر القلب حتى لا يبقى فيه نفس وحفر الوجوه حتى تمتليء بالتجاعيد وسيل الدموع حتى تحفر مع التجاعيد طُرُقَها.
كان أمساً مختلفا.. من الأماسي التي تبقى.. تلك التي يقول عنها شاعر تراجيديا الإغريق إزكيليوس أنك لا تنساها أبدا وإن حسبت أنك نسيتها فإنها ستتنزل بحزنها على روحك حين تنام.. الروح لا تنسى أبدا ما يحزنها.. هذا الحزن الروحي لا يُنسى.. حزن الدماء لا يُنسى وحزن وطنٍ بجمال الكويت وأهلها لا يمكن أن يُنسى.
كانت دقات قلبي في السيارة بعد سماعي لخبر الإنفجار في طريقي للمستشفى لا يمكن عدها.. كان ينبض بالغضب.. بداية الحزن الغضب والإنكار.. ركضت ركضا باتجاه الحوادث.. كان الجرحى يأتون كالسيل في القاعة الكبرى.. انخفض النبض قليلا.. حددنا أشد الحالات وجئنا بهم لغرفة الريسس.. انخفض النبض أكثر فيها وارتفعت الأصوات.. اتجهت لغرفة العمليات بجريح.. لم يكن يشتكي ولم تكد تسمع له آه.. انخفض النبض أكثر.. هنا تذكرت أن غرفة العمليات للجراح كحضن الأم ففيها ينسى كل شيء.. هو (الجراح) مولودٌ فيها.. وحين قبضت على السكين نسيت العالم كله.. نسيته مع الپروفيسور عبدالله بهبهاني.. في عين العاصفة يجب أن تهدأ.. أنت في عين العاصفة.
د.هيثم الخياط وأنا كنّا نغلق بطن المريض الأول.. غالب دمعه.. قال: هل شممت الدماء في غرفة الحوادث؟ لم أشمها بهذا العنف منذ زمن..قُلْتُ هنا السلام على الحسين.. خيم الصمت حينها ولا تكاد تسمع سوى صوت الإبرة وهي تحتك بمقبضها ولو كان للدموع صوتٌ لكنتَ تسمعه.
كنت أريد كتابة ما أكتُبُ الآن قبل بضع ساعات وأنا صائم لكن تعب الصوم منعني.. فتفكرت كيف يتعبني الصوم عن الكتابة وكيف لم يتعبهم الصوم ويمنعهم من الموت؟ لا تمت صائما يا هذا.. فالصوم متعبٌ ولا يحق أن يجتمع الجوع والعطش مع الموت.

إلهي ونحن نقر الضيوف في بيوتنا فلا عطش ولا جوع ولا أذى.. وهؤلاء كانوا ضيوفك في بيتك جائعين عطاشى وقد مسهم الأذى.

اللهم فإرو عطشهم وداو أذاهم وأشبع جوعهم.
إلهي وهم غرباء الليلة.. فكن لهم الوطن.
مشتاقون لأحبابهم فكن لهم اللقاء والسلوى.
في قبور ضيقة فكن لهم الفضاء الواسع.
اللهم وقد انطفأ نور عيونهم فأنرها واكحلها بنور محمد وآل محمد.
اللهم واجبر كسر هذا الوطن الجميل.. وألف بين قلوب أبنائه يا جابر كسر القلوب التي لا تُجبَر.
هم لم يموتوا.. نحن لا نموت.. لم نمت في كربلاء فكيف نموت اليوم؟

 

0

مقدمة كتابي عن عاشق لا يموت

لا شيء في الدنيا أجمل من كتاب.. إنه يحدثك طويلاً ويستمع إلى أفكارك وأنتَ تَقْرَؤه ثم يُدخلك في عالمه من دون أن يحكم عليك أحكاماً مُسبَقَة ومن دون أن يُسيءَ الظَّنَّ بكْ..
الكتاب هو المدينةُ الفاضلة والعالم الأجمل، فحين تغوص في عالمه تترك هذي الدنيا بما فيها ومن فيها.. تترك جهلها.. تترك الشر فيها.. تترك الصخب من حولك وصراخَ العابرين من حولك.. تترك نفسَكَ الشقية خارج الكتاب وتلبس نفسَكَ النقية التي ولدتَ معها حتى باعدتكَ عنها  حيل الدهر وألاعيبه وحيل البشر وألاعيبهم..
 ولا أدري لم لا يكون البشر كالكتب ولم لا نستطيع استبدال بعض البشر من حولنا بالكتب.. لكنني أدري عن الفارق بين البشر والكتب.. البشر يعشقون أن يحكموا على ما حولهم وأن يقرأوك على مزاجهم لا على مزاجك أنت.. ذلكَ أنهم يحسبون أن العالم عالمٌ واحد وأن الأشياءَ تبدوا للآخرين كما تبدو لهم وأن كل شيء فُصِّلَ على مقاساتهم هم..هؤلاء البشر يجهلون أن لكل واحد منا عالما خاصا بل أن كل واحدٍ منا عالَمٌ بحد ذاته وكونٌ فسيحٌ.. فلا يمكن أن تطبق قوانين عالمكَ أنتَ على قوانين عالمهم..

ولو فهم كل واحد منا ذلك لتغلبنا على الكثير من مشاكلنا ولنجونا من الكثير من الشر الذي حولنا.. 
لو فهم كل واحد منا ذلك لما أخفينا في أنفُسِنا.. أَنْفُسَنا.. ولأخرجنا كل ما في داخلنا للعلن.. ولعم السلام والحب والتفاهم بيننا.. إسأل نفسك الآن: كم تخفي في داخلك عن الآخرين حتى لا تتهم بالجنون أحيانا وحتى لا تتهم بالغباء أحيانا وحتى لا تتهم بمخالفة الأعراف أحيانا أخرى؟ كم تبلغ كمية القلق والحزن الناتجتين عن اخفاء ذواتنا؟! ويا ترى كم تبلغ السعادة الناتجة عن إظهار كل ما نكون؟


3

رسالة قبل الرحيل

هذه رسالة كتبها اليوم جراح أعصاب تخرج من البورد من جامعة ستانفورد مؤخرا عنوانها (قبل الرحيل) بعد تشخيصه بسرطان الرئة المنتشر في كل أنحاء جسده، سأترجمها هنا ترجمةً غير حرفية.

في تدريب الجراحة يرددون دائما أن الأيام طويلة لكن السنواتِ قصار.. وعندما كنت أتدرب في بورد جراحة الأعصاب، كنّا نبدأ مرورنا قبل السادسة صباحا ولا ينتهي اليومُ إلا حين تنتهي من العمليات فإذا كنت سريعا فيها انتهى يومك أسرع مما إذا كنت بطيئا جراحيا لكن ذلك لا يعني أن تقدس السرعة فلا تجري عملك بدقة. أتذكر كيف كان ممرض العمليات يتهكم علي في أوائل أيامي حين كنت أخيط الجروح بدقة وبطء شديد فكان يقول هل أنت جراح تجميل أم جراح أعصاب!
اكتشفت خطتك!
 أنت بطيء في إغلاق الجرح حتى يلتئم النصف السفلي منه الذي خيطته للتو بينما تكمل خياطة الجزء العلوي.. قال الممرض ذلك ذات مرة كناية عن بطئي الشديد.. أي أن الوقت الطويل الذي استغرقه لخياطة الجرح وكأنه أسبوعٌ كامل كفيل بالتئام الجروح.
الكل كان يحثني على السرعة في سَنَتي الجراحية الأولى حتى لا يستغرق المريض وقتا طويلا على طاولة العمليات فكلما طالت العملية كلما زاد إجهاد المريض.
هناك وسيلتان لإختصار الوقت في العمليات فإما أن تكون كالسلحفاة أو كالأرنب كما في القصة الشهيرة، الجراح الأرنب يتحرك بأقصى سرعة فلا تكاد تشاهد يده وهو يفتح جلد  الرأس بسكينه كما تفتح الستارة المنزلية ثم بلحظاتٍ تشاهد قطعة جمجمة الرأس على طاولة الممرضة بعد أن يتطاير غبار العظام، لكن الفتحة التي قام بها الجراح الأرنب قد تحتاج لبعض التوسعة فيستغرق ذلك وقتا أطول.. أما الجراح السلحفاة فيستغرق وقته بالتخطيط قبل فتح الرأس لكنه لا يحتاج لمراجعة ما قام بفعله. يفوز الجراح الأرنب إذا لم يضع وقته في كثرة المراجعات ويفوز الجراح السلحفاة إن لم يضع وقته في طول التخطيط والتفكير.
الشيء الغريب في غرفة العمليات أنك سواء كنت بطيئا أم خارق السرعة فإنك لا تحس بالوقت، فإذا كان الملل كما يعرفه هيديغر الفيلسوف الإحساس بمرور الوقت، فما يجري في غرفة العمليات هو العكس تماما. يقفُ الوقتُ تماماً في غرفة العمليات حتى ما إذا غرزت غرزتك الأخيرة يبدو وكأنما الوقت يبدأ من جديد، وكأنك تسمع صوتا يؤذن ببدء الوقت ثم تسأل نفسك الأسئلة الإعتيادية: متى تكون الحالة التالية؟ هل يكفي الوقت حتى أتناول طعام الغداء؟ متى سأصل المنزل الليلة؟
التدريب الجراحي مضنٍ جدا منذ اليوم الأول ولم يكن شيء يخففه سوى قول من حولي أن الستةَ سنوات هذه ستمر مر السحاب. كان ذلك واقعا… مضت خمس سنوات وبينما كنت في سَنَتي النهائية السادسة أحسست بأعراضٍ منها التعرق ليلا بشدة وفقدان الوزن والحرارة والسعال وألمٌ في الظهر، فشخصوني سريعا بسرطان الرئة المنتشر.
استطعت بصعوبة اجتياز السنة النهائية بينما كانوا يعالجونني بالكيماوي، ثم ما ان اجتزتها حتى رجع علي السرطان بطريقةٍ أشرس وحين رخصوني من المستشفى عدت الى منزلي متكأً على عصاة بالكاد أمشي ومن دون شعرٍ على رأسي. القيام للجلوس على الكرسي كان عملا شاقا بل حتى رفع كوب الماء. إذا كان الوقت يطول حين يتحرك الإنسان بسرعة فهل يقصر حين لا يقوى على الحركة؟
أيامي أصبحت قصيرةً جدا فالذهاب لموعد الطبيب كان يدمر كل يومي بل حتى إذا زارني صديق.. لأنني يجب أن أرتاح بعد عناء الموعد أو الزيارة. أصبحت أيامي متشابهة حتى أن الوقت لم يعد يعنيني واليوم لم يعد يعني لي شيئا. ورغم كل هذا الحزن فقد حصل شيء جميلٌ جدا إذ ولدت ابنتي يوما واحدا بعد ترخيصي من المستشفى فأعادت تعريف وقتي ويومي.
أصبحت أعيد تعريف الأفعال والزمن.. هل أنا جراح أعصاب؟ أم كنت جراح أعصاب؟ أو هل كنت جراح أعصاب وسأكون بعدها جراح أعصاب حين أموت؟
كتب غراهام غرين أن الحياة هي أول عشرين سنة فقط والباقي من السنوات ما هو إلا انعكاس للعشرين سنة الأولى. هل عشت حياتي أم أنها توقفت قبل ميعاد نهايتها؟ قبل بضعة أيامٍ احتفلت مع أصدقائي في الثانوية الذين أتوا من كل أنحاء الأرض بالذكرى الخامسة عشرة للتخرج وكان العهد أن نحتفل في الذكرى الخامسة والعشرين، فكنا نودع بَعضنَا قائلين (نراكم في الذكرى الخامسة والعشرين) لم أقل لهم أنه من المستحيل أن أكون على قيد الحياة حينها.
الزمن بالنسبة لي سيفٌ ذو حدين.. كل يومٍ يأخذني بعيدا من اليوم الحزين الذي شخَّصوا فيه عودة السرطان لكنه كذلك يأخذني قريبا لموعد موتي. ربما سأموت في يومٍ أبعدَ مما أعتقد لكن أقرب مما أتمنى.
كلنا سائرون نحو الفناء فأنا لست أول الفانين ولن تكون أنت آخرهم.. الأمنيات والأحلام إما أن تتحقق أو أن تُنسى.. المستقبل بالنسبة لي أصبح عديم الوجود.. المال والجاه والدنيا كلها أصبحت لا تساوي لي شيئا إذ أيقنتُ الرحيل.
هناك شيء واحد يهمني في المستقبل، أن أعيش حتى تكبر ابنتي (كادي) قليلا بدرجة تستطيع معها أن تتذكرني. فكرت أن أكتُبَ لها بعض الرسائل، لكن ماذا عساي أكتُبُ لها؟ فأنا لا أدري ما ستكون شخصيتها حين تبلغ الخامسة عشرة مثلا؟!
هناك شيءٌ واحِدٌ بسيط أقوله لها:  يا ابنتي حين تتذكرين حياتك بعد زمن وحين تُعَرِّفينَ عن نفسك للناس تذكري هذا الشيء ولا تنسينه: أنك ملأتِ حياة إنسانٍ على مشارف الموت بسعادةٍ لم أخبرها في كل حياتي السابقة.. سعادة لا أريد منها أن تكبر.. سعادة تكفيني كما هي بعظمتها.

پول كالانيثي