0

قصة قصيرة من كتابي ماء و دم

وكيفَ يغيبُ من لا يغيب؟
أعني كيف تنسى ذلك الذي حل بك محل الروح من الجسد فغَدى بَعضُهُ كُلَّكْ وكُلَّهُ كلك وكل ما تملك وما تحب؟
حكاني أحدهم عن كتاب غابر يحتوي قصص البشر الذين لم يحكي قصصهم أحد.. عن البشر حين كانوا في بداياتهم في هذا العالم فكانوا يتعرفون على مشاعرهم كما يتعرف الطفل الوليدُ على العالم من حوله..
من أجمل القصص التي حكاني عنها قصةٌ تمتليء بالشوق، بدأت مئتي عام بعد وفاة شيث ولد آدم.. كان هناك رجل يحبه كل من في القرية شيبا وشبابا.. أطفالا ونساء وكان شديد الحكمة حتى أنه كان يذكرهم بجدهم شيث .. كان يجلس كل ليلة يحدثهم بأسرار هذا الكون، وحيث كانت القرية في واد بين الجبال فإنهم كانوا يظنون ان الكون كله في ذلك الوادي وأن لا شيء هناك سوى الفراغ خلف تلك الجبال! إلا أن حكيمهم كان يخالفهم في ذلك.. حتى أنه ارتحل يوما في سفر إلى ما وراء الجبال وعاد لهم بأشياء لم يألفوها من ذي قبلُ أبدا.. وكان يعيد ذلك السفر كثيرا لا يرافقه أحد.. ولما طالت غيبته في أحد تلك الأسفار.. افتقده أحباؤه.. وكانوا قبله لا يعرفون معنى الفقد.. ذلك أنهم لم يفقدوا سوى من مات.. فهم كانوا يرون الميت ميتا بأم أعينهم..  

فاحتاروا في شعورهم الجديد هذا ولم يدروا ما يصنعون به! فهو لم يمت حسب علمهم والذي لا يموت لا شك يعود.. ذلك ما يقول أحد حوارييه وكان يُدعى (أُوَيْس).. أقسم أويس أن حبيبهم سيعود فالغائب دوما يعود.. لكن السؤال متى؟! وتطاولت السنون ولم يعد حكيمهم هذا فنساه الجميع إلا أويسا هذا.. بل اشتد فيه شعوره هذا حتى أصبح يدعى بالمجنون.. ذلك أنه كان يدعو ربه طوال يومه ليعود حبيبه، حتى أنه ترك أهله وماله وكل ما يملك لا لشيء إلا لعودته.. 
وكان يصيح دائماً.. إلهي خذ كل ما عندي وكل ما أحب إن كان ذلك سيعجل لقياي به مقدار رمشة عين واحدة!
سألوه ذات مرة
ما الذي تحس به يا أويس؟ ماذا يجري بك؟))
قال: إنني أراه دائماً حين نومي.. فَصِرْتُ كثير النوم.. فَلَمْ يصدقه قومه إذ لم يخبروا الأحلام من ذي قبل!
وإنني أراه ما إن أغلق عيني حتى في يقظتي، ذلك أنني أتمثله حولي ما كأنه رحل.. ويا ليتني مغلقا عيني عن رؤياكُمُ طيلةَ يومي..
وإنني وقت الربيع أشتم رائحته في هبوب الرياح وحين هطول المطر فأذكره بشدة وكأنه حولي بل وأستذكر محادثاتنا وكأنني أتحدث معه.. ربما أصبح جزءا من هذي الرياح.. لذلك كنتم ترونني أقبض على رياح الربيع ورياح المطر بيدي علي أقبض عليه! وكنتم تحسبونني مجنونا إذ كنت أفعل ذلك!
وإن صدى صوته في سمعي و لمسة يديه الحانية على كتفي حين كنا نودع بعضنا كل مساء!
فإذا كان صوته هنا ووجهه هنا في عيني حين أغلقها ورائحته هنا.. كيف يمكن أن لا يعود؟ أخبروني بالله عليكم؟
أنتم المجانين إن كنتم تعتقدون أن كل ذلك لا يعني شيئا!
ومنذ ذلك الحين وقومه يسمون من يعيش هذه المشاعر بالمشتق.. ويعني أنه انشق مما كان فغدا شخصا آخر.. أنه انشق من عقله فصار مجنونا.. ومع مر السنين سهلها اللسان إلى كلمة الشوق.. فالشوق ضرب من الجنون.. فلا يشتاقُ من يشتاقُ بعقله بل بقلبه.. والقلب مصدر جنون الإنسان.. ولا أجمل من جنون العشق يا صديقي..

0

بسمِ رَبِّ العِشْقْ

بِسْم رب العشق إنني أعشَقُكْ وبسم رب العيدِ أنتَ عيدي.. كُنتَ في هذا العيد عيدا لا يُنسى رغم آلامه جعلتَ العيدَ هذا يُعيدُ تعريفَ كل عيدٍ قبله فلا أدري كيف يجيءُ مرة أخرى من دونك.

ما هو العيد من دون ما نحب؟ كيف يكون في غيابهم؟ العيدُ هُم و هُمُ العيدُ فعلاً.. ما قيمة الزمن.. كُلُّ زَمَنٍ كالذي قبله ولا شيء يملؤه قيمةً سوى القرب منهم.. و هكذا كان أحبابنا عيدا يمشي على هذه الأرض وهكذا كانت كل أوقاتنا معهم شيئا من خارج هذا العالم.. إنهم من خارج هذا العالم.. العالم حولنا يمتليء شرا و كرها وبغضا في العيد أو ما في سواه.. حتى إذا أتى المحبوب أخرجكَ من العالم حولك لِعالَمٍ ليس كهذا العالم.
وبعضهم و إن رحل فإنه لا زال يمشي على أرضٍ ليس كهذه الأرض.. إن له موطيء قدمٍ في الذكرى التي هي أرضُ من لا أرض له.. و فرحُ من لا فرح له.. في تذكر حالكَ معهم يا صديقي يكونون هم أرضكَ في أي أرضٍ تكون.. و زمانكَ في أيما زمانٍ تعيش فيه.
بِسْم رب العشق.. بِسْم رب الذكرى.. بِسْم رب العيد.. بِسْم رب من رحل وبسم رب من يعود.. أنت أرضي والسماء والزمان.. في أي أرضٍ وتحتَ كل سماءٍ و في كل زمن فصبري جميلٌ حتى يأتيني الله بهم جميعا.

0

حين تتألم مرتين

ليست نهاية الموت الفناء.. نهاية الموت الحياة.. في الموت حياة.. وكل شَيْءٍ لا بد يموتُ كي يحيا!
هذه الوحدة الكويتية التي تجلت بعد #تفجير_مسجد_الإمام_الصادق ليست وحدة!
الوحدة تحدث عندما يتساوى اثنان في الفعل، وردود فعل بعض السنة في الكويت قد يفوق ما ردود فعل بعض الشيعة في النقاء والصدق والحسرة. 
سنة الكويت (أستميح العذر هنا من القرّاء حين أستخدم مصطلح السنة والشيعة).. سنة الكويت ليسوا بحاجة للبراءة من ذلك التفجير أبدا.. بل إن براءتهم منه قد تفوق براءتنا نحن منه.. ذلك أننا الضحية والضحية لا ضغط عليها في مثل تلك الأحداث.. الضغط يحدث حين يرتكب أحدهم جرما بإسمك وأنت منه بريء.. حين تكون أنت الضحية و ضحية انتحال الشخصية وتحسب أنك تحتاج أن تبين لضحية القتل أنك لا علاقة لك بمن قتل.
سنة الكويت هم شيعة الكويت.. هم يتألمون كما نتألم حين يقتل منا أحد.. بل أحسب أن ألَمهُم مضاعف.. لا شيء كالكويت.. لا وطن كالكويت.. لأنها وطنٌ عائلي.. عشت في أوطان عديدة ولم أجد وطنا مثله.. كلنا عائلةٌ واحدة ليس لصغر حجمها فقط، وليس لقلة سكانها مقارنة بجيرانها بل لشيء آخر لا أستطيع وصفه تحديدا لكنني أستطيع ضرب مثال عليه:

.

حين تشاهد أمير البلاد ينزل للحدث بنفسه بعد دقائق منه ورغم عدم زوال الخطر.. حين يفتح باب سيارته لينزل بنفسه من فرط همه.. حين يُبكيهِ خوف الضابط عليه فيقول له مستنكرا (ما معناه):

.

تخاف علي.. ما حدث لعيالي حدث يستحق الموت حزنا من أجله.. فكيف لا أخاطر بالنزول هنا؟!

هذه هي الكويت.. هذا هو الشيء الخاص فيها.
المهم الآن أن ندع العاطفة جانبا و أن نعالج جراح الوطن.. الجرح يحتاج للدواء والغيار والمراقبة والصبر.. الجرح يحتاج لإزالة كل ما قد يعيده.. من أجل الكويت يجب أن نحارب الإرهاب وفكره في قلوبنا أولا.
سنستمر نحن في الذهاب للمساجد وقد نموت فيها وقد نحيا.. قد يتكرر التفجير فينا.. وهذا التفجير لا يقتلنا فقط بل يقتلكم أنتم حزنا كذلك، وقتل الحزن أحيانا أفظع من قتل السيف والرصاص.. استمروا في تلقين الإرهابيين درسا عن الكويت ووحدتها.. ولتعلموا أننا نعلم تمام المعرفة أن الكويتيين كلهم كالجسد الواحد.. أنكم تتألمون كما نتألم بل إنكم تتألمون مرتين.. مرة لألمنا ومرة لألم أنكم لم تكونوا الضحية المباشرة.
أنتم لستم إخواننا.. أنتم أنفُسُنا.. أنتم نحن.. وَنَحْنُ أنتم.

3

نحن لا نموت: شهداء مسجد الإمام الصادق

أتيت هنا من دون خطط مسبقة وأفكارٍ مسبقة.. أتيت لألقي على الورق حزني وحزننا كلنا.. لأرى كيف يكتب نفسه؟ والحزن مخلوقٌ لا يجيد التعبير عن نفسه بالكتابة أو بالكلام.. هو يجيد الرسم باللون الأبيض على رؤوسنا وضفائر الفتيات حتى يصبحن جداتٍ طاعناتٍ بالسن.. هو يجيد عصر القلب حتى لا يبقى فيه نفس وحفر الوجوه حتى تمتليء بالتجاعيد وسيل الدموع حتى تحفر مع التجاعيد طُرُقَها.
كان أمساً مختلفا.. من الأماسي التي تبقى.. تلك التي يقول عنها شاعر تراجيديا الإغريق إزكيليوس أنك لا تنساها أبدا وإن حسبت أنك نسيتها فإنها ستتنزل بحزنها على روحك حين تنام.. الروح لا تنسى أبدا ما يحزنها.. هذا الحزن الروحي لا يُنسى.. حزن الدماء لا يُنسى وحزن وطنٍ بجمال الكويت وأهلها لا يمكن أن يُنسى.
كانت دقات قلبي في السيارة بعد سماعي لخبر الإنفجار في طريقي للمستشفى لا يمكن عدها.. كان ينبض بالغضب.. بداية الحزن الغضب والإنكار.. ركضت ركضا باتجاه الحوادث.. كان الجرحى يأتون كالسيل في القاعة الكبرى.. انخفض النبض قليلا.. حددنا أشد الحالات وجئنا بهم لغرفة الريسس.. انخفض النبض أكثر فيها وارتفعت الأصوات.. اتجهت لغرفة العمليات بجريح.. لم يكن يشتكي ولم تكد تسمع له آه.. انخفض النبض أكثر.. هنا تذكرت أن غرفة العمليات للجراح كحضن الأم ففيها ينسى كل شيء.. هو (الجراح) مولودٌ فيها.. وحين قبضت على السكين نسيت العالم كله.. نسيته مع الپروفيسور عبدالله بهبهاني.. في عين العاصفة يجب أن تهدأ.. أنت في عين العاصفة.
د.هيثم الخياط وأنا كنّا نغلق بطن المريض الأول.. غالب دمعه.. قال: هل شممت الدماء في غرفة الحوادث؟ لم أشمها بهذا العنف منذ زمن..قُلْتُ هنا السلام على الحسين.. خيم الصمت حينها ولا تكاد تسمع سوى صوت الإبرة وهي تحتك بمقبضها ولو كان للدموع صوتٌ لكنتَ تسمعه.
كنت أريد كتابة ما أكتُبُ الآن قبل بضع ساعات وأنا صائم لكن تعب الصوم منعني.. فتفكرت كيف يتعبني الصوم عن الكتابة وكيف لم يتعبهم الصوم ويمنعهم من الموت؟ لا تمت صائما يا هذا.. فالصوم متعبٌ ولا يحق أن يجتمع الجوع والعطش مع الموت.

إلهي ونحن نقر الضيوف في بيوتنا فلا عطش ولا جوع ولا أذى.. وهؤلاء كانوا ضيوفك في بيتك جائعين عطاشى وقد مسهم الأذى.

اللهم فإرو عطشهم وداو أذاهم وأشبع جوعهم.
إلهي وهم غرباء الليلة.. فكن لهم الوطن.
مشتاقون لأحبابهم فكن لهم اللقاء والسلوى.
في قبور ضيقة فكن لهم الفضاء الواسع.
اللهم وقد انطفأ نور عيونهم فأنرها واكحلها بنور محمد وآل محمد.
اللهم واجبر كسر هذا الوطن الجميل.. وألف بين قلوب أبنائه يا جابر كسر القلوب التي لا تُجبَر.
هم لم يموتوا.. نحن لا نموت.. لم نمت في كربلاء فكيف نموت اليوم؟

 

0

مقدمة كتابي عن عاشق لا يموت

لا شيء في الدنيا أجمل من كتاب.. إنه يحدثك طويلاً ويستمع إلى أفكارك وأنتَ تَقْرَؤه ثم يُدخلك في عالمه من دون أن يحكم عليك أحكاماً مُسبَقَة ومن دون أن يُسيءَ الظَّنَّ بكْ..
الكتاب هو المدينةُ الفاضلة والعالم الأجمل، فحين تغوص في عالمه تترك هذي الدنيا بما فيها ومن فيها.. تترك جهلها.. تترك الشر فيها.. تترك الصخب من حولك وصراخَ العابرين من حولك.. تترك نفسَكَ الشقية خارج الكتاب وتلبس نفسَكَ النقية التي ولدتَ معها حتى باعدتكَ عنها  حيل الدهر وألاعيبه وحيل البشر وألاعيبهم..
 ولا أدري لم لا يكون البشر كالكتب ولم لا نستطيع استبدال بعض البشر من حولنا بالكتب.. لكنني أدري عن الفارق بين البشر والكتب.. البشر يعشقون أن يحكموا على ما حولهم وأن يقرأوك على مزاجهم لا على مزاجك أنت.. ذلكَ أنهم يحسبون أن العالم عالمٌ واحد وأن الأشياءَ تبدوا للآخرين كما تبدو لهم وأن كل شيء فُصِّلَ على مقاساتهم هم..هؤلاء البشر يجهلون أن لكل واحد منا عالما خاصا بل أن كل واحدٍ منا عالَمٌ بحد ذاته وكونٌ فسيحٌ.. فلا يمكن أن تطبق قوانين عالمكَ أنتَ على قوانين عالمهم..

ولو فهم كل واحد منا ذلك لتغلبنا على الكثير من مشاكلنا ولنجونا من الكثير من الشر الذي حولنا.. 
لو فهم كل واحد منا ذلك لما أخفينا في أنفُسِنا.. أَنْفُسَنا.. ولأخرجنا كل ما في داخلنا للعلن.. ولعم السلام والحب والتفاهم بيننا.. إسأل نفسك الآن: كم تخفي في داخلك عن الآخرين حتى لا تتهم بالجنون أحيانا وحتى لا تتهم بالغباء أحيانا وحتى لا تتهم بمخالفة الأعراف أحيانا أخرى؟ كم تبلغ كمية القلق والحزن الناتجتين عن اخفاء ذواتنا؟! ويا ترى كم تبلغ السعادة الناتجة عن إظهار كل ما نكون؟


3

رسالة قبل الرحيل

هذه رسالة كتبها اليوم جراح أعصاب تخرج من البورد من جامعة ستانفورد مؤخرا عنوانها (قبل الرحيل) بعد تشخيصه بسرطان الرئة المنتشر في كل أنحاء جسده، سأترجمها هنا ترجمةً غير حرفية.

في تدريب الجراحة يرددون دائما أن الأيام طويلة لكن السنواتِ قصار.. وعندما كنت أتدرب في بورد جراحة الأعصاب، كنّا نبدأ مرورنا قبل السادسة صباحا ولا ينتهي اليومُ إلا حين تنتهي من العمليات فإذا كنت سريعا فيها انتهى يومك أسرع مما إذا كنت بطيئا جراحيا لكن ذلك لا يعني أن تقدس السرعة فلا تجري عملك بدقة. أتذكر كيف كان ممرض العمليات يتهكم علي في أوائل أيامي حين كنت أخيط الجروح بدقة وبطء شديد فكان يقول هل أنت جراح تجميل أم جراح أعصاب!
اكتشفت خطتك!
 أنت بطيء في إغلاق الجرح حتى يلتئم النصف السفلي منه الذي خيطته للتو بينما تكمل خياطة الجزء العلوي.. قال الممرض ذلك ذات مرة كناية عن بطئي الشديد.. أي أن الوقت الطويل الذي استغرقه لخياطة الجرح وكأنه أسبوعٌ كامل كفيل بالتئام الجروح.
الكل كان يحثني على السرعة في سَنَتي الجراحية الأولى حتى لا يستغرق المريض وقتا طويلا على طاولة العمليات فكلما طالت العملية كلما زاد إجهاد المريض.
هناك وسيلتان لإختصار الوقت في العمليات فإما أن تكون كالسلحفاة أو كالأرنب كما في القصة الشهيرة، الجراح الأرنب يتحرك بأقصى سرعة فلا تكاد تشاهد يده وهو يفتح جلد  الرأس بسكينه كما تفتح الستارة المنزلية ثم بلحظاتٍ تشاهد قطعة جمجمة الرأس على طاولة الممرضة بعد أن يتطاير غبار العظام، لكن الفتحة التي قام بها الجراح الأرنب قد تحتاج لبعض التوسعة فيستغرق ذلك وقتا أطول.. أما الجراح السلحفاة فيستغرق وقته بالتخطيط قبل فتح الرأس لكنه لا يحتاج لمراجعة ما قام بفعله. يفوز الجراح الأرنب إذا لم يضع وقته في كثرة المراجعات ويفوز الجراح السلحفاة إن لم يضع وقته في طول التخطيط والتفكير.
الشيء الغريب في غرفة العمليات أنك سواء كنت بطيئا أم خارق السرعة فإنك لا تحس بالوقت، فإذا كان الملل كما يعرفه هيديغر الفيلسوف الإحساس بمرور الوقت، فما يجري في غرفة العمليات هو العكس تماما. يقفُ الوقتُ تماماً في غرفة العمليات حتى ما إذا غرزت غرزتك الأخيرة يبدو وكأنما الوقت يبدأ من جديد، وكأنك تسمع صوتا يؤذن ببدء الوقت ثم تسأل نفسك الأسئلة الإعتيادية: متى تكون الحالة التالية؟ هل يكفي الوقت حتى أتناول طعام الغداء؟ متى سأصل المنزل الليلة؟
التدريب الجراحي مضنٍ جدا منذ اليوم الأول ولم يكن شيء يخففه سوى قول من حولي أن الستةَ سنوات هذه ستمر مر السحاب. كان ذلك واقعا… مضت خمس سنوات وبينما كنت في سَنَتي النهائية السادسة أحسست بأعراضٍ منها التعرق ليلا بشدة وفقدان الوزن والحرارة والسعال وألمٌ في الظهر، فشخصوني سريعا بسرطان الرئة المنتشر.
استطعت بصعوبة اجتياز السنة النهائية بينما كانوا يعالجونني بالكيماوي، ثم ما ان اجتزتها حتى رجع علي السرطان بطريقةٍ أشرس وحين رخصوني من المستشفى عدت الى منزلي متكأً على عصاة بالكاد أمشي ومن دون شعرٍ على رأسي. القيام للجلوس على الكرسي كان عملا شاقا بل حتى رفع كوب الماء. إذا كان الوقت يطول حين يتحرك الإنسان بسرعة فهل يقصر حين لا يقوى على الحركة؟
أيامي أصبحت قصيرةً جدا فالذهاب لموعد الطبيب كان يدمر كل يومي بل حتى إذا زارني صديق.. لأنني يجب أن أرتاح بعد عناء الموعد أو الزيارة. أصبحت أيامي متشابهة حتى أن الوقت لم يعد يعنيني واليوم لم يعد يعني لي شيئا. ورغم كل هذا الحزن فقد حصل شيء جميلٌ جدا إذ ولدت ابنتي يوما واحدا بعد ترخيصي من المستشفى فأعادت تعريف وقتي ويومي.
أصبحت أعيد تعريف الأفعال والزمن.. هل أنا جراح أعصاب؟ أم كنت جراح أعصاب؟ أو هل كنت جراح أعصاب وسأكون بعدها جراح أعصاب حين أموت؟
كتب غراهام غرين أن الحياة هي أول عشرين سنة فقط والباقي من السنوات ما هو إلا انعكاس للعشرين سنة الأولى. هل عشت حياتي أم أنها توقفت قبل ميعاد نهايتها؟ قبل بضعة أيامٍ احتفلت مع أصدقائي في الثانوية الذين أتوا من كل أنحاء الأرض بالذكرى الخامسة عشرة للتخرج وكان العهد أن نحتفل في الذكرى الخامسة والعشرين، فكنا نودع بَعضنَا قائلين (نراكم في الذكرى الخامسة والعشرين) لم أقل لهم أنه من المستحيل أن أكون على قيد الحياة حينها.
الزمن بالنسبة لي سيفٌ ذو حدين.. كل يومٍ يأخذني بعيدا من اليوم الحزين الذي شخَّصوا فيه عودة السرطان لكنه كذلك يأخذني قريبا لموعد موتي. ربما سأموت في يومٍ أبعدَ مما أعتقد لكن أقرب مما أتمنى.
كلنا سائرون نحو الفناء فأنا لست أول الفانين ولن تكون أنت آخرهم.. الأمنيات والأحلام إما أن تتحقق أو أن تُنسى.. المستقبل بالنسبة لي أصبح عديم الوجود.. المال والجاه والدنيا كلها أصبحت لا تساوي لي شيئا إذ أيقنتُ الرحيل.
هناك شيء واحد يهمني في المستقبل، أن أعيش حتى تكبر ابنتي (كادي) قليلا بدرجة تستطيع معها أن تتذكرني. فكرت أن أكتُبَ لها بعض الرسائل، لكن ماذا عساي أكتُبُ لها؟ فأنا لا أدري ما ستكون شخصيتها حين تبلغ الخامسة عشرة مثلا؟!
هناك شيءٌ واحِدٌ بسيط أقوله لها:  يا ابنتي حين تتذكرين حياتك بعد زمن وحين تُعَرِّفينَ عن نفسك للناس تذكري هذا الشيء ولا تنسينه: أنك ملأتِ حياة إنسانٍ على مشارف الموت بسعادةٍ لم أخبرها في كل حياتي السابقة.. سعادة لا أريد منها أن تكبر.. سعادة تكفيني كما هي بعظمتها.

پول كالانيثي
10

تخصص الجراحة و ما وراء الطبيعة (قصة حقيقية)

الزمنُ كان ربيع عام ٢٠٠٦ والمكانُ قسم الإنعاش في مستشفى مبارك.. هُناك فتىً أتى بين الحياة والموت بعد أن الزمنُ كان ربيع عام ٢٠٠٦ والمكانُ قسم الإنعاش في مستشفى مبارك.. هُناك فتىً أتى بين الحياة والموت بعد أن اصطدمت به سيارةٌ إذ كانَ يمشي.. عمر ذلك الفتى لم يكن يتجاوز الثانية عشرة أو الثالثة عشرة ربما.. ثم بعد أن دخل غرفة العمليات لإصلاح جراح بطنه تركوا البطن مفتوحا وأتوا به إلى غرفة الإنعاش.. كنت أحد أطباء فريق الإنعاش وكنت حديث التخرج من كلية الطب إذ ذاك. لم أكن أستوعب كليا سبب ترك بطنه مفتوحا.. كانت الحيرة تأخذ مني كل مأخَذٍ حينها وكنت أقولُ في نفسي أنني بعد شهر سأتجه لكندا للبدء بالتخصص الفعلي بالجراحة و حينها سأستوعب كيفية علاج مثل هذه الحالات.

الوَلَدُ هذا نقلوه إلى لندن لإكمال علاجه لكنه كان بين الحياة والموت ولم أكن أدري ما حصل له بعدها.

في كندا عالجت الكثير من حالات البطن المفتوحة بعد الحوادث وكنت في كل مرة أتساءل عن ذلك الفتى المسكين وما جرى له.. أَحَيٌّ هُوَ أم ميت؟! لا أدري ولا أعتقد أنني يوماً سَأدري.

في حالات الحوادث الشديدة حين ندخل غرفة العمليات ونفتح البطن فإننا نكون في صراعٍ مع الزمن لذلك نستخدم مبدأ (السيطرة على الدمار) وليس (إصلاح الدمار).. هناك وقتٌ قد يكون للسيطرة لكن لا وقت للإصلاح.. فكثيرا ما نترك البطن مفتوحا ونغطيه بمناشف وأنابيب تمتص الهواء والرطوبة في البطن ثم نغيرها كل يوم حتى نغلقه في وقت آخر، لكن الإصابة قد تكون شديدة على جدار البطن أحيانا وأحيانا أخرى تمتليء الأنسجة بالسوائل فلا نستطيع إغلاق البطن ويظل المرء ببطن مفتوح حتى تلتئم الأنسجة.. قد يستغرق ذلك أشهرا.. دعنا يا دكتور من تعقيدك هذا. ما تكتب لا ينسجم مع الصورة أعلاه.

الزمان شتاء ٢٠١٣.. المكان بهو فندق الإنتركونتننتال التابع لكليڤلاند كلينيك في كليڤلاند.. اتصل بي أحد المرضى الكويتيين الذين تم علاجهم وأخبرني أن هناك شاب أتى لإجراء عملية وسيزورني في العيادة لكنه أراد رؤيتي في الفندق قبلها.. اتجهت للفندق بدراجتي ليلاً حيث كنت غالبا أزور الخليجيين الذين يتجمعون في بهوه.. سلمت على ذلك الشاب ولم أكد أُتمُّ سلامي عليه حتى لمحت عيني آثار جرحٍ منتصف الرقبة أسفلها حيث تلتقي مع الصدر.

قلت له ولم أكد أكمل سلامي: هل كنت بين الحياةِ والموت؟

قال: نعم.. كيف عرفت؟

قلت له من جرحك هذا فهو يبدو لي وكأنه جرح الأنابيب التي نضعها مباشرة في الرقبة عوضا عن الفم.
وذلك دليل على أنك كنت في الإنعاش لمدة طويلة.

قلت له متوجسا ومترقبا هل كنت مصابا في حادث سيارة عام ٢٠٠٦ وكان بطنك مفتوحا ثم رحلت الى لندن؟!

قال مذهولا.. نعم..؟!

ربما صرخت من الفرحة هاتفا: كنت أنا احد أعضاء فريق الإنعاش وكنت انت تحت التخدير فلم تعرفني.. أنا سعيدٌ جدا أنك لا تزال حيّا! كنت أفكر فيك طوال رحلتي في تخصص الجراحة وانا الآن انتهيت منها حيث سأعود الى الكويت خلال أسبوعين.. كنت انت معي في بدايتها وها أنت تأتي في النهاية.

وكيف عرفتني بعد كل هذه السنين؟ سألني مندهشا حد الإندهاش.

لا أدري.. أحسست بك.. قلت في نفسي (الأشياء التي تزور أفكارنا من دون سبب واضح لا بد أنها تعني شيئا في المستقبل وإن لم تكن تعني الكثير في الماضي)! كانت في عيني نصف دمعةٍ حبستها عنه.

شيء من خارج العالم أن ترى أحدهم وتقول له يا هذا أنت حي.. كنت أحسبتك لست بين الأحياء!

الجراحة تخصص من ما وراء الطبيعة.

عاينته في العيادة وخططت فحوصاته قبل عمليته التي نجحت في كليڤلاند وها هو الآن سعيد جدا في الكويت يزورني في عيادتي.. والصورة التي في الإنستاغرام هي لي معه في عيادتي في الكويت قبل شهر لكنني لا أريد وضع صورته كاملة رغم أنه سمح لي بذلك وهذا للحفاظ على خصوصيته.

الفتى هذا الآن شاب ناجح مهذب محبوبٌ خلوق لكنه لا يحسن اختيار المطاعم الجيدة👌
وهقني باقتراحاته للمطاعم😎